اليمن يعود إلى الحرب.. هل فُتح باب المندب على المعركة الإقليمية؟

كتب اسماعيل الريماوي: بعد نحو أربعة أعوام من الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة اليمنية، عادت جبهات القتال إلى الاشتعال من جديد، لكن هذه المرة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يجعل من الصعب النظر إلى ما يجري في اليمن باعتباره مجرد جولة جديدة من الحرب الداخلية بين الحكومة اليمنية والحوثيين، فالتصعيد المتسارع على الأرض، واتساع رقعة المواجهات، والضربات التي طالت جنوب السعودية، كلها مؤشرات على أن اليمن قد يتحول من ساحة صراع داخلي إلى واحدة من أهم الجبهات في الحرب الإقليمية المفتوحة.
أهمية اليمن لا تأتي فقط من موقعه الجغرافي، وإنما من موقعه على واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، فاليمن يطل على البحر الأحمر وخليج عدن، ويقع إلى الشرق من مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل ممراً أساسياً لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، كما أن موقعه على الحدود الجنوبية للسعودية يجعله ملاصقاً لأحد أهم المراكز النفطية والاقتصادية في المنطقة ، ولهذا فإن أي حرب واسعة في اليمن لا تبقى داخل الحدود اليمنية، بل تحمل معها تداعيات تتجاوز اليمن إلى أمن الخليج والطاقة والملاحة الدولية.
وتزداد خطورة هذا الموقع في ظل الأزمة الحالية في مضيق هرمز، الذي أصبح ورقة ضغط إيرانية بالغة الأهمية في الصراع الإقليمي، ومع اضطراب حركة الطاقة عبر هرمز، تزداد قيمة الطرق البديلة، وعلى رأسها البحر الأحمر وباب المندب، وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر باب المندب ارتفعت إلى نحو 8.1 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من عام 2026، في وقت انخفضت فيه التدفقات عبر مضيق هرمز بصورة حادة، وهو ما يجعل أي تهديد لباب المندب أكثر حساسية بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية.
من هنا يمكن فهم خطورة العودة إلى التصعيد ، فالقوة الحوثية لم تعد مجرد طرف يسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، وإنما أصبحت تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة تجعلها قادرة على تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية، كما أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل السعودية وإسرائيل ، وبالتالي فإن السيطرة أو الضغط على المناطق القريبة من الساحل الغربي اليمني لا تعني فقط مكسباً عسكرياً في الحرب الداخلية، بل تمنح الحوثيين موقعاً يمكن تحويله إلى ورقة ضغط إقليمية في أي مواجهة أوسع.
ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة يؤكد أن الهدوء اليمني كان هشاً أكثر مما كان تسوية حقيقية ، فقد بدأت مؤشرات الانهيار تظهر بوضوح منذ يوليو، قبل أن تتسارع المواجهات في محافظتي تعز والحديدة والمناطق القريبة من الساحل الغربي، وفي الثالث من سبتمبر، شن الحوثيون هجوماً واسعاً على أكثر من محور، مستخدمين الصواريخ والطائرات المسيرة والقوات البرية، في محاولة للتقدم نحو مواقع استراتيجية قريبة من الساحل وطريق تعز ـ المخا والممرات المؤدية إلى باب المندب، وردت القوات الحكومية بهجمات مضادة واستعانت بالطيران، لتتحول الجبهات مجدداً إلى ساحة قتال مفتوحة.
لكن الأخطر أن المواجهة لم تبقَ داخل اليمن، ففي الثامن من سبتمبر تعرضت مدن جنوب السعودية، بينها خميس مشيط وأبها ونجران وجازان، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، وأصابت الهجمات منشآت حيوية ومنشآت نفطية، ما أدى إلى إصابة عشرات الأشخاص واندلاع حرائق في عدد من المواقع، وفق تقارير دولية، وهذه التطورات تعني أن المعادلة بدأت تتغير من جديد: فكلما اتسعت الحرب داخل اليمن، زادت احتمالات انتقالها إلى الأراضي السعودية، وكلما توسعت الضربات السعودية داخل اليمن، ارتفع خطر الرد الحوثي على المصالح والمنشآت السعودية.
وهنا تجد السعودية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي لا تريد العودة إلى حرب استنزاف طويلة على حدودها الجنوبية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل تمدد الحوثيين أو السماح لهم بتحويل الساحل الغربي وباب المندب إلى منصة ضغط على أمنها ومصالحها، والأكثر خطورة بالنسبة إليها أن أي تهديد للموانئ والمنشآت النفطية وخطوط النقل والطاقة يمكن أن يتزامن مع الضغوط القائمة أصلاً على طرق تصدير النفط بسبب الحرب الإقليمية، الأمر الذي يجعل أي ضربة جديدة للمنشآت السعودية أكثر تأثيراً من السابق.
أما بالنسبة إلى الحوثيين، فإن الخيارات أمامهم أصبحت أوسع من مجرد القتال على الأرض، فبإمكانهم استخدام الجبهة البحرية للضغط على الملاحة في باب المندب، واستهداف السفن المرتبطة بخصومهم، وتهديد المصالح السعودية، وإعادة تفعيل الجبهة ضد إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهي ورقة سبق أن استخدموها خلال الحرب في غزة واستهدفوا من خلالها منطقة إيلات ومصالح مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة، وإذا تزامنت هذه الجبهات الثلاث ـ البحر الأحمر، والسعودية، وإسرائيل ـ فإن اليمن لن يعود مجرد ملف يمني، بل سيصبح جزءاً مباشراً من منظومة الصراع الإقليمي.
وهنا تكمن أهمية السؤال: هل نحن أمام عودة للحرب اليمنية، أم أمام إعادة فتح جبهة إقليمية جديدة عبر اليمن؟
لا يمكن تجاهل الدعم الإيراني للحوثيين وعلاقة الحركة بطهران، خصوصاً في ظل الحرب الإقليمية الأوسع، لكن اختزال ما يجري باعتباره مجرد قرار إيراني مباشر سيكون تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً، فالداخل اليمني يحمل أسباباً سياسية وعسكرية واقتصادية عميقة للصراع، إلا أن توقيت التصعيد وموقع اليمن الجغرافي وقدرات الحوثيين يجعل أي انفجار داخلي قابلاً بسرعة للتحول إلى ورقة في الصراع الإقليمي. وهذا تحديداً ما يجعل اليمن اليوم أخطر من أن يُقرأ من زاوية الحرب الأهلية وحدها.
المشكلة أن اليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة، فهو لم يخرج أصلاً من آثار الحرب السابقة، ملايين اليمنيين يعيشون في ظروف إنسانية صعبة، والاقتصاد منهك، والبنية التحتية مدمرة، وأي عودة واسعة للقتال تعني موجة جديدة من النزوح والفقر والجوع، في وقت تشير فيه التقارير إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ونزوح عشرات الآلاف خلال موجة التصعيد الأخيرة وحدها.
لكن الحسابات العسكرية والسياسية لا تبدو مستعدة للتراجع، فكل طرف يرى في المرحلة الحالية فرصة لتحسين موقعه قبل أي تسوية جديدة، الحكومة اليمنية تريد استعادة زمام المبادرة وتغيير موازين القوى على الأرض، والحوثيون يريدون تثبيت قدرتهم على فرض معادلة جديدة، والسعودية تريد منع تحول حدودها الجنوبية وباب المندب إلى مصدر تهديد دائم، بينما تنظر إيران إلى أوراق القوة التي تمتلكها حلفاؤها في المنطقة باعتبارها جزءاً من منظومة الردع والضغط في مواجهة خصومها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون على صنعاء وحدها، بل على الجغرافيا التي تمنح من يسيطر عليها القدرة على التأثير في المنطقة بأكملها، تعز، والمخا، والحديدة، والساحل الغربي، والمناطق القريبة من باب المندب، ليست مجرد أسماء على خريطة الحرب اليمنية؛ إنها مفاتيح لمعادلة بحرية واقتصادية وعسكرية تتجاوز اليمن بكثير.
وإذا استمرت المواجهات واتسعت، فإن أخطر سيناريو هو تحول اليمن إلى حلقة جديدة في سلسلة الحرب الإقليمية، بحيث تصبح كل ضربة على الأراضي اليمنية مقدمة لضربة في السعودية، وكل ضربة في السعودية سبباً لتصعيد جديد في اليمن، وكل تهديد لباب المندب مدخلاً لأزمة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية ، عندها لن يكون السؤال من ينتصر في جبهة تعز أو الحديدة، بل من يستطيع التحكم في واحدة من أهم بوابات العالم البحرية.
وقد يكون السيناريو الأفضل هو احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب مفتوحة يصعب إيقافها، لأن اليمن جُرّب فيه الحل العسكري لسنوات طويلة ولم ينتج سوى الدمار والاستنزاف، لكن الخطر أن تتغلب الحسابات الإقليمية على الحاجة اليمنية إلى السلام، وأن يصبح اليمن مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.
اليمن اليوم يقف عند مفترق خطير، فإما أن يبقى التصعيد ضمن حدود الصراع اليمني ويتم احتواؤه قبل أن يتوسع، وإما أن يتحول باب المندب إلى جبهة جديدة في الحرب الإقليمية، وعندها لن يدفع اليمن وحده الثمن، فالممر البحري الذي يربط الشرق بالغرب لا يحمل فقط السفن والنفط والتجارة، بل يحمل معه ميزاناً حساساً للأمن العالمي، وإذا انفتح باب المندب على الحرب، فقد لا يكون من السهل إغلاقه بالوسائل السياسية وحدها.
اليمن ليس هامشاً في هذه الحرب، بل قد يكون أحد مفاصلها الأخطر، ومن يسيطر على جغرافيته الاستراتيجية لا يملك ورقة يمنية فحسب، بل يملك القدرة على التأثير في البحر الأحمر والطاقة والملاحة وأمن الخليج، ولهذا فإن ما يجري اليوم في اليمن يجب ألا يُقرأ باعتباره عودة عابرة إلى الحرب، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لما إذا كان الصراع الإقليمي سيتوقف عند حدوده الحالية، أم أنه بدأ يبحث عن أبواب جديدة، وربما يكون باب المندب هو أخطر هذه الأبواب.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



