محمود كلّم يكتب لوطن: كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟

06.09.2026 05:17 PM

في لبنان، تبدأ الحكاية قبل الانتخابات بأسابيع أو أشهر.

تبدأ الصولات والجولات، وتُفتح أبواب البيوت، وتكثر الزيارات للقرى والبلدات والوجهاء. فجأة، يصبح الفقير عزيزاً، والمحتاج قريباً، وتبدأ أكياس الرز وعبوات الزيت والمساعدات، ويُزفَّت هذا الشارع أو ذاك.

تُوزَّع الابتسامات قبل المساعدات، وتُلتقط الصور، وتُقال الوعود.

ثم تنتهي الانتخابات، فتُغلق الأبواب، وتختفي الوجوه، ويعود الفقير إلى وحدته، ويعود الشارع إلى حُفره… حتى يحين موعد الانتخابات التالية.

أما في الحالة الفلسطينية، فيبدو المشهد أكثر قسوة.

هناك أعراس مجانية، ومنح للطلاب، ومساعدات، ووعود، ومحاولات لشراء الولاء والذمم.

وحين لا تكفي هذه الوسائل، قد تصبح التهمة جاهزة لمن يرفض السير تحت عباءة هذا الطرف أو ذاك. وفي ظل الاحتلال، قد تكفي إشارة أو وشاية أو خلاف سياسي ليتولى الاحتلال بقية الحكاية، فيتحول الاختلاف في الرأي إلى اعتقال أو تغييب طويل.

لكن الأكثر إيلاماً أن تنظر إلى وجوه من سيختارون المرشحين للمجلس الوطني والتشريعي، وإلى تاريخهم.

عندها قد تكره نفسك لأنك فلسطيني.

لا لأنك تكره فلسطين، بل لأنك تحزن على شعب عظيم، قدّم من التضحيات والدماء ما يكفي لكتابة تاريخ أمة كاملة.

عندها تقول:

مسكين شعبنا الجبّار العظيم، صاحب التضحيات… أنت في وادٍ، ومن يدّعون زوراً تمثيلك في وادٍ آخر.

المشكلة ليست في أن يفوز مرشح أو يخسر آخر.

المشكلة أن يتحول المواطن إلى صوت يُشترى قبل الانتخابات، ثم يُنسى بعدها.

وأن يتحول الفقر إلى وسيلة سياسية، والحاجة إلى ورقة انتخابية، والاختلاف إلى تهمة.

شعبٌ قدّم الشهداء والأسرى والجرحى، وشرّدته النكبة، وصمد عقوداً في وجه الاحتلال والعالم المنافق… ثم يأتي من يختارون باسمه ليقرروا من يمثّله، وكأن كل ذلك الدم لم يكن كافياً ليمنحه حق اختيار من يشبهه.

فلسطين ليست فقيرة إلى الرجال، بل إلى من يملك شجاعة الاعتراف بأن الشعب أكبر من ممثليه.

وقد يأتي يوم لا يسأل فيه التاريخ: من فاز؟

بل سيسأل:

كيف سمحتم لشعبٍ بهذه العظمة أن يُمثَّل بهذا الهُزال؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير