بسام زكارنة يكتب لوطن: ماذا نريد من الانتخابات؟ تغيير الأشخاص أم بناء دولة؟

14.08.2026 10:28 AM

 في الحديث عن الانتخابات الفلسطينية انشغلنا كثيرا بالسؤال: من سيترشح؟ من سيتصدر القوائم؟ ومن سيفوز؟ لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: ماذا نريد من الانتخابات؟ تغيير الأشخاص أم بناء دولة؟.

نحن نريد الانتخابات وتجديد الشرعية الشعبية لكن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها قيمتها الحقيقية أنها يمكن أن تكون مدخلا لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد الحياة الحزبية وإنتاج قيادة قادرة على مواجهة الاحتلال وإدارة الدولة وتحمل مسؤولية المرحلة.
والأرقام الأخيرة تستحق التوقف فبحسب أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية يحصل كل من فتح وحماس على 24% من التأييد بينما يقول 38% من الفلسطينيين إنهم لا يؤيدون أيا منهما أو لا يعرفون لمن سيمنحون أصواتهم والأهم أن 44% يرون أن لا فتح ولا حماس جديرتان بتمثيل وقيادة الشعب الفلسطيني هذه ليست مجرد أرقام انتخابية إنها رسالة واضحة عن أزمة الثقة بالحياة السياسية والأحزاب القائمة لكن علينا أن نقرأها بوعي لا بانفعال.
فبعض الناس يتعاملون مع الانتخابات باعتبارها فرصة لمعاقبة فتح وحماس وإسقاط الشخصيات و الفصائل القائمة ومن حق المواطن أن يعاقب انتخابيا من يعتقد أنه أخفق لكن السؤال الأهم هو: ماذا بعد الإسقاط؟ هل يكفي أن نسقط حزبا أو حركة؟ ومن سيملأ الفراغ؟ وهل البديل موجود فعلا؟.

الخطأ أن نتصور أن السياسة تقوم على إسقاط القديم فقط فقد تكون هناك أحزاب وحركات يمكن إصلاحها وتقويتها من الداخل عبر تجديد قياداتها وبرامجها ومؤسساتها وإدخال دماء جديدة إليها وإذا وصل الخلل إلى درجة يستحيل معها الإصلاح، فالمسار الطبيعي ليس الفوضى أو الفراغ بل بناء حزب جديد قوي بتمويل وطني واضح وبرنامج قادر على تقديم ما عجزت القوى القائمة عن تقديمه.
أما أن ننجح في إسقاط فتح وحماس وبقية الفصائل من دون أن ننجح في بناء بديل مقنع ومنظم وقادر على الحكم فسوف نكون قد غيرنا الأسماء ولم نغير الواقع و هذا حصل في الربيع العربي .
وهنا تكمن مسؤولية الـ38% الذين لا يؤيدون أيا من الطرفين أو لم يحسموا خيارهم هذه النسبة ليست مجرد كتلة احتجاجية تنتظر صندوق الاقتراع إنها مساحة سياسية واسعة يمكن أن تتحول إلى قوة بناء إذا انتقلت من رفض الموجود إلى صناعة البديل فالبديل لا يولد يوم الانتخابات البديل يحتاج إلى حزب وبرنامج وقواعد وكوادر وقيادة ومؤسسات وتمويل واضح غير مشبوه واستعداد لتحمل المسؤولية.
لا نريد قوائم انتخابية فقط و لا يمكن بناء دولة بأحزاب ضعيفة أو بفوضى سياسية أو بفراغ تنظيمي ولا يمكن بناء نظام مستقر بقوائم تولد مع الانتخابات وتموت بعد إعلان النتائج.
نحن بحاجة إلى أحزاب موجودة في حياة الناس لا تظهر فقط عندما تقترب الانتخابات أحزاب لها موقف من الاستيطان واعتداءات المستوطنين و حاضرة  في الدفاع عن الأرض والمزارع والقرية وتقف إلى جانب أهلنا في غزة وتمتلك رؤية واضحة لإنهاء الاحتلال وبناء الدولة.

والحزب الذي يريد قيادة الناس يجب أن يعرف أيضا كيف يدير الدولة: كيف سيواجه الحصار المالي؟ كيف سيحمي المال العام؟ كيف سيخلق فرص العمل؟ كيف سيدعم الزراعة والصناعة والتكنولوجيا؟ كيف سيطور التعليم والصحة والقضاء؟ وكيف سيعيد إعمار غزة ويوحد مؤسسات الدولة؟ هذه الأسئلة أهم من سؤال: من سيكون على رأس القائمة؟و من يريد أن يكون بديلا؟.
هناك ظاهرة أخرى تستحق التوقف: بعض من يقدمون أنفسهم اليوم كبدائل سياسية لم يكن لهم حضور حقيقي في مواجهة الاحتلال أو في العمل الوطني ثم يظهرون بقوة عندما تصبح الانتخابات طريقا إلى المجلس التشريعي أو الحكومة وبعض الأصوات التي تتصدر النقد اليوم لا تسأل أصحابها: أين كنا عندما كانت المواجهة قائمة؟ وماذا تحملنا؟ وهل لدينا الاستعداد لتحمل الكلفة التي نطالب الآخرين بتحملها؟ ولا مشكلة في أن ينجح الإنسان في عمله أو تعليمه أو تجارته أو مشاريعه الخاصة و ترك النضال و المقاومة فهذا حق طبيعي  موجود لدى كل الثورات السابقة و الحالية لكن لا يجوز أن يتحول الابتعاد عن العمل الوطني إلى موقع تنظيري يتيح لصاحبه مطالبة الآخرين بالتضحيات التي لم يكن مستعدا لتحملها ثم العودة في موسم الانتخابات لقطف ثمار مواقع سياسية أو نفوذ اقتصادي.
والأخطر أن تتحول الأموال الخارجية غير الواضحة المصدر أو الأهداف إلى وسيلة لصناعة نفوذ سياسي أو شراء ولاءات أو تفكيك قوى وطنية و البديل السياسي الحقيقي يجب أن يكون مشروعه واضحا ومصادر تمويله واضحة وقراره الوطني مستقلا.
من يريد أن يكون بديلا عليه أن يقدم مشروعا وطنيا قابلا للتنفيذ لا مجرد خطاب و صوت مرتفع في النقد.
السياسة ليست وظيفة موسمية والقيادة ليست مقعدا في المجلس التشريعي أو منصبا في الحكومة ومن يريد قيادة شعب تحت الاحتلال يجب أن يكون مستعدا للمواجهة السياسية والشعبية والقانونية والدبلوماسية و العسكرية وأن يطبق على نفسه ما يطالب به الآخرين.

ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يرافقنا إلى صندوق الاقتراع و ماذا لو فازت قائمة جديدة ورفض الاحتلال نتائجها؟ ماذا لو استمر الاستيطان والاقتحام والاعتقال؟ و ماذا لو فُرض حصار مالي على الحكومة المنتخبة؟  هل ستواجهه بكل الوسائل ام تنسحب من الحياة السياسية ؟ .
ماذا لو جاءت النتائج متقاربة للأحزاب القديمة واضطرت القوى إلى تشكيل ائتلاف و وحدت برنامجها السياسي ؟ و ماذا لو فازت قوى جديدة ولم تكن لديها كوادر ومؤسسات قادرة على إدارة الدولة؟ وماذا لو احترم الجميع النتائج واتجهوا إلى شراكة وطنية حقيقية وتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام؟ لا أحد يستطيع أن يعرف اليوم شكل النتائج لكن يجب أن نعرف كيف سنتعامل معها أيا كانت.
الدولة لا تُبنى  بإسقاط الأحزاب الدول و لا تُبنى  بالأشخاص ولا بالأموال المشبوهة بل بالمؤسسات والأحزاب القادرة على إنتاج القيادات والبرامج ومحاسبتها.
ولهذا لا ينبغي أن تكون المعركة الأساسية: كيف نسقط فتح؟ أو كيف نسقط حماس؟ أو كيف نسقط الفصائل؟ السؤال الأصح هو: كيف نعيد بناء الحياة السياسية الفلسطينية بحيث تصبح لدينا أحزاب قوية قادرة على الحكم والمواجهة؟.
يمكن إصلاح حزب قائم وتقويته من داخله ويمكن تغيير قياداته وبرامجه ومؤسساته ويمكن إذا تعذر الإصلاح بناء حزب جديد بأموال وطنية وبرنامج وطني وقرار مستقل لكن لا يمكن بناء دولة من خلال فوضى او فراغ سياسي.
فالغاية ليست أن نسقط حزبا وإنما أن ننتج حياة سياسية أفضل منه وليست القضية أن نغير الأشخاص فقط بل أن ننتج مؤسسات أقوى منهم.

الانتخابات بداية وليست نهاية و الاحتلال لن يختفي بعد الانتخابات والاستيطان لن يتوقف بتغيير أعضاء المجلس التشريعي أو المجلس الوطني والحصار المالي لن ينتهي بمجرد تشكيل حكومة وإعادة إعمار غزة لن تتم بالشعارات لذلك فإن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بنسبة المشاركة ولا بعدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الحزب أو ذاك نجاحها الحقيقي أن تكون بداية لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية.
نريد فتح والفصائل أقوى وأكثر قدرة على تجديد نفسها ونريد حماس والقوى الإسلامية وغيرها أن تطور نفسها وتراجع تجربتها ونريد للقوى الجديدة أن تقدم بديلا حقيقيا او أن تضيف للموجود لا مجرد خطاب معارض ونريد من الـ38% الذين لم يحسموا خيارهم أن يدركوا أن قوتهم لا تكمن فقط في إسقاط الموجود بل في قدرتهم على صناعة البديل و إما أن يدخلوا إلى الأحزاب القائمة ويساهموا في إصلاحها وتقويتها أو يؤسسوا حزبا جديدا يجمع الناس حول برنامج قادر على تحقيق ما عجزت القوى القائمة عن تحقيقه.
أما أن نسقط الجميع ثم نكتشف أننا لم نبن شيئا فذلك ليس تغييرا انه انتحار سياسي و إنه فراغ جديد ولهذا يجب أن يكون سؤال الناخب قبل أن يضع ورقته في الصندوق: ليس فقط: من أريد أن أسقط؟
بل أيضا: ماذا أريد أن أبني؟ فالانتخابات يمكن أن تغير الأشخاص وقد تسقط أحزابا وتنتج أحزابا أخرى لكن الدولة لا تُبنى  بإسقاط الأحزاب بل ببناء قوى سياسية ومؤسسات أقوى من الأشخاص وقادرة على تحمل مسؤولية الوطن.

فالغاية ليست تغيير الوجوه فقط الغاية أن نبني دولة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير