نبهان خريشه يكتب لوطن: الهجمات الأمريكية على إيران: رسائل القوة وحدود الحرب

18.07.2026 03:49 PM


لم يعد القصف الأمريكي لأهداف تقع في العمق الإيراني مجرد عملية عسكرية محدودة أو رد فعل تكتيكي على تطور ميداني معين، بل أصبح يمثل تحولاً واضحاً في طبيعة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، وانتقالاً إلى مرحلة جديدة تقوم على توسيع دائرة الاشتباك ورفع مستوى الضغط العسكري والسياسي. فحين تنتقل الضربات من استهداف مواقع على الأطراف أو منشآت مرتبطة بالحلفاء الإقليميين إلى أهداف داخل العمق الإيراني، فإن الرسالة تتجاوز تدمير منشآت عسكرية أو مراكز قيادة، لتؤكد أن الولايات المتحدة مستعدة لتغيير قواعد الاشتباك التقليدية إذا رأت أن مصالحها الاستراتيجية أو أمن حلفائها يتعرضان للخطر.

هذا التطور لا يمكن فصله عن المسار الذي سلكته العلاقة بين واشنطن وطهران خلال العقود الماضية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، ظل الصراع بين الطرفين يدور في معظمه عبر العقوبات الاقتصادية، والحروب بالوكالة، والعمليات الاستخبارية، والاغتيالات، والهجمات السيبرانية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق. لكن استهداف العمق الإيراني يمثل انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة أكثر هجومية، تقوم على فرض كلفة عسكرية مباشرة على إيران داخل حدودها الوطنية.

وفي المقابل، تكشف هذه الضربات أن جولات الضغط السابقة لم تحقق الأهداف الاستراتيجية المرجوة. فلو نجحت العقوبات الاقتصادية أو الضربات المحدودة أو سياسة الردع التقليدية في تغيير السلوك الإيراني، لما اضطرت واشنطن إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية بهذا الشكل. وفي العلاقات الدولية، كثيراً ما يكون التصعيد التدريجي مؤشراً على أن الأدوات السابقة لم تعد كافية لتحقيق النتائج المطلوبة، وأن صانع القرار يلجأ إلى أدوات أكثر قوة أملاً في تعديل ميزان الردع.

غير أن التصعيد الأمريكي لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتجه نحو غزو إيران أو إسقاط النظام فيها. فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة مع دولة بحجم إيران، جغرافياً وبشرياً وعسكرياً، ستكون مختلفة تماماً عن الحروب التي خاضتها في العراق أو أفغانستان. كما أن المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة لا يحتمل الانخراط في حرب طويلة ومكلفة، خاصة بعد التجارب المريرة التي استنزفت الاقتصاد الأمريكي وأثارت انقسامات داخلية عميقة.
في المقابل، تدرك إيران أيضاً أنها لا تستطيع خوض مواجهة تقليدية مفتوحة مع الولايات المتحدة، نظراً للفارق الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية. ولذلك فإن الاستراتيجية الإيرانية ظلت، طوال العقود الماضية، تقوم على تجنب الحرب الشاملة، مقابل إطالة أمد الصراع واستنزاف الخصم بأدوات غير تقليدية، تشمل تطوير القدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، وتعزيز شبكات الحلفاء الإقليميين، واستخدام أوراق الضغط المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة.
ومن هنا، فإن الضربات الأمريكية في العمق الإيراني لا تبدو مقدمة لحرب تقليدية سريعة وحاسمة، بقدر ما تؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع عنوانها رفع سقف المخاطر من دون تجاوز نقطة اللاعودة. فكل طرف يسعى إلى توجيه ضربات مؤلمة للطرف الآخر، لكنه في الوقت نفسه يحاول تجنب الخطوة التي تدفع إلى حرب إقليمية شاملة لا يستطيع أحد التحكم بمسارها أو نتائجها.
إن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار هذا النمط من التصعيد المتدرج، بحيث تتكرر الضربات الأمريكية ضد أهداف تعتبرها واشنطن ذات قيمة

استراتيجية، بينما ترد إيران بوسائل مختلفة، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائها في المنطقة. وهذا يعني بقاء الشرق الأوسط في حالة مواجهة مفتوحة منخفضة أو متوسطة الحدة، تتخللها فترات هدوء نسبي يعقبها تصعيد جديد، من دون الوصول إلى نهاية حاسمة.
هذا السيناريو ينسجم مع طبيعة الصراعات الحديثة، التي لم تعد تقوم دائماً على إعلان حرب رسمية ثم توقيع اتفاق سلام، بل أصبحت تعتمد على إدارة نزاعات طويلة الأمد، تستخدم فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والإعلامية في آن واحد. وفي مثل هذه الحروب، يصبح الاستنزاف هدفاً بحد ذاته، وتتحول القدرة على الصمود إلى عنصر لا يقل أهمية عن القدرة على تحقيق انتصارات ميدانية.
السيناريو الثاني يتمثل في أن يقود هذا التصعيد، بعد مرحلة من الضغوط المتبادلة، إلى العودة للمفاوضات، ولكن من موقع مختلف تماماً عما كان قائماً في السابق. فالولايات المتحدة لطالما استخدمت القوة العسكرية لتحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة للوصول إلى حسم عسكري نهائي. كما أن إيران اعتادت بدورها التفاوض بعد إثبات قدرتها على تحمل الضغوط وعدم الاستسلام لها. وفي هذه الحالة، قد تشهد المنطقة جولة جديدة من المفاوضات حول البرنامج النووي، أو حول ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، لكن وفق موازين قوة مختلفة فرضها التصعيد العسكري.

أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في خروج الأحداث عن السيطرة نتيجة خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية. فكلما ارتفع مستوى التصعيد، ازدادت احتمالات وقوع حادث غير محسوب، أو سقوط عدد كبير من الضحايا، أو استهداف منشآت حساسة، الأمر الذي قد يدفع أحد الأطراف إلى رد يتجاوز الحدود التي كانت قائمة سابقاً، لتتحول المواجهة المحدودة إلى حرب إقليمية واسعة تشمل أكثر من ساحة في وقت واحد.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن تداعياته لن تقتصر على الولايات المتحدة وإيران، بل ستمتد إلى مجمل الشرق الأوسط، حيث ستتعرض خطوط الملاحة الدولية وممرات الطاقة لتهديدات جدية، وسيرتفع خطر اضطراب أسواق النفط والغاز، وستواجه الاقتصادات العالمية موجة جديدة من عدم الاستقرار، في وقت لم تتعاف فيه الأسواق بالكامل من آثار الأزمات الدولية المتلاحقة.

كما أن أي حرب واسعة ستفرض تحديات كبيرة على الدول العربية، التي ستجد نفسها أمام ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة، سواء من خلال تداعياتها على التجارة والطاقة والاستثمار، أو عبر احتمالات اتساع رقعة المواجهة لتشمل أراضي أو مصالح إقليمية.
وفي خلفية هذا المشهد، لا يمكن تجاهل البعد الإسرائيلي. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى المواجهة مع إيران بمعزل عن أمن إسرائيل، كما أن إسرائيل ترى في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية هدفاً استراتيجياً طويل الأمد. لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تطابق كامل في الحسابات بين الطرفين. فقد تسعى إسرائيل إلى توسيع نطاق المواجهة إلى أقصى حد ممكن، بينما تحاول واشنطن الإبقاء على مستوى من التصعيد يسمح بإدارة الأزمة من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة تستنزف القوات الأمريكية ومصالحها العالمية.

ولعل أكثر ما يميز المرحلة الحالية هو أن جميع الأطراف تدرك خطورة الحرب الشاملة، لكنها في الوقت ذاته تواصل اتخاذ خطوات تقرب المنطقة منها. إنها معادلة شديدة التعقيد؛ فكل طرف يرفع سقف الضغط على خصمه من أجل تحسين موقعه السياسي والعسكري، لكنه يراهن في الوقت نفسه على أن الطرف الآخر لن يذهب إلى المواجهة الكبرى. غير أن التاريخ مليء بأمثلة لحروب لم تكن أي من الأطراف تخطط لها، لكنها اندلعت نتيجة تراكم التصعيد وسوء تقدير النوايا.

وفي المحصلة، فإن القصف الأمريكي في العمق الإيراني لا يمثل مجرد تطور عسكري عابر، بل يشير إلى إعادة تشكيل قواعد الصراع في الشرق الأوسط. فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي أو أمن إسرائيل، وإنما أصبحت جزءاً من صراع أوسع على إعادة رسم توازنات القوة في المنطقة خلال السنوات المقبلة. ومع أن القوة العسكرية قادرة على تغيير الوقائع الميدانية وفرض معادلات ردع جديدة، فإن التجارب التاريخية تؤكد أنها نادراً ما تنجح وحدها في إنتاج استقرار سياسي دائم. ولذلك فإن مستقبل المنطقة سيظل رهناً بقدرة القوى المتصارعة على الانتقال من إدارة التصعيد إلى إدارة التسويات، قبل أن يتحول التصعيد المتدرج إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حسابات جميع اللاعبين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير