اقتصاد الضرورة والعطلة الصيفية في فلسطين

15.07.2026 01:46 PM

كتبت حنين غالب: في كل مكان حول العالم، تعني العطلة الصيفية للطلاب والمعلمين فضاءً من الراحة، السفر، ومكافأة الذات بعد عام دراسي شاق؛ أما في فلسطين، فقد تحول الصيف إلى أطول موسم "لإدارة التقشف" واقتصاد الضرورة القصوى. فبينما تخلو ساحات المدارس من ضجيج الطلاب معلنةً بدء الإجازة، ينتقل الضجيج الحقيقي إلى داخل غرف المعيشة وحسابات البقالة والدكاكين الصغيرة، حيث لا أحد يتحدث عن مخيمات صيفية أو رحلات استجمام، بل تنشغل العائلات بـ "اقتصاد النجاة" وهندسة كيفية تقسيم أنصاف الرواتب على أشهر الصيف الطويلة، وسط تدهور اقتصادي غير مسبوق في البلاد.

هذه المفارقة الموسمية تعكس في عمقها أرقاماً رسمية بالغة القسوة؛ منذ أواخر عام 2025 وبداية 2026، تواجه الحكومة الفلسطينية أزمة مالية حادة بعجز مالي تجاوز 20 مليار شيكل، مما جعلها تعجز عن الوفاء بالتزاماتها وتصرف الرواتب بنسب ضئيلة تتراوح بين 55% و60% فقط، تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة قد ارتفع إلى 29.5% في الربع الأول من عام 2026 في الضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعين، مع تفاوتات صارخة تصل إلى 78% في القطاع، وهذا الواقع المرير يلقي بظلاله الثقيلة على القطاعات الحيوية كافة، وعلى رأسها قطاع التعليم؛ وبينما يعيش الفلسطينيون في ظل هذه "الهندسة اليومية الجبرية"، يبرز العجز البنيوي في معيشة الفئات الأكثر تأثيراً في المجتمع؛ وهم المعلمون، إذ يبلغ متوسط راتب المعلم حوالي 3200 شيكل قبل الخصم، بينما يهبط متوسط الراتب الشهري العام في البلاد إلى حوالي 1900 شيكل (631 دولاراً أمريكياً) وفق تصنيفات عام 2026. إن هذه الدخول الهزيلة تتلاشى تماماً أمام الارتفاع الحاد في معدلات التضخم وغلاء المعيشة، مما يحيل الحد الأدنى للأجور المحدد قانوناً بـ 1880 شيكلاً إلى رقم رمزي غير كافٍ نهائياً لسد المتطلبات الأساسية، ويجبر العائلات على قضاء إجازتها الصيفية في ابتكار بدائل قاسية للبقاء على قيد الصمود.

فبعد أن تحولت العطلة الصيفية إلى ساحة للبحث المحموم عن مصادر دخل بديلة للمعلمين كضرورة اقتصادية فرضتها الظروف، شاركتني المعلمة خولة من نابلس، وهي أم ومسؤولة عن أسرة، تصف الرواتب المتقطعة بأنها "ضغط يومي ووجع للرأس"، فقد دفعتها لترتيب أولوياتها بدقة، وتأجيل المصاريف، والاستدانة من الأقارب، بل والعمل لساعات إضافية في صالون تجميل منزلي خاص بها. بالنسبة لها: "العمل الصيفي لم يعد خياراً إضافياً، صار ضرورة، والصالون بالنسبة لي هو طوق النجاة الوحيد الذي يوفر دخلاً أساسياً وليس إضافياً لي ولعائلتي، بالذات خلال موسم الأعراس الصيفي، بينما استمراري في العمل التعليمي مجرد رسالة ومسؤولية شخصية أكثر من مصدر رزق"، وشاركها الأستاذ ع.ش من مخيم العروب ذات الشعور، مؤكداً أن تأخر الرواتب واقتطاعها يجعله غير قادر على تغطية تكاليف المواصلات اليومية للمدرسة أو شراء الأساسيات الضرورية لمنزله، هذا الضغط يدفعه للعمل في الزراعة داخل المستوطنات القريبة خلال الصيف، وفي ورشة نجارة ببيت لحم خلال العام الدراسي بعد دوامه. يصف الأستاذ ع.ش وظيفته الأساسية بأنها "استقرار وظيفي وهمي" يضمن بها تقاعداً مستقبلياً، بينما الأعمال الجانبية هي "ضرورة، مش رفاهية" تسد الفجوة المالية، ويضيف: "عمري 36 سنة وحتى الآن لم أستطع الإدخار لبناء بيت أو للزواج، لو سنحت لي الفرصة لعملت في المستوطنات طوال العام وليس فقط في العطلة الصيفية، لكن الإجراءات الأمنية الاسرائيلية تعيقني من التفكير في هذا حتى"

وفي نفس السياق، الأستاذ ماجد عمرو من الخليل يقدم شهادة أكثر قسوة، مشيراً إلى أن الرواتب لم تكن تغطي غلاء المعيشة حتى عندما كانت كاملة، اليوم، أصبحت تكلفة المواصلات وحدها تشكل عبئاً هائلاً، حيث قد تصل إلى 25-30 شيكلاً يومياً للمعلمين القادمين من مناطق بعيدة . هذا الوضع دفعه وزوجته لإطلاق مشروع صغير لبيع السوشي لتعويض النقص.

وبالتأكيد، الأزمة الاقتصادية الكلية لا تؤثر فقط على المعلمين، بل تتغلغل لتصل إلى الأطفال والطلاب (ذكوراً وإناثاً)، الذين باتوا يشمون رائحة الفقر ويلمسون تردي الحالة الاقتصادية بشكل مباشر. هذا الإدراك المبكر للواقع الاقتصادي دفعهم نحو الانخراط في سوق العمل غير الرسمي في سن مبكرة، وأصبحت العطلة الصيفية تمثل "مساحة الحلول" الأكثر وضوحاً، ورغم أن هذه الحلول قد تبدو موسمية، إلا أن الشهادات الميدانية تؤكد أن العديد من هذه الأعمال الجانبية تستمر حتى ما بعد العطلة الصيفية، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيات البقاء اليومية، مما أدى إلى تراجع الانضباط والتحصيل العلمي، وزيادة حالات الرسوب كما أشار لنا الأستاذ ماجد عمرو، ما يهدد مستقبلهم التعليمي والتنموي.

فقد شهدت دوافع عمالة الأطفال في فلسطين تحولاً جذرياً، ففي السابق (2010-2015)، كانت عمالة الأطفال مرتبطة غالباً بـ "قلة الوعي" بأهمية التعليم أو "المساعدة في مشاريع عائلية"، حيث كانت نسبة 51% من الأطفال العاملين يعملون لمساعدة أسرهم في

مشاريع منزلية، أما حديثاً (2023-2026)، فقد تحولت الدوافع إلى "عوز اقتصادي محض" بنسبة تتجاوز 71%، حيث أصبح الطفل هو "المعيل المساعد" لتعويض فقدان رب الأسرة لعمله، خاصة بعد توقف العمالة في إسرائيل وانقطاع تمويل مشاريع المؤسسات غير الحكومية بعد الحرب الأخيرة، هذا التحول يعكس تدهوراً حاداً في الظروف المعيشية، حيث لم تعد عمالة الأطفال مقتصرة على الذكور أو الفئات "الأكثر فقراً"، بل دخلت فئات "الطبقة الوسطى" (أبناء المعلمين والموظفين) سوق العمل الموسمي لتغطية فجوة الرواتب، كما وبرزت ظاهرة انخراط الفتيات خلال العطلة الصيفية في "المخيمات الصيفية" كعاملات أو في أعمال يدوية منزلية ومشاريع التجارة الإلكترونية وغيرها، وهو تحول ديموغرافي كبير في سوق العمل غير الرسمي .

الطالب مصطفى (14 عاماً) يروي قصته في العطلة الصيفية هذه، حيث يعمل في مطعم طوال النهار لمساعدة أهله بعد أن فقد والده عمله في إسرائيل، بالنسبة لمصطفى، "العمل أهم عندي من المدرسة، لأنه يأتيني بالنقود، بس المدرسة فلا تأتيني بشيء، أتمنى أن أترك الدراسة لكن أمي مصرة على إكمالي لتعليمي وتوصي مدير المدرسة بي كثيراً، عندما كنت أغيب عن المدرسة سابقاً كان المدير يأتيني بعد الدوام إلى البسطة التي كنت أعمل عليها ليوبخني"، ويعترف مصطفى بأنه تعرض للكثير من محاولات الاستغلال، حيث كان يعمل لساعات طويلة بأجر قليل، ويشعر بأن كرامته تُنتهك في بعض الأعمال بالذات حين كان يضطر لبيع المحارم أو البسكوت للمارة، الأمر الذي يوضح الخط الرفيع بين عمالة الأطفال والتسول، وأضاف مصطفى: "أنا أعمل منذ كان عمري 10 سنوات، جربت الكثير من الأعمال، على بسطات وفي الورشات، العمل في المطعم هو الأسهل صيفاً لوجود التكييف".

يُشير المحامي والناشط الحقوقي إسماعيل الرجبي إلى أن القانون الفلسطيني يضع "خطاً فاصلاً" بين العمل الموسمي للطلاب وعمالة الأطفال. ويضيف: "القانون الفلسطيني يضع قاعدة أساسية: الطفل تحت سن 15 ممنوع من العمل بأي شكل، عمله يُعتبر استغلالاً. أما الطالب بين 15–18 عاماً فيمكنه العمل بشكل موسمي أو جزئي، لكن بشرط أن يكون العمل موثقاً رسمياً لضمان حقوقه، وأن لا يكون خطِراً، ولا يضر بصحته أو يحرمُه من التعليم. الفرق الجوهري هو السن، طبيعة العمل، واستمرار الطالب في المدرسة."

ورغم الجهود الرسمية، فإن الواقع يكشف عن ثغرات كبيرة، فقد أصدرت وزارة العمل الفلسطينية عدة تصريحات قوية خلال عام 2026، مؤكدة أن مكافحة عمالة الأطفال "أولوية وطنية"، فقد أطلقت الوزارة حملة "طفولتي حقي" في يونيو 2026، وشملت جولات تفتيشية وورش توعوية، كما أكدت التزام فلسطين باتفاقيات منظمة العمل الدولية (138 و182)، وأصدرت قراراً وزارياً رقم 50 لسنة 2026 يحظر تشغيل الأطفال دون 15 عاماً ويحدد المهن الخطرة، ومع ذلك، تشير البيانات الإحصائية الرسمية للوزارة نفسها إلى أن نسبة الأطفال العاملين (10-17 عاماً) بلغت نحو 4% من إجمالي الأطفال في الأراضي الفلسطينية، مع نسب أعلى في الضفة الغربية، ومعظمهم يعملون في الزراعة والتجارة والخدمات، وغالباً في ظروف غير منظمة. هذه الأرقام، بالإضافة إلى شهادة مصطفى، تؤكد وجود فجوة كبيرة بين التشريعات والواقع، حيث يستغل أصحاب العمل حاجة الأطفال والأسر في الاقتصاد غير المنظم، ومن المؤكد أن نزول الطلاب للعمل في سن مبكرة يرفع نسب التسرب من المدارس، ويخلق جيلاً يرى في الدخل المادي السريع بديلاً عن الشهادة الجامعية. هذا التحول يجعل العائلات تضحي بالتعليم من أجل المصروف المباشر، مما يحرم المجتمع من العقول والكفاءات، ويحول حلول الطوارئ المؤقتة إلى خسارة اقتصادية دائمة يصعب تعويضها.

ختاماً، أرى أننا نعيش حالة من المقامرة غير المحسوبة بمستقبل الرأسمال البشري الفلسطيني؛ فالمراهنة على صمود المعلم واستمراره في رسالته دون حل جذري لأزمة السيولة وتغول تضخم الأسعار هي مقامرة خاسرة. ولذا، أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في "قانون حظر ازدواجية العمل" لموظفي القطاع العام؛ فبدلاً من ترك المعلمين يواجهون الاستغلال في أعمالهم الجانبية التي يمارسونها اضطراراً (سواء في ذروة العطلة الصيفية أو خلال العام الدراسي)، يجب منحهم الغطاء القانوني الذي يحمي حقوقهم وكرامتهم المادية.

وفي ذات السياق، يراودني تساؤل مشروع حول عمالة الأطفال التي تحولت إلى قدر اقتصادي لا مفر منه: إذا كانت محاولات الإبعاد القسري للأطفال عن السوق تصطدم بجدار الفقر المدقع، فهل تكمن الإجابة في "شرعنة مشروطة" تضمن للطفل حقوقه الدنيا وتجبر أصحاب العمل على ربط تشغيله بانتظامه الدراسي؟ فغياب سجل وطني دقيق للأطفال العاملين يجعل الدور الرقابي قاصراً، ويضعنا أمام تساؤل أكبر: هل يجب أن تمتد الرقابة لتشمل مساءلة الأهالي أيضاً، أم أن المسؤولية تقع على عاتق نظام اقتصادي لم يترك لهم خياراً سوى دفع أطفالهم نحو سوق العمل؟ نحن بحاجة لأساليب وحلول تعترف بأن العطلة الصيفية باتت موسماً للبقاء لا للاستجمام، لكي نتمكن من حماية أطفالنا ومعلمينا من الانزلاق الكامل نحو اقتصاد الظل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير