فريد مرة يكتب لوطن: الانتخابات في زمن الإبادة… حين تصبح صناديق الاقتراع ساحة أخرى للصراع

ليست الانتخابات، في هذه اللحظة الفلسطينية، مجرد استحقاق دستوري أو آلية لتداول السلطة، بل هي جزء من الصراع نفسه. ومن يقرأها خارج السياق الذي تُجرى فيه، يفقد القدرة على فهم معناها الحقيقي ودلالاتها السياسية.
ففلسطين لا تتجه إلى انتخابات في ظروف طبيعية، وإنما في ظل حرب مفتوحة تستهدف الوجود الوطني بأبعاده كافة. فالإبادة في غزة ليست حدثًا منفصلًا، بل هي رأس مشروع متكامل؛ يمتد إلى المعتقلات حيث تُمارس سياسات الانتقام والتنكيل، وإلى الضفة الغربية حيث تتسارع اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأرض، وإلى المدرسة والجامعة والمنهاج والرواية الوطنية، حيث تجري محاولة اقتلاع الوعي الفلسطيني من جذوره. وإلى جانب ذلك، تتواصل سياسة الخنق الاقتصادي بوصفها أداة لإعادة تشكيل الإرادة الوطنية وإخضاع المجتمع الفلسطيني.
وفي المقابل، لم يعد الاحتلال يكترث بالقانون الدولي أو بقرارات الأمم المتحدة أو بما يُعرف بالشرعية الدولية، بعدما أثبتت هذه المنظومة، في امتحان غزة، عجزها عن حماية شعب يتعرض للإبادة على مرأى العالم. بل إن هذا العجز لم يعد مجرد تقصير، وإنما تحول إلى أزمة تاريخية للنظام الدولي نفسه، كشفت حدود قدرته على فرض القانون حين يتعلق الأمر بإسرائيل.
ومع ذلك، فإن المشهد لا يخلو من حقيقة أخرى لا تقل أهمية. فرغم حجم الدمار الهائل، لم ينجح الاحتلال في تحقيق كل الأهداف التي أعلنها. ولذلك انتقل، أو يكاد ينتقل، من معركة صناعة الوقائع إلى معركة مصادرة نتائجها السياسية. فحين يعجز عن انتزاع ما يريد بالقوة العسكرية، يحاول استعادته بالسياسة، أو عبر إعادة تشكيل البيئة الفلسطينية بما يجعل الإنجازات التي تحققت قابلة للاحتواء أو التبديد.
وهنا تكمن خطورة اللحظة.
فالخبرة التاريخية الفلسطينية تقول إن خسارة الإنجازات لم تكن دائمًا نتيجة تفوق الخصم، بل كثيرًا ما جاءت نتيجة الانقسام الداخلي، وسوء إدارة لحظات التحول الكبرى. ومنذ ثورة عام 1936، مرورًا بالمحطات المختلفة للحركة الوطنية، ووصولًا إلى الانتفاضة الأولى، تكرر المشهد ذاته: إنجازات كبيرة، يقابلها عجز عن تحويلها إلى مكاسب وطنية دائمة، أو السماح بتبديدها عبر الانقسامات والصراعات الداخلية.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى مرسوم الانتخابات باعتباره إجراءً إداريًا معزولًا، بل باعتباره حدثًا سياسيًا يقع في قلب هذا الاشتباك التاريخي.
ومن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن الاحتلال سيقف على الحياد إذا شعر بأن نتائج الانتخابات قد تفضي إلى موازين قوى تزيد من أزمته أو تعزز موقع القوى الرافضة للإملاءات السياسية. فمن يمتلك هذا القدر من القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية، ويستخدمها يوميًا لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، لن يتردد في توظيف ما يستطيع من أدوات الضغط والتأثير، المباشرة وغير المباشرة، بما يخدم مصالحه السياسية ويمنع تشكل واقع يناقض أهدافه.
ومع ذلك، فإن الاستنتاج لا ينبغي أن يكون الدعوة إلى الانسحاب أو المقاطعة. فما زلت أعتقد أن خوض هذه المعركة أقل كلفة من تركها. فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا، وإنما يملؤه الآخرون، وغالبًا بما لا يخدم المصلحة الوطنية.
لكن المشاركة، حتى تكون ذات معنى، لا يجوز أن تُبنى على حسابات فصائلية أو رهانات انتخابية ضيقة، بل على إدراك عميق بأن الانتخابات ليست سوى إحدى جبهات المواجهة الوطنية، وأن نجاحها لا يقاس بعدد المقاعد، وإنما بقدرتها على حماية المنجز الوطني ومنع مصادرته.
ومن هنا، أكرر ما قلته مرارًا: إن المهمة الأكثر إلحاحًا ليست تشكيل قائمة انتخابية بقدر ما هي بناء تجمع وطني فلسطيني واسع، يتجاوز الانقسامات، ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية، ويملك القدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية معًا. فهذا وحده هو الإطار القادر على حماية الإرادة الوطنية، وصون ما تحقق من تضحيات، وتحويلها إلى مشروع سياسي متماسك.
أما الذهاب إلى الانتخابات بقوى متفرقة، أو بحسابات جزئية، أو من دون رؤية وطنية جامعة، فهو مغامرة سياسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ذلك أن الخطر، في هذه المرحلة، لا يكمن فقط في خسارة الانتخابات، بل في خسارة ما هو أكبر منها: خسارة القدرة على حماية الإنجاز الوطني نفسه.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن إدراك هذه المخاطر لا يقابله مستوى مماثل من الاستعداد لمواجهتها. فالوعي وحده لا يصنع سياسة، كما أن تشخيص الأخطار لا يغني عن بناء أدوات التعامل معها. وما تحتاجه هذه اللحظة ليس مزيدًا من الخطابات، وإنما إرادة سياسية قادرة على تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني جامع، يرقى إلى حجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، وإلى حجم التحديات التي تنتظره.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



