فريد مرة يكتب لوطن: انتخابات المجلس الوطني… المعركة الحقيقية تبدأ قبل صناديق الاقتراع

تتسع في الآونة الأخيرة دائرة النقاش الفلسطيني حول انتخابات المجلس الوطني، وتتباين المواقف بين مؤيد، ومتحفظ، ومطالب بتوفير ضمانات سياسية وقانونية قبل الانخراط في العملية الانتخابية. لكن، وبعد متابعة مختلف المواقف، يبدو واضحًا أن أحدًا لا يطرح رفضًا مبدئيًا وصريحًا للانتخابات، بل إن الخلاف يدور حول شروطها وآلياتها وضماناتها، لا حول مبدأ الاحتكام إلى إرادة الشعب.
هذه الحقيقة تستحق التوقف عندها، لأن استمرار الجدل النظري لم يعد ترفًا سياسيًا. فالجهة التي أصدرت المرسوم تمضي في تنفيذ رؤيتها، بينما لا يزال جزء كبير من القوى الوطنية منشغلًا في المناقشه . في السياسة، كما في كل الصراعات الكبرى، الوقت عنصر من عناصر القوة، ومن يتأخر في اتخاذ القرار يمنح خصمه أفضلية مجانية.
الانتخابات، سواء اتفقنا مع ظروفها أم اختلفنا، أصبحت معركة سياسية مفروضة. وعدم خوض المعركة لا يعني الحياد، بل يعني ترك الساحة للآخرين كي يحددوا مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وحدهم. لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نشارك؟ بل أصبح: كيف نشارك؟ وبأي برنامج؟ ومع من؟
من الطبيعي أن تنقسم الآراء بين من يرى في الانتخابات فرصة تاريخية للتغيير، وبين من يركز على حجم المخاطر والتهديدات التي قد ترافقها، وبين من يحاول الجمع بين الفرص والتحديات. وكل هذه المقاربات تحمل جانبًا من الحقيقة. لكن إدارة الصراع لا تقوم على صحة التحليل وحدها، وإنما على القدرة على تحويل الفرص إلى إنجازات، والتعامل مع المخاطر قبل أن تتحول إلى هزائم.
هناك من يدعو إلى الانطلاق فورًا، معتبرًا أن الإجابة عن الأسئلة يمكن أن تأتي أثناء سير المعركة، وأن الانشغال بها الآن يبدد الوقت والجهد. وفي المقابل، يرى آخرون أن تجاهل هذه الأسئلة يمثل مغامرة غير محسوبة، وأن الإجابة عنها ترفع فرص النجاح وتحد من المخاطر.
والواقع أن التجارب السياسية تؤكد أن الحماسة وحدها لا تكفي، كما أن الإفراط في انتظار الضمانات قد يتحول إلى ذريعة للعجز. المطلوب هو الجمع بين المبادرة والاستعداد، وبين خوض المعركة والإعداد الجيد لها.
لكن، بعيدًا عن هذا الجدل، تبدو أمامنا فرصتان استراتيجيتان.
الأولى، وهي التي يتحدث عنها الجميع، تتمثل في إمكانية إحداث تغيير ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع. وهذا هدف مشروع، ولا يمكن لأي عملية إصلاح حقيقية أن تتم بعيدًا عن الإرادة الشعبية.
أما الفرصة الثانية، وهي في تقديري الأكثر أهمية، فهي بناء إطار وطني معارض واسع، يجمع القوى والشخصيات الوطنية حول مشروع سياسي جامع، يتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، ويعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية.
هذه الفرصة هي الوحيدة التي نملك قرارها بالكامل. فلا أحد يستطيع أن يمنع القوى الوطنية من أن تتوحد، أو أن تتفق على الحد الادنى المقبول وطنيا أو أن تبني قيادة ميدانية وإعلامية وتنظيمية قادرة على إدارة معركة الانتخابات وما بعدها.
أما بقية الملفات، فهي مليئة بعلامات الاستفهام: ماذا لو رُفض الحوار الوطني؟ ماذا لو بقيت النصوص الإقصائية في المرسوم؟ ماذا لو تدخل الاحتلال بمنع المرشحين أو اعتقالهم؟ ماذا لو فازت المعارضة ولم يُعترف بنتائج الانتخابات؟ ما الضمانات لنزاهة العملية الانتخابية؟ وما الذي يمنع تكرار سيناريو إلغاء انتخابات عام 2021؟
هذه ليست أسئلة لتعطيل المشاركة، وإنما أسئلة يجب أن تكون جزءًا من خطة المواجهة، لأن السياسة لا تُدار بالأمنيات، وإنما بالاستعداد لكل الاحتمالات.
ومن هنا، فإن القضية المركزية ليست الانتخابات بحد ذاتها، وإنما القوة السياسية القادرة على خوضها. فإذا نجحنا في بناء تجمع وطني معارض، يمتلك رؤية موحدة واضحًه وآليات عمل مشتركة، فإننا نكون قد حققنا أول انتصار قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
أما إذا دخلت القوى الوطنية المعركة مشتتة، فإنها ستعيد إنتاج حالة الانقسام، حتى لو كانت الانتخابات نزيهة وكاملة.
إن المرحلة التي يعيشها شعبنا، في ظل حرب الإبادة ومحاولات تصفية القضية الوطنية، تفرض الارتقاء فوق الحسابات التنظيمية والفئوية. وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مجرد تحالف انتخابي عابر، وإنما جبهة وطنية واسعة تجعل من الانتخابات محطة في مشروع وطني متكامل، لا غاية بحد ذاتها.
فالمعركة الحقيقية لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ يوم نقرر أن نبني قوة وطنية موحدة، قادرة على حماية الإرادة الشعبية، والدفاع عن نتائجها، والاستمرار في مشروع التغيير مهما كانت العقبات.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



