العدالة لا تعني مطاردة المنهكين

29.06.2026 10:39 AM

 كتب خالد فحل: في وطنٍ يرزح تحت الاحتلال، ويعيش آثار الحروب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، أصبح الموظف الفلسطيني يدفع ثمنًا يفوق قدرته على الاحتمال. فهو لم يختر أن يتقاضى نصف راتب، ولم يختر أن ترتفع الأسعار، ولم يختر أن تُحتجز الأموال الفلسطينية أو أن تتعطل عجلة الاقتصاد. ومع ذلك، بقي في موقعه، يؤدي واجبه الوطني، ويواصل خدمة المواطنين رغم كل ما يحيط به من ضغوط.

يستيقظ الموظف كل صباح وهو يعلم أن نصف راتبه قد لا يصل إلى يده أصلًا، فالبنوك تستوفي أقساطها قبل أن يتمكن من تلبية أبسط احتياجات أسرته. وما يتبقى من الراتب لا يكاد يكفي لشراء الطعام أو الدواء أو دفع فواتير الحياة التي لا ترحم. ورغم ذلك، لا يتهرب من مسؤولياته، بل يحاول الوفاء بالتزاماته بقدر ما تسمح به إمكانياته، لأنه يدرك أن الدين أمانة، لكن العجز عن السداد ليس جريمة.
ومع كل هذه المعاناة، تبدأ رحلة أخرى أشد قسوة. فبعض مكاتب التحصيل والمحاماة لا تنظر إلى الموظف كإنسان يواجه ظروفًا استثنائية، بل كرقم في ملف يجب تحصيله بأي وسيلة. فتتوالى الاتصالات، وتتكرر الرسائل، وتتصاعد التهديدات، حتى يصبح الموظف محاصرًا نفسيًا، وكأنه المسؤول عن أزمة اقتصادية لم يكن طرفًا في صنعها.
إن المطالبة بالحقوق حق مشروع، لكن العدالة لا تعني مطاردة المنهكين. فالحق لا يُستوفى بإذلال الناس، ولا بإرهاقهم نفسيًا، ولا باستغلال ضعفهم. فالقانون وُجد لتحقيق العدالة، والعدالة لا تنفصل عن الرحمة والإنسانية.
ومن المؤلم أن يتحول بعض المحامين، الذين يفترض أن يكونوا حراس العدالة والمدافعين عن الحقوق، إلى من يقتاتون على معاناة الموظف، فيجدون في أزمته فرصة للكسب، وفي ضائقته وسيلة للضغط. فالمحاماة رسالة قبل أن تكون مهنة، ورسالة العدالة لا تُبنى على إرهاق الإنسان الذي لم يعد يملك سوى كرامته.
كما أن على الحكومة مسؤولية وطنية وأخلاقية لا يجوز التهرب منها. فمن غير المقبول أن يُترك الموظف، الذي لا يزال يؤدي واجبه الوطني رغم الاحتلال والحروب والأزمة المالية، وحيدًا في مواجهة البنوك ومكاتب التحصيل. ومن واجبها أن تحمي موظفيها، وأن تضع ضوابط تمنع أي ممارسات تتجاوز حدود القانون أو تمس كرامة الإنسان، وأن تبحث عن حلول تراعي الواقع الاقتصادي الذي يعيشه المجتمع.
إن الموظف الفلسطيني لا يطلب إسقاط الديون، ولا يسعى إلى التهرب من التزاماته، بل يطلب أن يُعامل بكرامة، وأن تُراعى ظروفه الاستثنائية، وأن يُمنح فرصة للسداد دون ترهيب أو إذلال.
فالعدالة الحقيقية ليست في مطاردة الإنسان حتى آخر ما يملك، بل في تحقيق التوازن بين حق الدائن وكرامة المدين. وعندما يصبح القانون وسيلة للضغط على المنهكين بدلًا من حمايتهم، فإننا نكون قد ابتعدنا عن روح العدالة التي قامت عليها القوانين.
فالعدالة لا تعني مطاردة المنهكين، والموظف الذي صمد في وجه الاحتلال والحروب والأزمات الاقتصادية يستحق أن يُعامل بكرامة، لا أن يُلاحق حتى فيما تبقى له من لقمة عيشه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير