بين الضفة وغزة .. حين يطالب الفاشلون الآخرين بالتغيير

كتب: اسماعيل الريماوي
يتحدثون كثيرًا عن ثورة في غزة ضد المقاومة، وكأن المطلوب من غزة أن تتحول إلى نسخة أخرى من الضفة الغربية؛ مساحة مفتوحة أمام الاحتلال، بلا مقاومة ولا قدرة على الدفاع عن نفسها، يتحدثون عن معاناة الناس في غزة، وهي معاناة حقيقية ومؤلمة، لكنهم يتجاهلون أن هذه المعاناة لم تبدأ اليوم، وأن من يتباكى عليها لم يقدم للقطاع منذ سنوات ما يخففها، بل إن الأموال شُحّت، والرواتب قُلّصت، وجوازات السفر مُنعت، وتحولت حياة الناس إلى سلسلة طويلة من الأزمات المتراكمة.
لكن المفارقة الكبرى أن من يرفع صوته اليوم باسم معاناة غزة يتجاهل ما يجري في الضفة الغربية نفسها ايضا ، هناك فساد ينخر المؤسسات، وموظفون ينتظرون رواتبهم أو يقتاتون على أنصاف الرواتب، وأطباء يضربون عن العمل احتجاجًا على أوضاعهم، وقطاع صحي يترنح تحت وطأة نقص الأدوية والإمكانات، ومعلمون يعانون من ظروف معيشية صعبة، ومدارس تواجه أزمات متلاحقة، فيما تُثار تساؤلات واسعة حول مناهج التعليم واتجاهاتها ومستقبلها.
وفي الوقت الذي يعيش فيه آلاف الفلسطينيين أوضاعًا قاسية، يبيت أهالي الأسرى والشهداء في العراء أمام المؤسسات الرسمية، مطالبين بحقوقهم الأساسية وبما يسد رمق عائلاتهم ، مشهد مؤلم يكشف حجم الهوة بين السلطة والناس، وبين الشعارات المرفوعة والواقع القائم.
وفي المقابل، تستمر طبقة من المسؤولين في حياة مرفهة بعيدة عن معاناة الشارع؛ سيارات فارهة، وامتيازات لا تنقطع، وسفريات، وبدلات، ونثريات، وكأنهم يعيشون في عالم منفصل عن عالم المواطنين الذين يطلب منهم الصبر والتضحية كل يوم ، ذريعتهم لا يوجد أموال الاحتلال الذي نخدمه يصادر اموالنا .
فالمشكلة ليست في الحديث عن معاناة الناس، بل في انتقائية هذا الحديث، فالنقد الذي يوجه للآخرين يفقد قيمته عندما يعجز أصحابه عن ممارسة الحد الأدنى من النقد الذاتي، ومن يريد حقًا الدفاع عن الشعب عليه أن يبدأ بمراجعة سياساته وأدائه ومسؤوليته تجاه الناس، لا أن يجعل من معاناة المواطنين أداة لتصفية الحسابات السياسية، فالشعوب لا تثور لأن أحدًا طلب منها ذلك، بل تثور عندما تفقد الثقة بمن يتحدث باسمها، وعندما ترى أن من يطالبها بالتغيير يرفض أن يغير نفسه أولًا.
المشكلة ليست في من يتحدث عن معاناة الناس، بل فيمن يتاجر بها، فالجائع لا تعنيه الخطب، والمظلوم لا تنصفه البيانات، والمواطن الذي أنهكته الأزمات لا يريد من يشرح له وجعه، بل من يرفع عنه بعضًا منه، وحين يصبح النقد موجّهًا دائمًا إلى الآخرين بينما تُمنح الذات حصانة مطلقة من المساءلة، فإن الحديث عن الإصلاح يفقد معناه، والحديث عن الشعب يتحول إلى مجرد شعار.
قبل أن يطالب أحدٌ أهل غزة بالثورة، عليه أن ينظر إلى ما آلت إليه الأوضاع حيث يحكم هو، وأن يسأل نفسه ماذا قدم للناس غير الوعود، وماذا حقق لهم غير المزيد من الأعباء، فالشعوب لا تُخدع طويلًا بالشعارات، ولا تنسى من عاش آلامها ومن عاش فوقها، وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطارد كل سلطة وكل مسؤول: إذا كنتم عاجزين عن معالجة أزمات المناطق التي تديرونها، فبأي حق تطلبون من الآخرين أن يسلموكم مصيرهم؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



