صراع الفنان مع التوقعات الجماهيرية

كتبت ليان السحيمات: فيلم (4202)A Complete Unknown للمخرج جيمس مانغولد جاء ليعيد إحياءواحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ الموسيقى.
الفيلم ل يقدم السيرة الذاتية التقليدية التي تمدح بالبطل وترفعه , بل إختار أن يغوض فيالمساحات الخاصة لشخصية بوب ديلن, ذلك الشاب الذي أحيا الموسيقى الشعبيةالمريكية ثم انقلب عليها.
تكمن الهيمنة الدرامية بالفيلم في تركيزها على "صراع الفنان لحماية حريته الفنيةضد رغبة الجماهير والمؤسسة ".حيث حاولت هذه الرغبات بفرض قوى محددة عليه,ومنعه من الخروج من حياته التي رسموها له, إل ان بوب قاوم هذه القوى عبر تغييراسلوبه الموسيقي والتعبير عن نفسه بطريقة عكس توقعات الجماهير . إن الجمال الفنيفي هذا العمل ل يتكلم عن محاولة تقديم بطل مثالي ومحبوب, بل على العكستماماا ,فالفيلم ينجح لنه يجرؤ على تقديم بطل مستفز, نرجسي, ومراوغ .
تتكلم قصة الفيلم حول حقبة زمنية بين عامي ( 1961 و 1965 ) في نيويورك.
تبدأ القصة بوصول الشاب بوب ديلن, البالغ من العمر تسعة عشر عاماا, إلى حي"غرينتش فيلج" , حاملا جيتاره الخشبي القديم . يسير الفيلم في خط تصاعدي هادئ ,حيث يتسلق ديلن سلم النجومية بسرعة, ويتحول بفضل أغانيه السياسية والجتماعيةالصادقة إلى "صوت الجيل" والرمز الول لموسيقى "الفولك" الحتجاجية . لكن الحبكةل تتوقف عند حدود الصعود, فذروة الصراع الفني والنفسي تزيد عندما يقرر ديلنكسر التوقعات في مهرجان "نيوبورت" للموسيقى عام 1965, فيصعد ديلن إلى خشبةالمسرح بجيتار كهربائي وصخب موسيقى الروك, وهو ما اعتبره الجمهور وقتهاالخيانة العظمى .
قدم تيموثي شالميه شخصية (بوب ديلن) واحدة من أعمق الشخصيات مستخدمااأسلوباا تمثيلياا يعتمد على عدم إظهار مشاعره بشكل واضح للجمهور, مما يجعلهغامضاا وصع بب الفهم, لم يحاول شالميه تقليد بوب ديلن بشكل سطحي, بل حاولالتقاط جوهر الشخصية المستفزة والباردة عند الحديث, الجابات التي تحمل استهزاء,والنظرات الحادة من خلف نظارته الشمسية السوداء . يظهر ديلن كشخص أناني فيعلقاته العاطفية والجتماعية, فهو يستغل مشاعر وتجارب من حوله, مثل" شخصيةحبيبته التي جسدتها إيل فانينغ " ,ليحولها إلى مادة لغانيه, ثم ينسحب من جانبها دونأي شعور بالندم . هذا الداء المتقن نجح في خلق مسافة بين المشاهد والبطل. كما تميزإدوارد نورتن في دور الموسيقي بيت سيجر, حيث قدم توازناا دافئاا أمام برود ديلن.
رفض المخرج مانغولد اسلوب البهار البصري, حيث التزم ببناء صورة سينمائيةتخدم الموضوع النفسي للشخصيات, لم تكن الكاميرا تبحث عن لقطات جميلة, بل كانجمال اللقطة ينبع من اللتزام بقواعد الضاءة والظلل التي تعكس طبيعة الستينيات.
استخدم مدير التصوير الضاءة الخافتة والطبيعية-low key lighting- داخل المقاهيوالماكن الضيقة, مما خلق إحساساا بالحميمية حركة الكاميرا كانت هادئة وتعتمد علىاللقطات القريبة لوجه ديلن, مما جعل النظارة الشمسية التي يرتديها تتحول الى حاجزورمز يمثل واقعه الداخل ويعزله عن ال ممتلقي .التكوين البصري التزم بتقديم واقعحقيقي بعيداا عن الفلتر ليعطي عمقاا وتصديقاا للفترة الزمنية.
في فيلم يتناول حياة بوب ديلن, ل يمكن للموسيقى ان تكون مجرد خلفية, بل هيعنصر درامي رئيسي . إستخدام ا للغاني الحية بصوت شالميه نفسه اعطى الفيلممصداقية فنية عالية .تتحول الموسيقى في الفيلم من شيفرة الثورة والسياسة المرتبطةبالجيتار الخشبي الى شيفرة التمرد والتحرر مع الجيتار الكهربائي . الموسيقى بالفيلمصممت لتعكس التطور النفسي للشخصية.
يثبت الفيلم انه تجربة سينمائية متكاملة تستحق المشاهدة, فوظف أدواته السينمائيةببراعة, ولقد استطاع المخرج من خلل الداء المنغلق لشالميه والتكوين البصريالصارم للضاءة والتصوير والدللت السيميائية للموسيقى, ان ينقل إلينا شعورالستفزاز والخذلن الذي عاشه جمهور الستينيات . بالنهاية الفيلم ممتاز ليس لنه يقدمنهاية مريحة او بطلا محبوباا بل لنه يمتلك الشجاعة السينمائية لزعاج المشاهد .



