ستموت في العشرين: النبوءة والفناء أحياءً

14.06.2026 11:31 PM

كتب سُرى وحيد ياسين: فيلم ستموت في العشرين (2019) هو الفيلم السوداني السابع في مجمل تاريخ السينما السودانية، إخراج أمجد أبو العلاء، وتأليف أمجد أبو العلاء بالاشتراك مع يوسف إبراهيم. يتناول الفيلم فكرة قضية التلاعب العقلي والنفسي مستخدماً طابعاً إيمانياً، يتحدث الفيلم عن قصة الشاب الذي يُدعى "مزمل"، عندما تقوم والدته "سكينة" بحمله إلى الشيخ الشافعي لمباركته وفقاً لما جرت عليه العادة في السودان، فيكون نصيب هذا الطفل من المباركة والطهور هو التنبؤ بموته في العشرين، فيعيش مزمل بوصمة الموت حتى بلوغه سن العشرين، ويصبح لقبه في مجتمعه "مزمل ابن الموت".

جاء هذا الفيلم رداً على فكرة تغييب العقل بالدين التي ربما تبدو ظاهرة سائدة في مجتمعاتنا العربية، حالها كحال الإيمان بالسحر والشعوذة وبعض أمور الماورائيات (علم الغيب). واجه هذا العمل العديد من التحديات التي حالت دون متابعة تصويره، تبعاً لتلك الظروف تم تنفيذ العمل وتصويره على مدار ثلاث سنوات، ولعل إحدى أهم هذه التحديات اندلاع الثورة في السودان، فتوقف بعض صناع العمل للمشاركة في مجرياتها. هذا الفيلم ترشح لعدة جوائز، أولها كانت جائزة البندقية، إلا أن بعض فريق العمل لم يستطع الحصول على تأشيرة من السفارة الإيطالية، الأمر الذي تم تبريره لاحقاً بتأخر صناع العمل أنفسهم في التقدم بطلب الحصول على تأشيرة.

انطلاقاً من مبدأ أن لكل فيلم انفرادية تميزه، كان هذا العمل بمثابة "دع الصورة تسرد القصة ولا تتحدث إلا للضرورة"، فالحديث ما بين الشخصيات لا يكون إلا عند حاجة ملحة، أما الصمت فقد كان يسود أغلب الأوقات. الصورة هي التي كانت تشرح الحدث والفعل، حتى المشاعر كانت تُسرد بالصورة لا بالحديث، هيمنة الصورة على الصوت كانت واضحة جلية، إلا أنه ومع اكتمال بعض اللقطات بالصورة فقط، كان بعضها يحتاج إلى تغذيته بالحديث لأغراض تسهيلية في المشاهدة وتعميق الفكرة أكثر، وهذا ما كان جلياً في نهاية العمل التي نرى فيها ركض مزمل بعد خروجه عن طبيعته وارتكابه إثماً لأول مرة. فالنهاية تبدو مفتوحة على تأويلات متعددة، إلا أن درجة الغموض فيها قد تحد من وضوح الدلالة لدى بعض المشاهدين، وتلك اللقطة تحديداً لم تترك المشاهد فقط في حيرة: هل هو حي أم ميت؟ ولكنها أوردت في ذهن المشاهد أسئلة كثيرة، منها: ما الذي عنته تلك الركضة تحديداً؟ هل هي الحرية أم حلاوة الروح كما يقولون؟ لكن لا أكاد أخفي أنها تركت جانباً لدي من الاستشفاف في فكرة: هل كانت شخصية مزمل طوال الفيلم تمثل السودان ككيان؟

لطالما كان الضوء في السينما عنصراً مساهماً بشكل حاد وأولي في جميع أحداث الفيلم، ولأن الصورة هي التي كانت تسرد القصة فبطبيعة الحال كانت الإضاءة المساعد الأول للصورة. اعتمد المخرج أمجد أبو العلاء على الإضاءة بشكل كبير في جميع المشاهد التي ظهرت بها شخصية البطل "مزمل"، ففي كل مرة كان يظهر بها مزمل على الشاشة كان يصاحبه شعاع ناعم يدخل بالضرورة من نافذة أو فتحة تهوية أو حتى باب، بحيث تتقوس الإضاءة لتحيط بجسد مزمل فتصبح رمزية الضوء ببصيص الأمل المتبقي في حياة مزمل، وهو العقل. فقد كانت تزداد هالة الضوء إشعاعاً في بعض اللقطات عند رأسه، ولقطات المسجد المليئة بالضوء الذي يدخل من كل مكان رمزية للإيمان الحقيقي. فالإضاءة كانت قوية داكنة تبرز العناصر من حولها، إضافة إلى ذلك، الإضاءة عززت وأبرزت عنصر الأزياء، فقد كان مزمل يرتدي اللون الأبيض الخالص تماماً دون تطريزات، وكأنه يرتدي كفناً جاهزاً تحسباً لقدوم عدوه الموت في أي لحظة. ومع ذلك، الأمر المرهق للتفكير هو غياب هذه الظاهرة في بعض لقطات العمل، فقد كسرت هذه القاعدة في منتصف العمل ثم عادت من جديد، وهنا أضعفت الرمزية إلى حد ما.

الجهل هو عدو الإنسان الأول، وهي ليست كلمة مسيئة، فهي نقيض للمعرفة ومعناها عدم العلم بالشيء، وهذا هو أساس الفيلم. تجسدت هذه العبارة في شخصية سليمان (محمود السراج)، الشخص الخارج عن العادات والروتين، المتمرد على قوانين قريته وأناسها. وهنا نرى تناقضاً شديداً ما بين شخصية مزمل (مصطفى شحاتة)، البسيطة الهادئة التي تحولت إلى شخصية تتمرد على نفسها وعلى فكرة ارتكاب الإثم بعد خسارته نعمية (حب الطفولة)، مع شخصية سليمان السكير المتمرد التي انتهت بموت هادئ مخالف لطبيعة شخصيته التي تعشق الاختلاف. فسردية العمل كانت تتعلق بمرور زمني وكأنه خط مستقيم يسير عليه مزمل، والرقم العمري ما هو إلا مجرد محطات يمر بها، ليقاطع هذه المحطات سليمان بغرابته التي استثارت الأنا السفلى لمزمل بعبارة: "أنت بتستغفر عن إثم ما ارتكبته، جرّب ترتكب إثم".

تتغلف مفاهيم كالمجتمع أو القدر أو حتى الموت والحياة برموز وعناصر بصرية في العمل، وأكبر مثال على ذلك أن المخرج عمد إلى استخدام مياه النيل ليعبر عن الحرية والرحيل، فكلما اتخذ مزمل قراراً جديداً تقوده قدماه للذهاب إلى النيل. إضافة إلى ذلك تكرار طقوس الجنائز والدفن التي تؤكد ديمومة الفناء التي تستهلك عقول الناس، ملابس سكينة التي تبقى ثابتة طوال الفيلم وهي السواد القاتم حداداً على نبوءة ولدها. وهل يحد الإنسان على حي؟ وبالرغم من أنها شيفرة ولا يجب أن تكشف بطريقة واضحة، إلا أنني أيضاً لم ألتفت لها إلا بعد انتهاء الفيلم ومشاهدتي لمقابلات صناع العمل، فلا يجب أن تكون الشيفرة مبهمة إلى حد عدم الوضوح أو أن لا يلتفت لها المشاهد إلا بعد انقضاء العمل، فالوسطية في اختيار الشيفرات أمر أولي وضروري.

وأخيراً أختتم بأن الإيمان حبيس التشدد، والإنسان حبيس علمه أو جهله، الإيمان ضلال لمن يرى الدين في كيان بشري لا ينطق عن غيره، فإن كانت نبوءة الموت تلاحقك فاعلم جيداً أن انتظار الموت اغتصاب، فلو علمنا مدة العيش أفعلنا ما نريد أو تمردنا على ما نريد؟ لارتكبنا إثماً أم بقينا بوحي ولا يملك مثقال ذرة تفرده أو تميزه للراحة والحياة، وسيبقى السؤال الأزلي: أبرياء؟


سُرى وحيد ياسين: ناقد السينمائي

تصميم وتطوير