حين تُغتصب العدالة، مَنْ يُنجب المصلح؟

كتب خالد سعيد نزال : هل يملك العرب "جين الفساد" حقاً؟ أم أن الإنسانية جمعاء فاسدة بالقوة، لكنها استطاعت أن تُنظّم شرّها بقوانين رادعة ومؤسسات رقيب، فيما بقينا نحن تائهين في البرزخ القاتل بين "وصف العذراء ذات الأرداف" و"تحري هلال رمضان"؟ هل انهيار المعنى واغتصاب العدالة فعلٌ من صنع أنظمة مستبدة وحدها، أم أننا "نحن المجتمعات المستكينة" أبطال هذه المأساة ومفاعيلها الأساسية وتربتها الطبيعية، ولا يملك النظام الرسمي غير تسويق انحطاطنا في عبوات لامعة؟ وهل كانت قصص عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أكثر من أساطير موضوعة، وإسرائيليات ضعيفة، نلوذ بها حين يعضّنا الواقع بأنياب الفساد؟
ثم، فوق هذا كله: لماذا لا يلد المجتمع الفاسد مصلحاً؟ ولماذا، في هذا الجحيم الهادئ، تُجهض كل بذرة نزاهة قبل أن تُزهر، وكأن الاستقامة خطيئة لا تُغتفر؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، ولا عبثاً فلسفياً فارغاً. إنها سكاكين الترشيد التي يجب أن نغرسها في جسد الوهم قبل أن نغرسها في جسد الواقع. وفي هذا المقال، لن نكتفي بطرحها، بل سنمضي معاً في رحلة محفوفة بالألم، نُشرّح فيها "القانون العاهر"، ونحفر في "التربة المسمومة"، ونفضح "الانزياح العربي" المزدوج بين الحسّية والشكلية، ونضع كل ذلك تحت مجهر مالك بن نبي وإيمانويل كانط، لنفهم أخيراً من يصنع الجوع والجهل والتفاهة، وكيف يمكن – إن كان ثمة سبيل – أن نلد النزاهة من رحم هذا العدم.
القانون العاهر – لحظة اغتصاب المعنى في المهد
ثمة لحظة في تاريخ الأمم لا يموت فيها القانون، بل الأسوأ: يتحول إلى "عاهرة". ليس العهر هنا فعلاً جنسياً، بل هو وصف مجازي صادم لواقع يصبح فيه ما كان يُفترض أنه حصن الحقوق وملاذ المظلومين، جسداً يُباع ويُشترى، ويفتح أبوابه لمن يدفع أكثر. القانون العاهر هو ذلك النص الذي لم يعد يفرّق بين المخطئ والمصيب، بل صار يضاجع السلطة طواعية، ويلد منها أحكاماً مشوّهة تُرضي غريزة الهيمنة، وتغتال أي معنى للعدالة.
إنه التشريع الذي يُكتب في غرف النفوذ المغلقة، لا لتقييد الجبار، بل ليكون أداة اغتصاب ناعمة يمارسها على جسد المجتمع. هذا الاغتصاب ليس استعارة عابرة، إنه عملية ممنهجة لإفراغ الكلمات من قداستها، ليصبح "الحق" مرادفاً لمن يملك القوة، و"الواجب" مرادفاً للخضوع. في مجتمع يسمح لقانونه بأن يصبح عاهراً، يُغتصب كل يوم معنى العدالة، وعندها فقط ندرك أننا لا نواجه مجرد فساد، بل اغتيالاً مبرمجاً لفكرة الخير العام.
التربة المسمومة – كيف يصبح الفساد طبيعة ثانية
لا ينبت القمح في أرض مزروعة بالملح، ولا تُثمر النزاهة في تربة استأنست الانحراف. المجتمعات ليست صناديق فارغة تُملأ بالأقدار، بل هي مرايا عاكسة، ومصانع صامتة تُنتج يومياً ما رضيت به بالأمس. حين يتحول الفساد من شذوذ عابر إلى نسيج يومي، ومن رذيلة مُدانة إلى حكمة مُقدَّسة، لا ينبغي أن نُفاجأ حين تخرج من رحم هذا الواقع نخب فاسدة، وسياسات مجحفة، واقتصاد ريعي، وثقافة تبرر البقاء على حساب المبدأ. الفساد هنا ليس عارضة مرضية، بل هو النتاج الطبيعي لمجتمع أعاد تعريف القبول والرفض.
تبدأ الحكاية من العقل أولاً. حين يُستبدل سؤال "ما هو الصحيح؟" بسؤال "ما هو النافع؟"، يتحول الفكر من منارة تُنير الدرب إلى مطية تُبرر المصالح. في البيئات التي تطبع الانحراف، لا يُقاس الرجل بصدقه، بل بدهائه في الالتفاف على القانون. تُعاد صياغة المفردات بهدوء مريب: الرشوة تصبح "هدية تعب"، والواسطة "جسر تعاون"، والمحسوبية "حقاً عائلياً مقدساً"، والنزاهة "سذاجة لا تُطاق". وهكذا يُنتج المجتمع ثقافته الخاصة: ثقافة بقاء لا ثقافة مبدأ، تُربّي على المصلحة لا على القيم، وتُكافئ من يعرف "قواعد اللعبة الخفية" أكثر ممن يؤمن بوضوحها. إنه الاغتصاب اللغوي الذي يسبق الاغتصاب المادي، ويهيئ العقول لقبول العار باعتباره قدراً.
ومن حقل الثقافة، تمتد الجذور إلى ساحة السياسة. فلا تصل إلى القيادة الكفاءات في بيئة استأثرت فيها الشبكات على المؤسسات. يُختار القائد لا لقدرته على الإصلاح، بل لولائه للدائرة الحامية، ويصبح المنصب وسيلة لاسترداد "استثمارات المحسوبية"، لا أداة لخدمة العامة. حتى المعارضة، في كثير من الأحيان، تُنتج نسخاً مكررة من نفس العقلية، لأنها نشأت في التربة ذاتها، وشربت من النبع نفسه. السياسة هنا لا تُنتج استقراراً للوطن، بل استقراراً للفساد، وتُعيد تدوير الوجوه دون أن تمس البنية.
وما هي إلا حلقة مفرغة تُدار ببطء قاتل: مجتمع يقبل الواسطة يُنتج سياسات تُكرس المحسوبية في التعيينات، والتي بدورها تُحوّل المال العام إلى غنائم لشبكات النفوذ، فيعمّ الفقر والتهميش، ويُقابل السخط الشعبي بقمع لا بإصلاح، فتفقد المؤسسات مصداقيتها، ويعود المجتمع إلى نقطة البداية، لكن بثقل أكبر ووعي أوهن. الفساد لا يعيش في حجرة مغلقة، بل يتنفس في كل رئة، ويمتد في كل شريان، من المدرسة إلى المحكمة، من السوق إلى البرلمان، من البيت إلى الدولة. اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، يصبح الانحراف لغة مشتركة، والمصلحة الضيقة بديلاً عن العقد الوطني.
تشريح الانزياح العربي – بين وصف الأرداف وتحري الهلال
وهنا يطل السؤال الجارح برأس الأفعى: لماذا نحن تحديداً؟ الإنسانية جمعاء فاسدة بالقوة، هذا صحيح. لكن ما حدث في المجتمعات العربية هو انزياح معرفي قاتل تُلخّصه صورتان شعريتان صادمتان: "وصف العذراء ذات الأرداف" و"تحري هلال رمضان". كلتاهما ليستا تهمة للشعر أو للدين، بل تشخيص لمرض الإزاحة إزاحة العقل عن وظيفته النهضوية إلى متاهات الحسّية والشكلية.
الهروب إلى لذة الخيال
حين حوّل العقل العربي طاقته الإبداعية الهائلة من بناء الدولة والقانون والعلم إلى التغني بأوصاف الجسد، لم يفعل ذلك حباً في الجمال بقدر ما فعل ذلك هروباً من بشاعة الواقع. لقد أصبحت البلاغة غاية لا وسيلة، وأُفرغت اللغة من قوتها التغييرية لتصبح زخرفة حسية، أو، في زمننا الحديث، إعلاماً تافهاً، ودراما فارغة، وخطاب مظلومية يُغرق الناس في متعة الشكوى دون فعل. نستهلك التفاهة كي ننسى أن "القانون العاهر" يغتصبنا كل يوم.
الاختباء في الشكل
أما "تحري هلال رمضان"، فليس اتهاماً للشعائر، بل فضح لآلية خطيرة عبادة الشكل على حساب الجوهر. حين يصبح الخلاف على رؤية الهلال أشهر من الخلاف على نهب المال العام، وحين تُستنزف الطاقات في جدل فقهي شكلي بينما يُغتصب القانون في وضح النهار، يتحول الدين من قوة أخلاقية دافعة للعدل –"ليقوم الناس بالقسط"– إلى طقوس شكلية تُمارس بموازاة الفساد ولا تتصادم معه. يصبح بإمكانك أن تكون "ملتزماً" دينياً وفاسداً في آن واحد، لأن "الالتزام" حُصر في العبادة الشكلية، بينما تُركت الأخلاق والمعاملات بلا حراسة. السلطة تشجع هذا، فهي تريد رعية تتقاتل على الهلال لا على المال المنهوب.
تحت مجهر بن نبي وكانط – تشخيص الداء
لفهم جذور هذا المأزق، نحتاج إلى أدوات فيلسوفين عميقين، كلّ من زاويته: مالك بن نبي وإيمانويل كانط. كلاهما، رغم اختلاف سياقيهما، يقدمان مفاتيح لفهم شروط النهضة التي نفتقدها.
مالك بن نبي: القابلية للاستعمار والأفكار الميتة
يُعرِّف بن نبي الحضارة بأنها "نتاج تراكم العمل البشري عبر الزمن". ويطرح مفهوماً مركزياً صادماً هو "القابلية للاستعمار"، وهو مرض داخلي يصيب المجتمعات فتتوقف عن إنتاج العمل الحضاري، وتتحول إلى مجرد مستهلك للأشياء ومُقلِّد للأفكار. المجتمع الذي يفقد إرادة الإنتاج، سواء في الاقتصاد أو الفكر، يُصبح أرضاً خصبة لأي فساد.
لكن الأخطر هو تحليل بن نبي لما أسماه "الأفكار الميتة" و"الأفكار المُميتة". في مجتمعنا، لا تُطرح الأفكار لتناقش وتُخصب منتجةً أفكاراً جديدة، بل تُختزل إلى شعارات جامدة، تُكرر ببغاوياً فتموت في العقول قبل أن تحيا في الواقع. حين يتحول "الإصلاح" و"محاربة الفساد" إلى شعارات ترفعها السلطة الفاسدة نفسها، وحين يُرددها الناس دون أن تتحول إلى فعل يغير علاقات القوة، تكون قد تحولت إلى فكرة ميتة، تُخدِّر الضمير ولا تُطلق ثورة.
إيمانويل كانط: التنوير كخروج من قصور الإرادة
من جانبه، يُعرِّف كانط التنوير بأنه "خروج الإنسان من حالة القصور التي يتحمل مسؤوليتها وحده". والقصور عنده هو "العجز عن استخدام الفهم الخاص دون توجيه من آخر". هنا تكمن النكبة المجتمع العربي، في أغلبه، لم يخرج بعدُ من حالة القصور هذه. إنه يفضل الوصاية، ويخاف من حرية التفكير. لماذا؟ لأن كانط يحدد سبباً مركزياً: "الرذيلة والجبن". الرذيلة في حب المصالح الضيقة، والجبن في تحمل تبعات التفكير الحر.
وهذا يتجسد في ظاهرتين: الأولى، قبول وصاية الفقيه الذي يفكر بدلاً عني في الدين، فيختزله إلى شكليات لا تمس جوهر العدل. والثانية، قبول وصاية المستبد الذي يخبرني أن الأمن أولى من الحرية، وأن السؤال عن المال المنهوب "فتنة". العقل العربي، بحسب منطق كانط، لم يتمرد بعد على أوصيائه، لا الديني الذي حوَّل الدين إلى طقوس، ولا السياسي الذي حوَّل السياسة إلى غنيمة. وهكذا يظل الفرد قاصراً، ينتظر من سيده أن يُصلح له واقعه، مستحيلاً عليه أن يكون هو ذاته مصلحاً.
صناعة الجوع والجهل والتفاهة – من المسؤول؟
وهنا نعود إلى السؤال المركزي الذي شق صدر النقاش: هل صناعة الجوع والجهل والتفاهة صناعة أنظمة ونحن مفاعيلها، أم صناعة مجتمعات مستكينة والنظام لا يملك غير تسويقها؟
الإجابة المُرّة التي لا تجامل أحداً هي: كلاهما، في علاقة تبادلية مرعبة. المجتمع ليس ضحية بريئة، بل هو "تربة طبيعية" أنتجت أولى بذور الفساد بثقافتها القابلة للانحراف. ثم جاءت "الأنظمة" التي لم تكن كائنات غريبة هابطة من السماء، بل كانت أبناء هذه التربة الأكثر طموحاً وانتهازية، فحوّلت الفساد الفطري الهاوي إلى صناعة منهجية محترفة.
صناعة الجوع: النظام يتعمد خلق اقتصاد الندرة ليجعل المواطن متسولاً عند بابه، لكن المجتمع قبل بوظيفة "المتسول" و"المحسوب" بل وتقاتل عليها. النظام يُسوّق الجوع خوفاً، والمجتمع يستهلكه مذعناً ويُعلّم أبناءه أن "اللقمة في فم الأسد لا تُسأل عن مصدرها".
صناعة الجهل: النظام يُنتج تعليماً يُخرّج ببغاوات ويُجرّم السؤال، لكن المجتمع يستهلك هذا الجهل بشغف خوفاً من الحرية. النظام يُسوّق الجهل كطريق للوظيفة الآمنة، والمجتمع يشتريه ليضمن لأبنائه "قوتاً" بلا "كرامة".
صناعة التفاهة: النظام يُنتج إعلاماً ومشاهير تافهين ليخلق إنساناً تافهاً بلا هم وجودي، لكن المجتمع يلتهم هذه التفاهة التهاماً لأنها تُريحه من عناء التفكير في "القانون العاهر". نحن أبطال التفاهة ومفاعيلها الأساسية، نرقص في حلقتها ونُصفق لمُنتجيها.
إنها الجريمة الكاملة: الضحية شاركت في صنع جلادها، والجلاد يتقن إقناع الضحية بأنها لا تستحق سواه. النظام لا يملك غير تسويق ما وافق عليه المجتمع ضمنياً بصمته وجبنه، لكنه في تسويقه هذا يُضخم القبح أضعافاً ويُحيل الانحراف مؤسسة، والاستثناء قانوناً، والعهر تشريعاً.
هل نملك جين الفساد؟ وهل كان عمر أسطورة؟
وهنا يطل سؤالان متلازمان، كل منهما وجه للآخر: سؤال "الجين"، وسؤال "الأسطورة".
لا، العرب لا يملكون "جين الفساد"، بل يملكون "جين القصور" الذي شخّصه كانط، و"جين الأفكار الميتة" الذي حلله بن نبي. الفساد ليس حمضاً نووياً يُورث، بل هو ثقافة وقيم ومؤسسات تُنتج وتُعاد إنتاجها. والدليل أنه في نفس هذه التربة، وتحت نفس هذه السماء، وبنفس هذه "الجينات"، قامت دولة الخلافة الراشدة التي قال عنها مؤرخو الأمم الأخرى قبل مؤرخي المسلمين: "هذه أمة لا تعرف الظلم".
أما سؤال "هل كان عمر أسطورة؟" فهو الأخطر. حين يعجز المرء عن تفسير الهوة بين ماضٍ يزخر بقصص العدل، وواقعٍ يغرق في الفساد، يصبح أسهل حلّ هو إنكار الماضي لا محاكمة الحاضر. إنه هروب من ألم التناقض. لكن الحقيقة التاريخية الثابتة هي أن جوهر العدل العمري – الفارق الجوهري في طبيعة الحكم وتوزيع الثروة ومراقبة الولاة – ثابت في مئات المصادر الصحيحة. إنكار وجوده كنموذج للعدل يشبه أن تُنكر وجود الإسكندر الأكبر لأن بعض الروايات بالغت في وصف شجاعته.
والأهم من ذلك: المجتمع الفاسد يُحوّل عمر إلى "أسطورة" كي يضعه في متحف الآلهة، لا في ساحة التاريخ القابل للتكرار. يجعله خارقاً للطبيعة كي يُريح أنفسنا من عناء الاقتداء به. نقول: "كان ذلك زماناً غير زماننا، ورجالاً ليسوا مثلنا"، وهذا هو تعريف القصور الكانطي بعينه. بينما الحقيقة أن عمر لم يكن ملاكاً، بل كان بشراً يخطئ ويصيب، لكنه وضع منظومة من القيم والمؤسسات والمحاسبة أنتجت عدلاً ملموساً. جعله بشراً يُحاكى أهم بكثير من جعله أسطورة تُعبد من بعيد.
لماذا لا يلد المجتمع الفاسد مصلحاً؟
وبين هذه الأثافي (( هي الحجارة الثلاثة التي يوضع عليها القدر فوق النار. كانت العرب في بواديها تضع ثلاثة أحجار بشكل مثلث، وتوقد النار بينها، ثم تضع القدر على هذه الأحجار الثلاثة ليستوي الطعام. هذه الأحجار تسمى )
قانون عاهر يشرعن الظلم، وثقافة حسية وشكلية تهرب من المواجهة، وتحالف مرعب بين نظام مُنتِج للفساد ومجتمع مستهلك له.. يُطرح السؤال الأعمق والأكثر وجعاً: لماذا لا يلد هذا المجتمع مصلحاً؟
الإجابة ليست في غياب النوايا، ولا في فقر الشجاعة الفردية، بل في طبيعة التربة التي تحول دون الإنبات البذرة المختلفة لا تجد من يرويها، بل تجد من يقطفها قبل أن تُزهر المجتمع الفاسد، كما شرح بن نبي، يُنتج مصلحاً في بداياته لكنه يفتقد "المناخ الثقافي" الذي تتراكم فيه الأفعال الإصلاحية. المصلح، بلغة كانط، هو من يجرؤ على استخدام عقله علانية. لكن المجتمع القاصر يعاقبه بثلاث طرق قاتلة:
العزل الاجتماعي: حيث يُصوَّر المصلح كخائن للجماعة لأنه يفضح عورتها، فتُنبذه القبيلة قبل أن تَطاله السلطة، فيفقد تأثيره قبل أن يبدأ.
الابتلاع النظامي: حيث يُعرض عليه أن يكون جزءاً من المنظومة مقابل "إصلاح تدريجي" لا يأتي أبداً، فيتحول من ثائر إلى تابع صامت، ويُروض حلمه حتى يموت في صدره.
الحصار القاتل: حيث تُحيط به شبكات المصالح من كل جانب وتجعل فشله حتمياً، ليكون فشله دليلاً يُكرس الأسطورة: "أرأيتم؟ الإصلاح مستحيل". وهكذا تتحول كل محاولة إصلاح فاشلة إلى دعاية مجانية للفساد تؤكد أسطورته: "الفساد باقٍ، فتكيف معه".
في هذه البيئة، لا يُقتل المصلح بالرصاص، بل يُقتل بفقدان الأمل، ويُدفن في مقبرة النوايا الحسنة التي أكلتها "حكمة الواقع". المجتمع الفاسد لا يكتفي بإنتاج الفساد فحسب، بل يبتكر "مناعة" ضد العلاج، ويصنع وهم التغيير ليُطيل عمر الواقع.
النخب المستنيرة – مَن يجرؤ على دفع الثمن؟
لكنّ التاريخ لم يكن يوماً سجين الحتمية. فالمجتمعات تتغير حين تتغير قيمها، وتتغير قيمها حين يجرؤ كثر على رفض ما اعتاد الجميع قبوله. إن إدراك أن القانون قد صار عاهراً، وأن العدالة قد غُصبت، وأننا تائهون بين وصف الأرداف وتحري الأهلة، وأننا شركاء في صناعة جوعنا وجهلنا وتفاهتنا، وأن المصلح يُجهض كل يوم في أرحامنا.. هذا الإدراك ذاته هو "التنوير" الذي تحدث عنه كانط: أن نعي أن مشكلتنا هي "قصورنا" نحن.
وهنا، تتقدم النخب المستنيرة إلى واجهة المشهد. لا، ليس كل النخب، فكثير من النخب القائمة جزء من المنظومة الفاسدة، تُسوّق للقانون العاهر بلغة أكاديمية، وتُنتج الجهل بخطاب النخبوية المنغلقة، وتُبرر التفاهة باسم "فن الشعب". إنما النخب التي نقصدها هي تلك القلة التي تملك شيئين: الوعي التشريحي الذي يفهم طبيعة المرض لا مجرد أعراضه، والشجاعة الأخلاقية التي تجرؤ على دفع ثمن العلاج.
هذه النخب مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تكون "قابلة" المصلح الذي يرفض المجتمع الفاسد أن يلده. مطالبة بأن تخلق "جزر نزاهة" في محيط الفساد: مؤسسة تعمل بشكل مختلف، دائرة حوار ترفض اللغة الملتوية، مبادرات شعبية تراقب الأداء العام وتفضح الانحراف بلا خوف. مطالبة بأن تبدأ بـ"لا" صغيرة تقال للواسطة قبل أن تصبح عادة، وبـ"نعم" جريئة للكفاءة قبل أن تتحول إلى نادرة، وبإرادة جماعية تُعيد صياغة العقد الاجتماعي على قاعدة الحق والواجب لا المنفعة والولاء.
وهنا مربط الفرس: دفع الثمن. النخب المستنيرة التي تريد التغيير يجب أن تعرف أن القصاص من "القانون العاهر" يبدأ بدفع ثمن العفة. ثمن العزلة أحياناً، وثمن الفقر أحياناً، وثمن الاتهام بالخيانة أحياناً. لكن هذا الثمن، مهما بدا باهظاً، هو أرخص بكثير من ثمن الصمت الذي ندفعه يومياً جوعاً وجهلاً وتفاهة. الفساد ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار جمعي نتحمل وزره. والنزاهة ليست سذاجة، بل هي شجاعة تتطلب ثمناً قد يكون مراً في البداية، لكنه الثمن الوحيد لاستعادة إنسانيتنا.
التاريخ لا يسير في خط مستقيم نحو الانحطاط، ولا نحو التقدم. التاريخ ساحة معركة بين إرادتين: إرادة الفساد التي تستنيم للتربة المسمومة، وإرادة الإصلاح التي تجرؤ على حرثها وزرعها من جديد. وإذا كان المجتمع الفاسد يُنتج فساداً كنتاج طبيعي لتربته، فلتكن النخب المستنيرة هي التي تُنتج إصلاحاً كنتاج طبيعي لضميرها وإرادتها. وإذا كانت التربة تعجز عن إنجاب المصلح، فلتكن هذه النخب هي "الرحم البديل" الذي يحمل النزاهة حتى تلدها الأجيال القادمة واقعاً معاشاً، لا أسطورة تُروى، ولا شعاراً يُرفع ثم يُنسى.
الباقي.. على الإرادة التي ترفض الصمت، وعلى الأجيال التي تختار أن تخرج من قصورها، فتكون مرآة صافية لا ظلاً باهتاً.
فلنبدأ.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



