كيف تعيد إسرائيل هندسة الجوار ؟ استراتيجية التقسيم والاحتواء وإعادة صياغة الجغرافيا السياسية

كتب: خالد سعيد نزال: هذه المقدمة ، إطار لفهم المشروع الإسرائيلي الحالي لإعادة هندسة الجوار. فالسياسات الحديثة (نزع سلاح حزب الله، الابتزاز المائي للأردن، استغلال الانهيار السوري، تصفية الخيار الفلسطيني) ليست استثناءا، بل امتداد طبيعي لسياسة التمدد والهيمنة التي بدأت مع وعد بلفور عام 1917. الفرق اليوم هو أن إسرائيل، بدعم أمريكي كامل، لم تعد تخفي طموحها في إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها، متجاوزة قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية، معتبرة نفسها فوق أي مساءلة.
الفهم العميق لتاريخ الصراع يُظهر أن "السلام" الإسرائيلي ليس سلاماً بالمعنى الإنساني، بل استسلام للهيمنة الإسرائيلية، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشعوب العربية اليوم: كيف نبني مقاومة علمية ومنهجية تعيد تعريف الأمن الإقليمي بعيداً عن منطق الهيمنة والاحتلال.
ففي أعقاب حرب غزة وما تلاها من تحولات إقليمية عميقة، برزت إسرائيل بوصفها فاعلاً يسعى بنشاط إلى تجاوز منطق "الدولة المحاصرة" إلى مشروع طموح وأكثر عدوانيةً يتمثل في "الهندسة الجيوسياسية" لإقليمها هذا المفهوم لا يقتصر على الدفاع أو التفاوض، بل يعني عملية واعية لإعادة تشكيل الفضاء السياسي والجغرافي عبر مزيج من أدوات القوة الصلبة والناعمة، بهدف تحويل التحديات الأمنية إلى فرص للتمكين والسيطرة الطويلة الأمد. إن ما تشهده جبهات لبنان وسوريا والأردن والأراضي الفلسطينية ليس سوى أوجه مختلفة لاستراتيجية موحدة إعادة هندسة الجوار برمته لضمان تفوق استراتيجي مطلق، عبر تفكيك أي بؤر مقاومة محتملة، وتحييد الدول، وفرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة لا يمكن الرجوع عنها في لبنان، تتجلى هذه الاستراتيجية في المطالبة الصارمة والمستمرة بنزع سلاح حزب الله، حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار وانكفاء الحزب إلى ما وراء نهر الليطاني. هذا المطلب لا ينبع من حسابات أمنية مؤقتة فحسب، بل هو محاولة لإكمال عملية هندسة جيوأمنية تهدف إلى تحويل لبنان إلى فضاء آمن خاضع، يخلو من أي قدرة على الردع أو التحدي. إن استمرار الضربات الإسرائيلية، رغم الهدوء النسبي، يندرج ضمن منطق "الجدار الحديدي" المتجذر في الفكر الصهيوني، والذي يهدف إلى قتل الأمل لدى الخصم في قدرته على المقاومة، وفرض إرادة من جانب واحد تحت ذرائع أمنية. هذه السياسة لا تنفصل عن العقيدة الإسرائيلية التي تحولت بموجبها إلى "دولة الجدران"، حيث يتم عزل كل جوار بحواجز مادية وعسكرية لتحقيق العزلة والسيطرة.
ومن المطالب الإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله في ظل تناقض صارخ بين وقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر 2024 والضربات الإسرائيلية شبه اليومية في جنوب لبنان. ينطلق التحليل من تساؤل جوهري: كيف يمكن الحديث عن نزع السلاح في بيئة تهيمن عليها انتهاكات الاتفاقات، وغياب الثقة، وصراع المصالح الإقليمية؟
المحور اللبناني ونزع سلاح حزب الله
1. المشهد الراهن: تناقض صارخ بين الالتزامات والواقع
يستند الموقف الحالي إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي كان من المفترض أن ينهي حربًا شاملة اندلعت في سبتمبر/أيلول من نفس العام، وأسفرت عن آلاف الضحايا. وبموجب هذا الاتفاق، انسحب حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني وسلم جزءًا من معداته للجيش اللبناني. كما أنشئت لجنة مراقبة دولية "الميكانيزم" (تضم لبنان وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة وقوة الأمم المتحدة المؤقتة يونيفيل).
على الأرض، يسود تناقض واضح:
• من جانب لبنان: تؤكد القيادة السياسية التزام لبنان "بالكامل" باتفاق وقف إطلاق النار. ويصف النائب حسن فضل الله الاستمرار الإسرائيلي في الضربات بأنه "عدوان متمادي" وخرق للاتفاق.
• من جانب إسرائيل: تواصل القوات الإسرائيلية ضرباتها الجوية شبه اليومية وتستهدف ما تسميه "البنى التحتية الإرهابية" لحزب الله، مما أسفر عن مزيد من الخسائر البشرية والمادية. كما لا تزال تحتل خمس تلال لبنانية في الجنوب استولت عليها في الحرب الأخيرة، بالإضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود. تعلن إسرائيل صراحة أنها لن تتوقف عن عملياتها ما لم يُنزع سلاح حزب الله بشكل كامل.
2. التحليل الجيوسياسي للمطالب الإسرائيلية
تتجاوز المطالب الإسرائيلية مسألة أمن حدودها الشمالية لتشكل معضلة جيوسياسية معقدة يمكن فهمها من خلال الزوايا التالية:
• مقاربة القوة والردع: تتبنى إسرائيل خطابًا قائمًا على "فرض الأمر الواقع" وتهديد باستخدام القوة العسكرية المباشرة إذا لم تنفذ الدولة اللبنانية المطالب. فقد استكمل جيشها خطة لهجوم واسع ضد حزب الله إذا لم يُنفذ نزع السلاح قبل نهاية 2025. هذه المقاربة تفكك الربط المنطقي الذي يقيمه لبنان وحزب الله بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة.
• معضلة "الاحتواء" مقابل "نزع السلاح الكامل": برز حديث في الأوساط الدبلوماسية الغربية عن فكرة "احتواء" حزب الله كبديل أكثر واقعية من "نزع السلاح الكامل"، وهو ما يتفق عليه بعض الخبراء الأمريكيون مثل ديفيد شنكر، الذي وصف الموعد النهائي الحالي بأنه "غير واقعي تمامًا". هذا التحول يشير إلى تراجع الطموحات المعلنة نحو حلول عملية هجينة، مثل الاكتفاء بنزع السلاح الثقيل أو وضع السلاح "جانبًا" كضمانة.
• الدور الإقليمي والدولي المشحون: تُدار الأزمة في إطار صراع نفوذ أوسع.
- إيران: تُعد الداعم الرئيسي لحزب الله، وترى أن نزع سلاحه يعني سحب أهم ورقة ضغط عسكرية لها في المنطقة، خاصة بعد خسارتها للممر البري المباشر عبر سوريا.
- الولايات المتحدة وفرنسا: تقودان مسارًا دبلوماسيًا ضاغطًا، لكنه يعاني من انقسام داخلي. بينما حذرت واشنطن بيروت من عواقب عدم النزع، تشير تقارير إلى شكوك بأن تعطي "الضوء الأخضر" فعليًا لحرب إسرائيلية واسعة. فرنسا، من جانبها، تطالب بأن تقوم قوات "اليونيفيل" بمؤازرة الجيش اللبناني في عمليات نزع السلاح حتى داخل المنازل الخاصة.
3. العقبات العملية والتحديات الداخلية في لبنان
يواجه تنفيذ أي خطة لنزع السلاح تحديات هائلة على الأرض:
- ضعف الدولة والجيش: تواجه الدولة اللبنانية أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خانقة، مما يحد من قدراتها. الجيش اللبناني، رغم دعمه دوليًا، يواجه تحديات لوجستية وأمنية جسيمة في تنفيذ هذه المهمة. اقتحام المنازل الخاصة للبحث عن أسلحة، كما تطالب بعض الأطراف، قد يُشعل فتيل مواجهات داخلية أو احتجاجات شعبية، حيث لا يزال حزب الله يُنظر إليه من قبل قطاع واسع في الجنوب كـ "حامٍ" لهم.
- المأزق السياسي لحزب الله: يرفض حزب الله، بقيادة أمينه العام نعيم قاسم، نزع سلاحه ما دامت إسرائيل تحتل أراضٍ لبنانية، ويرى أن ذلك بانها "تطويع للأمر الإسرائيلي- الأمريكي". غير أن الحزب يواجه أيضًا ضغوطًا من قاعدته الشعبية التي تدفع ثمن الدمار وتبحث عن تعويضات وإعادة إعمار، كما يتعرض لانتقادات من فصائل لبنانية أخرى تطالب بحصر السلاح بيد الدولة.
-عدم التماثل في الضغط الدولي: غياب رادع دولي فعّال ضد الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للاتفاق يغذي الإحساس بـ "انحياز" النظام الدولي. ويُعزز هذا الشعور استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل بشكل روتيني، مما يجعل أوراق الإدانة "حبيسة الأدراج".
4. السيناريوهات المستقبلية المحتملة
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن استشراف عدة مسارات :
السيناريو الأول: تصعيد عسكري إسرائيلي محدود أو واسع النطاق
• الآليات المحتملة:
- تنفيذ إسرائيل لخططها العسكرية المُعدة مسبقًا للهجوم في حال انهيار المسار السياسي أو فشل الحكومة اللبنانية في تنفيذ نزع السلاح بحلول الموعد النهائي المتفق عليه (نهاية عام 2025).
- قد يأخذ الهجوم شكل عملية برية محدودة في جنوب لبنان، بهدف أساسي هو "إبعاد حزب الله عن الحدود"، أو يتطور إلى حرب شاملة.
- استمرار وتصعيد الضغط العسكري غير المباشر عبر استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية لحزب الله، مثل شبكة جمعية القرض الحسن والمؤسسات الصحية، بهدف تفكيك ما يُعرف بـ"مجتمع المقاومة" وقاعدة الحزب الشعبية.
- تعتمد هذه الاستراتيجية على "عقيدة الضاحية" التي تتبنى استخدام "قوة غير متناسبة" ضد المناطق المدنية لخلق ضغط شعبي على الحزب.
• العواقب والتداعيات:
- تجدد الحرب الشاملة، مما يؤدي إلى دمار هائل في لبنان وخسائر بشرية جسيمة، مع تهديد كبير لاستقرار المنطقة.
- فشل إسرائيل السابق في تحقيق أهداف مماثلة (كإسقاط حكم حماس في غزة) يشير إلى صعوبة تحقيق نصر حاسم قد ينهي حزب الله.
- وجود خمسة أسباب رئيسية قد تمنع إسرائيل من التحرك العسكري المتسرع، منها: الهدوء النسبي الحالي على الحدود، والمصلحة اللبنانية الرسمية في تحييد الحزب، والرغبة الأمريكية في منح الحكومة اللبنانية فرصة، والإدراك بأن الضربات وحدها لن تقضي على الحزب، والتكلفة الباهظة للحرب على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
- يُعتبر حزب الله لاعباً مركزياً في المعادلة الإقليمية لإيران، وأي حرب ستكون جزءاً من صراع جيوسياسي أوسع، مع أخذ العامل الأمريكي الحاسم في حساباته.
السيناريو الثاني: تمديد المهلة والدخول في مفاوضات تفصيلية
- الآليات المحتملة:
- الاتفاق على مهلة جديدة (شهرين أو أكثر) وبدء مفاوضات حول مراحل تنفيذ نزع السلاح، مع وضع شروط مسبقة مثل وقف الضربات الإسرائيلية اليومية.
-محاولة الدولة اللبنانية، بدعم دولي وعربي، استعادة زمام المبادرة عبر التفاوض المباشر مع إسرائيل ضمن لجنة "الميكانيزم"، بهدف فرض سيادتها ومنع الحرب.
- استخدام آليات "المسار الثاني" غير الرسمي، حيث يجتمع أكاديميون وخبراء من أطراف النزاع ودول أخرى، لطرح حلول إبداعية للأبعاد الأمنية والاقتصادية ثم نقلها للمفاوضين الرسميين.
- التركيز في المفاوضات على أولويات متباعدة؛ فلبنان يركز على وقف الاعتداءات وإعادة الأسرى والانسحاب الإسرائيلي، بينما تهدف إسرائيل لفرض منطقة عازلة أمنية تحت غطاء مشاريع اقتصادية مشتركة.
• العواقب والتداعيات:
- هدوء مؤقت، لكنه لا يحل الجوهر الأساسي المتمثل في تناقض أولويات الطرفين واختلال موازين القوة.
- يستفيد حزب الله من الوقت لتعزيز موقعه التفاوضي وإعادة تنظيم صفوفه.
- يُعتبر تعيين شخصية مدنية (كالسفير سيمون كرم) لرئاسة الوفد التفاوضي اللبناني خطوة رمزية لتعزيز الطابع السياسي للتفاوض، لكنها تثير انتقادات من حزب الله الذي يعتبرها "سقطة" في ظل استمرار الأعمال العدائية.
- يبقى التقدم رهناً بتغيير المعادلات الإقليمية، ودور إيران الذي لا يرغب بربما بعلاقة اقتصادية أو سلام بين لبنان وإسرائيل.
السيناريو الثالث: تبني نموذج "الاحتواء" أو "التحييد"
• الآليات المحتملة:
- تحول المطلب الدولي والإسرائيلي من "نزع السلاح الكامل" لحزب الله إلى هدف أكثر واقعية وهو "منع استخدام السلاح" أو نزع الأسلحة الثقيلة بعيداً عن الحدود فحسب.
- تطبيق استراتيجية أمريكية-إسرائيلية مركبة طويلة الأمد تعتمد على "الاحتواء المشروط"، تهدف إلى إعادة هندسة ميزان القوى الداخلي في لبنان عبر مزيج من الضغط العسكري المحدود، والضغوط الاقتصادية، والدعم المشروط للجيش اللبناني.
- تحويل دور قوات اليونيفيل الدولية في الجنوب تدريجياً من قوة مراقبة إلى عنصر مساعد في عملية ضبط السلاح.
• العواقب والتداعيات:
- اعتراف ضمني من المجتمع الدولي بعدم قدرة أو إرادة الدولة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله كلياً في المدى المنظور.
- إدامة حالة "اللاسلم واللاحرب" على الحدود، مع استمرار خطر الانفجار المتقطع.
- يؤدي هذا النموذج إلى إعادة تعريف دور الدولة اللبنانية كشريك سيادي "محدود الصلاحيات" في ترتيبات أمنية إقليمية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
- بقاء لبنان كـ"ساحة اختبار دائم" لقدرة الدولة والمقاومة، في إطار سياسة الضغط التدريجي المستمر.
السيناريو الرابع: تفكك الدولة اللبنانية واندلاع صراع داخلي
• الآليات المحتملة:
- فشل الحكومة اللبنانية في تحقيق أي تقدم على صعيد نزع السلاح أو استعادة السيادة، مع استمرار الضغوط الاقتصادية الخانقة والانقسام السياسي الحاد حول هوية الدولة وشرعية السلاح.
- تصاعد حدة الموقف بين قرار الدولة برفع الشرعية عن سلاح حزب الله وتكليف الجيش بنزعه، وبين إصرار الحزب على رفض تسليم سلاحه ما دامت أراض لبنانية محتلة.
- تحوّل الضغط الخارجي المنسق (الأمريكي-الإسرائيلي) إلى عامل يُسرّع الانهيار الداخلي إذا لم يُحسن إدارته، بدلاً من أن يكون حافزاً للإخضاع السياسي.
• العواقب والتداعيات:
- انهيار النظام السياسي الطائفي الهش، مع احتمالية نشوب مواجهات مسلحة بين فصائل لبنانية.
- يصبح لبنان الحلقة الأضعف في الترتيبات الإقليمية، وهو ما يحذر منه بعض المحللين.
- سيعاني جميع السكان، بمن فيهم المجتمع الفلسطيني اللاجئ الهش أصلاً، من تداعيات اقتصادية وإنسانية كارثية تفوق ما عانوه خلال الأزمات السابقة.
- قد تفتح حالة الفوضى الباب أمام تدخلات إقليمية مباشرة أو تقسيمات فعلية.
السيناريو الإضافي المحتمل: تسوية طويلة الأمد عبر صفقة إقليمية شاملة
• الآليات المحتملة: تستخلص من التحليل الإقليمي الأوسع.
- دمج ملف لبنان ضمن صفقة تفاوضية إقليمية كبرى تشمل إيران والدول العربية المطّبعة، حيث يتم التوصل إلى تفاهمات حول نطاق نفوذ إيران ودور حزب الله في لبنان، مقابل ضمانات أمنية لإسرائيل وحوافز اقتصادية للبنان.
- ربط أي اتفاق بمسار سياسي جدي لحل القضية الفلسطينية، وهو الشرط التاريخي لحزب الله.
• العواقب والتداعيات:
- إذا نجحت، قد تؤدي إلى "سلام مؤجل" وهدنة طويلة الأمد، لكنها ستكون محفوفة بالمخاطر ومعقدة التنفيذ.
- ستعيد رسم التحالفات الإقليمية بشكل جذري، وستُخرج لبنان جزئياً من خط الصراع المباشر.
- يبقى هذا السيناريو ضعيف الاحتمال في الأمد المنظور بسبب عمق الخلافات وتباين الأولويات بين الأطراف الإقليمية الرئيسية.
خاتمة: سؤال الشرعية والنتائج العكسية
ختامًا، يبدو أن المطالب الإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله، في إطارها الحالي، تنتج نتائج عكسية. فهي لا تدفع نحو السلام، بل تغذي دوامة العنف وعدم الثقة. القوة العسكرية وحدها عاجزة عن حل هذه المعضلة الجيوسياسية المتجذرة. أي حل مستدام يجب أن يأخذ في الاعتبار شرطًا لبنانيًا جامعًا، وهو الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة، وأن يقترن بخطة دولية جادة لإعادة إعمار لبنان وتمكين دولته. بدون ذلك، ستظل المطالبة بنزع السلاح، في نظر قطاع واسع من اللبنانيين والعالم العربي، ورقة مقايضة غير عادلة وذريعة لاستمرار العدوان، وليست سبيلًا حقيقيًا لتحقيق الاستقرار.
المحور السوري في الاستراتيجية الإسرائيلية الإقليمية
يتكامل الموقف من سوريا مع المطالب بنزع سلاح حزب الله وغزة ضمن رؤية أمنية إسرائيلية واحدة تركز على:
1. إضعاف المحور الإيراني: بعد انكفاء النظام السوري، خسرت إيران الممر البري المباشر بين طهران ومتوسطي حزب الله، مما قوّض قدرة الحزب على إعادة التسلح عبر سوريا. تدمير ما تبقى من البنية العسكرية السورية يهدف إلى جعل هذه الخسارة دائمة وغير قابلة للإصلاح، ويُضعف ورقة الضغط الإيرانية في لبنان.
2. القضاء على "الجبهة الشرقية": لعقود، شكلت الحدود السورية مع الجولان المحتل جبهة عسكرية محتملة. تحاول إسرائيل، من خلال ضمان ضعف الدولة السورية وعسكرتها، تحييد هذه الجبهة بالكامل، ونقل التهديد المحتمل من حدود دولة مجاورة إلى مستوى ميليشيات غير نظامية (مثل حزب الله).
3. خلق واقع جديد للتفاوض: حالة الضعف والانشغال بإعادة البناء التي تعيشها سوريا - كما أشرت - تضعها خارج معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي الفاعل. هذا يسمح لإسرائيل بفرض شروطها في ملفي الجولان و ترسيم الحدود من موقع القوة، دون الحاجة لمراعاة رد فعل عسكري سوري جدي.
الروابط الجيوسياسية: سوريا، حزب الله، والمقاومة في غزة
يرتبط الملف السوري عضوياً بموضوع نزع السلاح الرئيسي عبر الروابط التالية:
• شرعية المطالبة بنزع السلاح: تستخدم إسرائيل ذريعة "الخطر الإيراني" المار عبر سوريا لتبرير مطالبها بنزع سلاح حزب الله. فبزعمها، أي سلاح في يد الحزب هو سلاح إيراني يُهدد أمنها من حدودها الشمالية، خاصة بعد إعادة انتشارها جنوب الليطاني.
• نموذج "ما بعد الصراع": المأزق في سوريا (دولة منهكة تعلن عدم رغبتها في الحرب) يقدم لإسرائيل والداعمين الدوليين نموذجاً محتملاً للمرحلة "الانتقالية" في غزة و جنوب لبنان. يتساءل صناع القرار: هل يمكن "احتواء" فصيل مسلح (كحماس أو حزب الله) في منطقة معزولة ومنهكة، دون نزع سلاح كامل، مع الاعتماد على قوة دولية للإشراف؟ هذا السؤال مطروح حالياً في كلا الملفين.
• المعضلة اللبنانية: يعمق ضعف سوريا أزمة حزب الله الداخلية. فمع تراجع الدعم اللوجستي عبر الحدود وفقدان العمق الاستراتيجي، يبدو تمسك الحزب بسلاحه، في عيون بعض اللبنانيين، أكثر تكلفة وأقل فائدة، خاصة مع تأخر تعويضات الحرب للمتضررين في الجنوب. هذا يضعف موقفه التفاوضي مقابل الدولة اللبنانية.
الخلاصة التحليلية
بإضافة المحور السوري، تتضح الصورة كاملة: إسرائيل لا تنظر إلى نزع سلاح حزب الله أو حماس كقضايا منعزلة، بل كحلقات في استراتيجية أمنية إقليمية شاملة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى:
• تطويق وإضعاف النفوذ الإيراني المباشر.
• ضمان تفوق عسكري مطلق على جميع الجبهات مع جيرانها.
• فرض حلول سياسية وأمنية من خلال خلق وقائع ميدانية (كالتدمير والاحتلال) تضع الأطراف الأخرى (سوريا، لبنان، الفلسطينيون) في موقف الضعيف الذي لا خيار أمامه سوى التفاوض بشروط غير متكافئة.
يبقى التساؤل الجوهري الذي تطرحه هذه المعطيات: في غياب رادع إقليمي أو دولي حقيقي، وإزاء استمرار انتهاك الاتفاقات، هل يمكن أن تؤدي سياسة فرض الأمر الواقع والقوة الخشنة وحدها إلى استقرار دائم في المنطقة، أم أنها تُغذّي دورة جديدة من الصراع؟
إذا كنت ترغب في التعمق أكثر في جانب محدد، مثل التداعيات الداخلية في لبنان على حزب الله أو التطورات الأخيرة للمفاوضات حول غزة، يمكنني تخصيص التحليل لذلك.
المحور الاردني الماء كأداة ضغط: حصة الأردن المائية في ميزان السلام الهش
في سياق التحليل الجيوسياسي المتشابك للمطالب الإسرائيلية بنزع السلاح شمالاً وجنوباً، يبرز محور الأمن المائي كحلقة شديدة الحيوية والحساسية. فمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، والتي ضمنت للأردن حصة مائية سنوية مقدارها 50 مليون متر مكعب من إسرائيل، لم تعد مجرد بند فني في اتفاقية تاريخية. في ظل الأجواء الإقليمية الملتهبة والتصعيد السياسي، تتحول هذه الحصة إلى ورقة ضغط استراتيجية واختبار عملي لمدى متانة اتفاقيات "السلام" في مواجهة رياح التصعيد.
الحصة المائية: شريان حياة في بلد يعاني من العطش
لا يمكن فهم حجم التهديد الكامن في المساس بهذه الحصة إلا بفعل إدراك حجم الأزمة المائية في الأردن، الذي يصنف بين أكثر دول العالم فقراً بالمياه. في هذا السياق، تُشكّل الـ 50 مليون متر مكعب، إلى جانب حقوق الأردن في 75% من مياه نهر اليرموك بموجب المعاهدة نفسها، إحدى الركائز الأساسية لتأمين مياه الشرب لقطاع كبير من المواطنين واستمرارية القطاعات الاقتصادية الحيوية مثل الزراعة.
يشير تحليل حديث إلى أن المعاهدة، رغم شعبيتها المحدودة، تمنح الأردن "منافع جوهرية" يصعب التعويض عنها، وأهمها بالتأكيد الأمن المائي وضمان حصة مائية ثابتة. أي محاولة للتفريط بهذا المكسب، أو استخدامه كأداة للضغط، ستكون بمثابة ضربة لخط دفاع استراتيجي عن استقرار المملكة الداخلي.
تحت النار: ضغوط متعددة تهدد اتفاقية "وادي عربة"
تتعرض المعاهدة بأكملها، وليس البند المائي فقط، لاختبار وجودي غير مسبوق بسبب عدة عوامل:
• الغضب الشعبي المتصاعد: يُظهر استطلاع للرأي أن أغلبية الأردنيين يعارضون المعاهدة، وأن إسرائيل تُرى كـ "التهديد الأكبر لأمن العالم العربي". وقد شهدت المملكة تظاهرات حاشدة رفضاً للحرب على غزة وخطاب التهجير، مما يضع النظام السياسي أمام ضغط داخلي هائل. ارتفعت نسبة المشاعر المؤيدة لحماس في الأردن من 44% عام 2020 إلى 85% عام 2023، مما يعكس عمق التحول في الرأي العام.
• السياسات الإسرائيلية المثيرة للقلق: تُعتبر الخطوات الإسرائيلية التي تنال من إمكانية قيام دولة فلسطينية، مثل التوسع الاستيطاني ومشاريع الضم، انتهاكاً صارخاً لروح المعاهدة وجوهرها. كما أن حديث بعض المسؤولين الإسرائيليين عن "الترحيل الطوعي" أو "النقل" للسكان الفلسطينيين يلمس خطاً أحمر أردنياً يتعلق بالأمن الوطني، حيث يعتبره القادة الأردنيون تهديداً مباشراً يمس بنداً أساسياً في المعاهدة يمنع النقل القسري للسكان.
• التأزم الدبلوماسي: كرد فعل على الحرب في غزة، استدعت الأردن سفيرها من تل أبيب وأبلغت السفير الإسرائيلي بعدم العودة، وهي خطوة دبلوماسية قوية تُظهر مستوى السخط الرسمي وتُضعف أحد أركان المعاهدة المتمثلة في العلاقات الدبلوماسية الكاملة.
المكاسب مقابل المخاطر: لماذا لا تلغي الأردن المعاهدة؟
رغم هذه الضغوط الهائلة، يبدو القرار الأردني الرسمي مرتبطاً بحسابات دقيقة للمنافع والتكاليف. فإلغاء المعاهدة أو تعليقها، وإن كان سيلبي رغبة شعبية عارمة على المدى القصير، فإنه يحمل مخاطر جسيمة:
1. خسارة المكاسب الملموسة: مثل السيادة على أراضٍ كانت متنازعاً عليها (كالباقورة والغمر)، والدور الخاص في رعاية المقدسات الإسلامية في القدس، والعلاقات الأمنية التي قد تؤثر على استقرار الحدود.
2. الانهيار الكامل للأمن المائي: ستفقد المملكة الضمانة القانونية والدولية لحصتها المائية، لتدخل في نزاع مفتوح مع جهة أقوى عسكرياً وتكنولوجياً في مجال المياه.
3. عواقب اقتصادية وخيمة: قد يؤدي القطع الكامل للعلاقات إلى شلّ الحركة التجارية والسياحية وتعطيل مشاريع الطاقة (كصفقة الغاز التي سبق وأن أثارت جدلاً شعبياً كبيراً)، في وقت يتطلع الأردن إلى تحقيق نمو اقتصادي يتجاوز 2.5%.
السيناريوهات المستقبلية: من التآكل البطيء إلى حافة الهاوية
بناء على هذه المعطيات، يمكن استشراف عدة مسارات:
• السيناريو المرجح: التآكل البطيء والتهديد المستمر: وهو المستمر حالياً، حيث تُحافظ الأطراف على هيكل المعاهدة رسمياً بينما تتعرض للتهديد والتمزيق عملياً من خلال السياسات الإسرائيلية والغضب الشعبي الأردني. قد تتعرض الحصة المائية للتأخير أو التقليص تحت حجج "التقني" أو "الطوارئ"، كأداة للضغط السياسي.
• سيناريو التصعيد: خرق "الخط الأحمر" الأردني: إذا نفذت إسرائيل أي خطوات عملية نحو تهجير فلسطيني جماعي من الضفة الغربية أو غزة، فقد تدفع بالأردن إلى تعليق المعاهدة أو إلغائها، بغض النظر عن التكاليف، لأن التهديد الوجودي حينها سيفوق أي منفعة.
• سيناريو الاستقرار المشروط: يتطلب عودة مظاهر الاستقرار للمعاهدة تغييراً جوهرياً في السياسة الإسرائيلية، وبداية عملية سياسية جادة مع الفلسطينيين، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال في الأفق الحالي.
الخلاصة
تبيّن قضية حصة الأردن المائية من معاهدة السلام مع إسرائيل أن "السلام" في منطقتنا، عندما يُبنى على موازين قوة غير متكافئة، يبقى هشاً وقابلاً للابتزاز. إن تحويل الماء من حق أساسي للحياة إلى أداة للمساومة السياسية يكشف النواة الصلبة للصراع: فهي ليست مجرد نزاعات على الحدود، بل صراع على موارد الحياة والبقاء والكرامة. بقاء الاتفاقية أو انهيارها لن يُقرره البند المائي وحده، بل هو رهين بمدى احترام إسرائيل للخطوط الحمراء الأردنية والعربية المتعلقة بالمصير الفلسطيني. فكما أن نزع السلاح في لبنان وغزة مرتبط بإنهاء الاحتلال، فإن ضمان تدفق الماء إلى الأردن مرتبط بوقف محاولات "تغيير ديموغرافي" تغرق المنطقة كلها في دوامة لا تُحمد عقباها.
المحور الفلسطيني : السلطة الفلسطينية ووهم السلام
كيف حولت إسرائيل اتفاق أوسلو إلى أداة للاحتلال الدائم
في إطار التحليل الجيوسياسي المتسلسل لسياسات إسرائيل الإقليمية – من نزع سلاح حزب الله إلى استغلال ضعف سوريا وابتزاز الأردن مائيًا – يظهر محور السلطة الفلسطينية كأبرز تجسيد لمعضلة "السلام" المفروض من موقع القوة. لقد تحولت السلطة، التي كانت المفاوض الواعد بقيادة "دولة سلام"، إلى شرطية داخلية محاصَرة، بينما تحول الاتفاق الذي أنشأها إلى أداة لتصفية مشروع الدولة الفلسطينية ذاتها.
الوعد والأسطورة: البنية الأصلية لأوسلو كفخٍ مفتوح
كانت الاتفاقية التي وقّعها ياسر عرفات وإسحاق رابين عام 1993 بناءً على مفاوضات سرية في النرويج. ارتكزت على مقايضة جوهرية: تعترف منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) بحق إسرائيل في الوجود وتتخلى عن المقاومة المسلحة، وفي المقابل، تحصل على سلطة حكم ذاتي محدودة في مناطق من الضفة وغزة كمرحلة انتقالية لمدة خمس سنوات فقط، تُفضي إلى مفاوضات الوضع النهائي حول القضايا الجوهرية: الحدود، والقدس، والمستوطنات، واللاجئين.
كانت هذه البنية نفسها هي الثغرة القاتلة. لقد تم تأجيل جميع القضايا المصيرية إلى مستقبل غير مضمون، بينما حصلت إسرائيل فورًا على اعتراف تاريخي وأمني. كما أن الاتفاقية لم تذكر دولة فلسطينية صراحة، بل اكتفت بالإشارة إلى "سلطة حكم ذاتي انتقالي". وهو ما وصفه المفكر إدوارد سعيد بأنه "فرساي فلسطيني".
الوعد مقابل الواقع: جوهر الخديعة
فيما يلي تحليل مفصل لبنود اتفاق أوسلو الرئيسية، مقارنةً بين الوعد المفترض منه من المنظور الفلسطيني عند التوقيع، والواقع الملموس والفجوة الهائلة بينهما بعد أكثر من ثلاثة عقود.
1. المرحلة الانتقالية
• الوعد المُفترض: كان الهدف المعلن هو إنشاء فترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات (تبدأ عام 1993 وتنتهي في مايو 1999) للوصول إلى تسوية دائمة وشاملة تنهي الصراع.
• الواقع المُعاش: مر أكثر من 31 عاماً على التوقيع دون تحقيق أي تسوية نهائية. المفاوضات حول الوضع الدائم علقت بشكل كامل بعد فشل قمتي كامب ديفيد (2000 و2001) واندلاع الانتفاضة الثانية. تحولت الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم من الاحتلال، حيث تدير السلطة الفلسطينية الشؤون اليومية للسكان بينما تتحكم إسرائيل في الأمن والحدود والموارد والسيادة.
2. السيطرة على الأرض والانسحاب
• الوعد المُفترض: نصت الاتفاقيات على انسحاب عسكري إسرائيلي تدريجي من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، و"نقل الصلاحيات" للإدارة الفلسطينية، تمهيداً للحكم الذاتي.
• الواقع المُعاش: بدلاً من الانسحاب، أدت الاتفاقية (خاصة أوسلو 2) إلى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مجزأة (أ، ب، ج) عززت السيطرة الإسرائيلية:
- منطقة "ج": تشكل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة (أمنية ومدنية)، بما فيها بناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية.
- منطقة "ب": تشكل حوالي 23% من الضفة، تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية ولكن السيطرة الأمنية فيها مشتركة مع إسرائيل.
- منطقة "أ": تشكل حوالي 17% فقط من الأراضي، وهي الوحيدة التي تخضع للسيطرة الأمنية والمدنية الفلسطينية اسمياً، لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي تشن اقتحامات يومية فيها.
- أدى هذا التقسيم، مع شبكة الحواجز والجدار العازل، إلى تفتيت جغرافي واقتصادي جعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة مستحيلة عملياً.
3. القدس
• الوعد المُفترض: تم تأجيل مناقشة وضع القدس بالكامل إلى مفاوضات الوضع النهائي، مع اعتبارها قضية جوهرية. تمسك الجانب الفلسطيني بموقف أن تكون القدس الشرقية المحتلة عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية.
• الواقع المُعاش: واصلت إسرائيل سياسات ممنهجة لتعزيز السيطرة الأحادية على المدينة ككل:
- تضاعف عدد المستوطنين: ازداد عدد المستوطنين الإسرائيليين في القدس الشرقية من حوالي 141 ألفاً عام 1992 إلى نحو 300 ألف مستوطن عام 2022.
- العزل الجغرافي: عززت إسرائيل عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية عبر الجدار العازل والمستوطنات الحلقية.
- السيطرة على المقدسات: تشددت السيطرة الإسرائيلية على الحرم الشريف / المسجد الأقصى، مع تقييد دخول الفلسطينيين من الضفة وغزة.
4. المستوطنات
• الوعد المُفترض: اتفق الطرفان على أن قضية المستوطنات الإسرائيلية ستحل في مفاوضات الوضع النهائي. كان هناك توقع فلسطيني ضمني بأن النشاط الاستيطاني سيتم تجميده خلال الفترة الانتقالية تمهيداً لحل هذه القضية.
• الواقع المُعاش: حدث العكس تماماً، حيث تسارع البناء الاستيطاني وتضاعف عدد المستوطنين بمعدلات غير مسبوقة:
- في الضفة الغربية (باستثناء القدس)، قفز عدد المستوطنين من حوالي 111,600 عام 1993 إلى أكثر من 700 ألف مستوطن عام 2022. تشير تقديرات حديثة (2024) إلى أن العدد يقترب من 504 آلاف مستوطن في المستوطنات الرسمية وحدها.
- واصلت إسرائيل مصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء شبكة طرق وبنية تحتية تعزز العزل الجغرافي. في عام 2025 وحده، أُقيمت 61 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية.
5. الأمن
• الوعد المُفترض: نصت الاتفاقيات على بناء مؤسسة أمنية فلسطينية (قوة شرطة) تكون مهمتها الحفاظ على النظام العام والأمن الداخلي في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
• الواقع المُعاش: تحولت الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، في التطبيق العملي وفي نظر كثير من الفلسطينيين، إلى أداة رئيسية لـ"التنسيق الأمني" مع إسرائيل. أصبح دورها الأساسي هو قمع أي نشاط مقاومة فلسطينية – بما في ذلك الاحتجاجات السلمية – ضد الاحتلال الإسرائيلي، بهدف "ضمان الهدوء" و"حماية عملية السلام". وصف مستشار سابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الوضع بأنه "سجن" حيث يتولى السجانون (السلطة الفلسطينية) إدارة حياتهم اليومية، بينما تملك إسرائيل سلطة السيادة دون التزاماتها.
6. اللاجئون وحق العودة
• الوعد المُفترض: كان يُفترض أن يتم تناول قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، بوصفها حقاً قانونياً غير قابل للتصرف يستند إلى قرار الأمم المتحدة رقم 194، في إطار المفاوضات النهائية للوصول إلى "حل عادل".
• الواقع المُعاش: تعاملت أوسلو مع القضية بأسلوب غامض ومفرغ من المضمون القانوني، مما أفضى إلى تجميدها:
- الغياب المتعمد: لم يرد في نص الاتفاقية أي ذكر لمصطلح "حق العودة"، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر.
o الترحيل والتأجيل: أحالت الاتفاقية قضية "اللاجئين" إلى مفاوضات الوضع النهائي، جنباً إلى جنب مع القدس والمستوطنات. جعل هذا الحق قضية تفاوضية خاضعة للمساومة السياسية، وليس حقاً قانونياً ملزماً.
- المرجعية الضبابية: استندت الاتفاقية إلى قراري مجلس الأمن 242 و338، وهما قراران لا يتناولان حق العودة، بل يطالبان فقط بـ"حل عادل" دون تعريفه.
- التمييز بين اللاجئين: ميزت النصوص بين "نازحي 1967" (الذين غادروا خلال حرب 1967) و "لاجئي 1948" (النكبة). بينما أشارت إلى إمكانية عودة محدودة للنازحين، استثنت لاجئي 1948 تماماً من نصوص العودة وأجلت قضيتهم.
- النتيجة: تحولت القضية المركزية للصراع إلى "ملف تفاوضي مجمد"، بينما تواصل إسرائيل رفضها المطلق لحق العودة باعتباره "تهديداً ديموغرافياً"، وتصر على حل يقوم على "التوطين" في دول اللجوء أو في الدولة الفلسطينية المستقبلية المفترضة.
الخلاصة
يكشف هذا التحليل أن المسار الذي أطلقته اتفاقيات أوسلو تحول من كونه طريقاً مفترضاً نحو السلام والدولة، إلى إطار قانوني وسياسي كرس الاحتلال وأدامه. لقد نجحت إسرائيل في استخدام الإطار التفاوضي كـغطاء زمني لخلق وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة لا يمكن الرجوع عنها على الأرض (تقسيم الضفة، تهويد القدس، توسيع الاستيطان)، بينما تم تفكيك المطالب الفلسطينية الأساسية (حق العودة، السيادة على القدس) وتحويلها إلى قضايا تفاوضية مجمدة. النتيجة النهائية بعد أكثر من ثلاثة عقود هي تصفية عملية لإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري يكرس التبعية ويُدار في ظل استمرار الاحتلال.
السلطة: من أداة تحرير إلى "وكلاء الاحتلال"
تحت شعار الالتزام بـ"السلام" و"التنسيق الأمني"، وجدت قيادة السلطة الفلسطينية نفسها في فخ تاريخي:
• الوظيفة الأمنية كأولوية قصوى: كما أشرتَ، أصبح التنسيق الأمني مع إسرائيل هو "المقدس" الوحيد في الاتفاقية، بينما جُمّدت كل البنود السياسية. وثّقت منظمات حقوقية دولية كيف أن الأجهزة الأمنية للسلطة، المُدرَّبة والُمموَّلة غربيًا، تعمل على قمع الاحتجاجات واعتقال النشطاء ومنع أي عمل مقاوم، حتى لو كان سلميًا، تحت ذريعة "منع الفوضى" و"حماية عملية السلام". لقد نجحت إسرائيل في نقل عبء إدارة الاحتلال اليومي وأثره على الشعب الفلسطيني إلى جهاز فلسطيني، مع الاحتفاظ بيدها على كل مفاصل السيادة الحقيقية.
• الاعتماد الاقتصادي والمالي: ربط بروتوكول باريس الاقتصادي (1994) الاقتصاد الفلسطيني بشكل شبه كامل بإسرائيل، وجعل إسرائيل هي المتحكمة في تحصيل الضرائب والجمارك الفلسطينية (أموال المقاصة) وتحويلها للسلطة. وهذا ما وصفته الناشطة السياسية هنادي القواسمي بأنه تحويل الاحتلال إلى "مزود الخدمات الأول" الذي يربط حاجات الناس اليومية به. وأصبح هذا أداة ضغط مالي هائلة، تُجمّد فيها الأموال متى شاءت إسرائيل لابتزاز السلطة سياسيًا وأمنيًا.
• الشرعية المتفككة: تحولت السلطة في نظر قطاع واسع من الفلسطينيين إلى "سلطة إدارة أزمة" وليس تحرير. فبينما تواصل إسرائيل الاستيطان وتقضم الأرض، يقتصر دور السلطة على إدارة البقايا تحت مراقبة الاحتلال. وهذا ما أفضى إلى انقسام سياسي حاد مع فصائل المقاومة، وخصوصًا حماس، وشعور عام بـ"الخيانة" كما يظهر في التعليقات على منشورات تلخص أوسلو بأنه "التنازل الأكبر". السكوت على الاعتداءات اليومية للمستوطنين والاجتياحات العسكرية للمناطق (أ) هو القشة التي تقصم ظهر بقية الشرعية.
استراتيجية إسرائيل: إدارة الصراع بدلاً من حله
في ضوء ما سبق، يتضح أن التعامل الإسرائيلي مع أوسلو لم يكن خطأً تكتيكيًا، بل جزءًا من رؤية استراتيجية واضحة:
1. تحويل الصراع من قضية تحرير وطني إلى قضية إدارة أمنية: بوجود "شريك" فلسطيني يتحمل مسؤولية الأمن الداخلي، تمكنت إسرائيل من تصدير التكاليف البشرية والسياسية المباشرة للاحتلال، والاحتفاظ بيد حرة للقيام بعمليات عسكرية متى شاءت تحت ذريعة "ملاحقة الإرهابيين".
2. شرعنة الاستيطان من خلال المفاوضات اللامتناهية: استُخدمت عملية التفاوض الدائمة والمعلقة كغطاء زمني لخلق "وقائع على الأرض" يصعب تغييرها. فالمفاوضات المستمرة تمنح الغطاء الدولي، بينما تستميت آلات البناء الاستيطاني في تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، مما يجعل إقامة دولة قابلة للحياة مستحيلة عمليًا.
3. تفكيك الوحدة الوطنية الفلسطينية: عززت ترتيبات أوسلو الانقسام بين الضفة وغزة، وبين قيادة في رام الله ملتزمة بالمسار التفاوضي وفصائل أخرى ترفضه. هذا الانقسام يخدم المصالح الإسرائيلية المباشرة بتطبيق استراتيجية "فرّق تسد"، ومنع قيام جبهة فلسطينية موحدة.
الخلاصة: الحلقة الأضعف في دائرة الإخضاع الإقليمي
تُكمل مأساة السلطة الفلسطينية الصورة الأوسع: فهي الضلع الأضعف في استراتيجية إسرائيلية إقليمية تسعى لتحقيق "سلام القلعة الحصينة". فكما تهدف إلى إبقاء لبنان ضعيفًا من خلال نزع سلاح حزب الله، وسوريا مشلولة، والأردن رهن الإرادة المائية الإسرائيلية، فإنها تسعى لإبقاء الشعب الفلسطيني مُقسمًا بين سلطة تحكمه دون أن تملك السيادة، ومقاومة محاصَرة في غزة.
نزع السلاح – المادي والسياسي – هو الهدف النهائي. في لبنان وغزة، يُطالب بنزع سلاح المقاومة العسكري. أما في الضفة الغربية، فقد تم – عبر أوسلو وآلياته اللاحقة – نزع سلاح السلطة السياسي تدريجيًا، وتحويلها إلى كيان إداري يكرس الاحتلال تحت شعارات السلام. وبذلك، تصبح المطالبة بنزع سلاح حزب الله وحماس امتدادًا طبيعيًا لنفس الفلسفة: تحرير إسرائيل من أي تهديد، مع تحميل الخصوم أو "الشركاء" تبعات إدارة الصراع وقمع شعوبهم، حتى في غياب أي أفق حقيقي للحرية أو السيادة.
إذا كنت ترغب في مناقشة تأثير هذه الديناميكية على المشهد الفلسطيني الداخلي الحالي، أو الروابط بين هذا الملف وأوضاع غزة في ظل "خطة ترامب" المذكورة في بعض التحليلات، يمكنني الاستزادة في تحليل ذلك.
عندما تصبح المواجهة خياراً لا اختياراً
التاريخ يعلمنا درساً: الإمبراطوريات تسقط عندما تفقد شرعية وجودها. المشروع الإسرائيلي لإعادة هندسة الجوار يعتمد على ثلاثة أركان: القوة العسكرية، الغطاء الأمريكي، والانقسام العربي. لكسر هذه الأركان، نحتاج إلى استراتيجية متكاملة.
المواجهة استراتيجية الهندسة الجيوسياسية في ظل التفكك الإقليمي
فهم طبيعة التحدي: المشروع الإسرائيلي الشامل
تستند الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية إلى رؤية جيوسياسية مترابطة تتجاوز الأمن التقليدي إلى إعادة هندسة البيئة الإقليمية بالكامل. هذه ليست مجرد ردود أفعال على تهديدات آنية، بل مشروع هيمنة استراتيجي يقوم على ثلاثة أركان:
1. تفكيك المقاومة: عبر نزع السلاح من الفصائل المسلحة في لبنان وغزة، ليس كهدف أمني فحسب، بل كخطوة في تفكيك أي قدرة على التحدي.
2. إضعاف الدول المجاورة: عبر استغلال ضعف سوريا وتحويل لبنان إلى دولة مثخنة بالجراح، وتقييد سيادة الأردن عبر أدوات مثل الماء والاتفاقيات الاقتصادية.
3. خلق وقائع لا رجعة عنها: عبر الاستيطان الممنهج في الضفة الغربية، والسيطرة على القدس، وفرض تقسيمات جغرافية جديدة تجعل حل الدولتين مستحيلاً عملياً.
الهدف النهائي ليس السلام بالمعنى التقليدي، بل تحقيق "سلام القلعة المحصنة" حيث تتمتع إسرائيل بأمان مطلق من خلال هيمنة شاملة، بينما تتحمل الشعوب العربية والدول المجاورة تكاليف هذا "السلام" عبر فقدان السيادة والموارد والكرامة.
الواقع المرير: التحديات الهيكلية التي تواجه المواجهة
أمام هذا المشروع، نواجه واقعاً قاسياً يشكل تحدياً وجودياً للمشاريع المضادة:
• التفكك الداخلي: انقسام فلسطيني حاد، دولة لبنانية منهكة، سوريا مشتتة، وأردن تحت ضغوط اقتصادية وديموغرافية هائلة.
• الانقسام العربي: تحولات في أولويات دول الخليج نحو المصالح الاقتصادية والبقاء السياسي، وضعف الموقف الموحد تجاه القضية الفلسطينية.
• الهيمنة الأمريكية: الدعم غير المحدود لإسرائيل في المحافل الدولية، وتحويل المنطقة إلى ساحة نفوذ أمريكي حصري.
• الاستنزاف الشعبي: فقر مدقع، بطالة مرتفعة، وفقدان الثقة في الأنظمة والمؤسسات، مما يثبط القدرة على المقاومة المنظمة.
هذا الواقع لا يجعل المواجهة مستحيلة، لكنه يتطلب استراتيجية مغايرة لا تعتمد على الوحدة الكاملة أو الدعم العربي الرسمي الموحد، بل على استغلال الثغرات في المشروع الإسرائيلي وتحويل نقاط الضعف إلى فرص.
الحلول العملية: استراتيجية المواجهة في عصر التفكك
1. مستوى الصمود المجتمعي: تحويل الضعف إلى قوة
• اقتصادات المقاومة المحلية: بناء شبكات اقتصادية مغلقة في المناطق المهددة (مخيمات اللاجئين، القرى الحدودية في لبنان، الضفة الغربية) تعتمد على الزراعة والصناعات الصغيرة، وتقلل الاعتماد على إسرائيل والمؤسسات الدولية.
• منظومة الحماية المدنية: تأسيس شبكات حماية مجتمعية في لبنان وفلسطين لتوثيق الانتهاكات وتقديم المساعدة الإنسانية السريعة، مما يقلل من كلفة الاحتلال ويحافظ على النسيج الاجتماعي.
• التعليم البديل: تطوير برامج تعليمية مستقلة في المناطق المهددة تحافظ على الهوية الوطنية وتزرع ثقافة المقاومة السلمية والقانونية.
2. مستوى التكتيكات الذكية: استغلال الثغرات في المشروع الإسرائيلي
• تحويل أدوات الهيمنة إلى نقاط ضعف:
o استخدام الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين (142 دولة) كأداة ضغط عملي عبر تقديم شكاوى جماعية ضد الاستيطان في المحاكم الدولية.
o تحويل ملف المياه في الأردن إلى قضية حقوق إنسان عالمية، لا مجرد خلاف ثنائي.
o ربط أي تطبيع عربي-إسرائيلي بخطوات ملموسة نحو إنهاء الاحتلال.
• استغلال التناقضات الداخلية الإسرائيلية:
o التركيز على الخلافات داخل المجتمع الإسرائيلي بين اليمين المتطرف والوسط الليبرالي بشأن مستقبل الدولة.
o استغلال التناقض بين النموذج السعودي (الاستقرار المؤسسي) والنموذج الإسرائيلي (القوة العسكرية السريعة) لإنشاء مساحات للمناورة.
3. مستوى التحالفات غير التقليدية: بناء قوة من الهوامش
• تحالفات الشعوب: بناء شبكات تضامن شعبي بين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والأردنيين حول قضايا محددة (مقاومة التهجير، دعم غزة، حماية القدس) بعيداً عن الأنظمة الرسمية.
• التحالف مع الحركات العالمية: ربط النضال الفلسطيني والعربي بحركات العدالة الاجتماعية العالمية (مناخ، مساواة، حقوق إنسان) لخلق ضغط دولي حقيقي.
• الشراكة مع القوى الصاعدة: استغلال المنافسة الدولية (الصين، روسيا، الهند) لإنشاء مسارات دبلوماسية وتوازنات جديدة تخفف من الهيمنة الأمريكية.
4. مستوى استراتيجية طويلة الأمد: إعادة تعريف الصراع
• التحول من صراع حدود إلى صراع حقوق: إعادة تعريف الصراع من مجرد نزاع على الأرض إلى نضال من أجل المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، مما يوسع قاعدة الدعم العالمي.
• استراتيجية "الدولة الديمقراطية الواحدة": كخيار استراتيجي طويل الأمد، لا كشعار عاطفي، مع بناء مؤسسات تمثل جميع سكان فلسطين التاريخية.
• مشروع إعادة البناء الإقليمي: رؤية لمستقبل المنطقة بعد سقوط مشروع الهيمنة الإسرائيلي، تعتمد على التكامل الاقتصادي والثقافي والحضاري بين شعوب المنطقة.
الخلاصة النهائية: الصمود كاستراتيجية وجودية
التحدي الذي نواجهه ليس عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل وجودي حضاري. مشروع الهيمنة الإسرائيلي يعتمد على استنزاف الشعوب العربية وإضعافها حتى تقبل بالواقع الجديد كأمر واقع. المواجهة الحقيقية ليست في المعارك الكبرى، بل في الصمود اليومي والحفاظ على الهوية والكرامة في ظل الهجمة الشاملة.
الحلول المطروحة ليست مثالية، ولا تفترض وحدة عربية كاملة أو دعماً دولياً واسعاً، لأننا ندرك أننا نبدأ من قاع التفكك. لكنها تقدم خارطة طريق عملية يمكن للشعوب والمجتمعات المقاومة اتباعها، حتى في ظل الأنظمة الضعيفة والانقسامات الداخلية.
المفتاح هو فهم أن القوة الحقيقية ليست في الجيوش أو الترسانات، بل في إرادة الشعوب وقدرتها على الصمود والمقاومة اليومية. غزة علمتنا أن حتى في أشد الظروف قسوة، تبقى إرادة الحرية أقوى من كل أسلحة الهيمنة. الموجة التي بدأت بغزة يمكن أن تتحول إلى مد إقليمي إذا تم تنظيمها وتحويلها إلى استراتيجية واضحة، لا مجرد رد فعل عاطفي.
النصر الحقيقي ليس في هزيمة الخصم، بل في البقاء والتحول. البقاء كشعوب تحافظ على هويتها وتاريخها، والتحول إلى قوى قادرة على إعادة بناء المنطقة على أساس العدالة والكرامة الإنسانية. هذا هو الطريق الوحيد لمواجهة مشروع الهندسة الجيوسياسية، وهو طريق صعب لكنه ليس مستحيلاً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


