مقدمة في السياسة المؤثرة على التعليم في القدس

كتبت د. ايناس عباد العيسى : تعتبر العوامل السياسية من أكثر العوامل تأثيراً في المجتمع الفلسطيني والمقدسي بشكل خاص؛ ولعل سياسة التهويد والعنصرية والأسرلة من أبرز ملامح العوامل السياسية في المجتمع الفلسطيني خاصة في القدس، فمع تولي السلطة الوطنية الفلسطينية مقاليد إدارة المجتمع الفلسطيني؛ وتشكيل مؤسساتها كنتاج لعملية السلام التي انطلقت من مؤتمر مدريد في أكتوبر عام (1991م)، واتفاق "إعلان المبادئ الفلسطيني-الإسرائيلي" حول ترتيبات الحكم الذاتي المؤقت، تم تشكيل عدد من الوزارات، منها وزارة التربية والتعليم في أغسطس (1994م) بعد توقيع اتفاقية غزة- أريحا أولاً؛ والتي بموجبها انسحاب إسرائيل من المدن الرئيسة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأُنيطت صلاحيات التعليم العالي لوزارة التربية والتعليم، وفي التعديل الوزاري عام (2002م) تم إعادة دمج الوزارتين تحت مسمى وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بحيث تشرف على التعليم قبل الجامعي والعالي( ).
وقد أوردت وزارة التربية والتعليم الفلسطيني أن كل ما يتعلق بالتعليم الفلسطيني مرهون بالموافقة أو الرفض الإسرائيلي، في محاولات مستمرة للتضييق على الفلسطينيين في مدينة القدس( )؛ حيث تتعرض القدس إلى هجمة إسرائيلية تعتبر الأقسى تاريخياً، حيث استغلت إسرائيل انشغال العالم والوطن العربي بما يسمى ثورات الربيع العربي، لتقوم بإستراتيجية استيطانية واسعة النطاق هدفها تهجير أكبر عدد من الفلسطينيين وبناء وتوسع للمستوطنات، حيث بلغ عدد المستوطنات في القدس (16) مستوطنة، بالإضافة إلى مئات الوحدات السكنية والبيوت التي تعود ملكيتها لعائلات مقدسية تم طردهم منها وتهجيرهم والاستيلاء على مساكنهم؛ ومن تفاصيل المشهد العام في هذا السياق هدم (29) منزلاً من أصل (88) منزلاً تعود ملكيتها لفلسطينيين في حي البستان بالقدس بحجة البناء غير المرخص، حيث تسعى السلطات الإسرائيلية لإقامة حديقة توراتية في المكان؛ الأمر الذي عرض الأطفال لعدد من الأحداث الصادمة المتمثلة في القتل والمجازر والنزوح والمداهمات الليلية وحظر التجوال والحرمان من الاحتياجات الأساسية الذي أثر بشكل كبير على حياتهم اليومية، وكان سبباً رئيساً لتراجع جودة الحياة في كل المناحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية.
أضف إلى ذلك عدم وجود رؤية تعليمية واضحة تبرز الاهتمامات وتعكس الاحتياجات، حتى من قبل المسئولين؛ قد ينعكس سلباً على إمكانية تحقيق مخرجات تعليمية وتربوية على درجة من الكفاءة، كذلك عدم وجود ارتباط بين عناصر المنظومة التعليمية من مدخلات وعمليات ومخرجات في المدارس التابعة لوزارة التعليم العالي الفلسطينية؛ بالإضافة إلى تنامي أعداد المدارس التابعة لوزارة المعارف الإسرائيلية ومدارس بلدية القدس منذ عام (2003م) على حساب المدارس الأُخرى، سواء الخاصة أو المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية أو المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، مما دفع بالتعليم في القدس نحو الرؤية التي تريدها وزارة المعارف الإسرائيلية للطالب الفلسطيني؛ كما أن تعدد المرجعية والتبعية السياسية للمدارس في مدينة القدس، أحدث فراغاً حقيقياً على المستوى التعليمي، حيث يمثل غياب مجلس تعليمي خاص بالقدس يشكل إدارة تربوية وإطاراً وملتقي لجميع المدارس في المدينة، الأمر الذي أدى إلى تشتت القيادات المدرسية والمعلمين وبالتالي الطلاب، وأدى لعدم مقدرتهم على التواصل الجيد والمثمر لتحقيق الأهداف؛ علاوة على القيود التي تتعلق بآلية تعيين المشرفين والمديرين والمعلمين التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية وتسيطر عليها سيطرة تامة.
كما أشارت دراسة في جامعة بار إيلان (Bar-Ilan) الإسرائيلية حول القيادات المدرسية للمديرين في المدارس في وزارة المعارف الإسرائيلية، إلى عدم وجود دور فاعل للمشرفين التربويين في العملية التعليمية وتم الإشارة إليهم بلاعبين بدون أدوار؛ فيما تم الإشارة بأن الجهات الفلسطينية تتحمل قسطاً من المسؤولية، إذ يوجد تهميش وعدم اهتمام بالتعليم في مدينة القدس؛ وقد يصل هذا الأمر إلى تهميش القدس من قبل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وذلك من خلال استراتيجية العمل في القدس على المستوى التعليمي؛ حيث وجد أن الخطة التطويرية للعام (2008-2012) تحوي أقل من صفحة تخص التعليم في القدس من أصل وثيقة مكونة من (156) صفحة؛ واعتبرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية مقصرة في مجال التعليم في القدس ودعم صمودها، وقد يرجع السبب إلى غياب استراتيجية واضحة تسير عليها السلطة محلياً وعربياً وعالمياً.
وعلى رغم الفجوات الكثيرة في جهاز التربية والتعليم الفلسطيني في القدس، فإن الوزارة لا تولي هذا الموضوع الاهتمام اللازم، رغم أنها تشرف على التعليم بشكل منفرد ولا تتيح مجالاً لهيئات أُخرى أو مؤسسات من مشاركتها باعتبارها مسؤولية قومية، فهي تنتهج الإدارة المركزية التقليدية غالباً في إدارتها للتعليم، والتي تتصف بالجمود وتركيز الصلاحيات بشأن كثير من الأُمور.
كما نجد غياب المسؤولية القومية في ظل الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني، حيث أشار المؤتمر السادس حول التعليم في القدس إلى أن التناحر الفلسطيني والانقسام في توجهات الشعب الفلسطيني سبب ضياع حقوق القدس وزاد من المؤامرات التي تحاك ضد أهلها ومقدساتها.
وعندما أصدرت وزارة المعارف الإسرائيلية قراراً بتوزيع الكتب تحت إشرافها لم تظهر السلطة الوطنية الفلسطينية أي رد يتسم بالتخطيط للمواجهة بل اكتفت بردود فعل ارتجالية وعفوية، وبالمجمل لم يكن هناك أي خطط أو برامج لمواجهة المساعي الإسرائيلية للهيمنة على المناهج ، رغم أن الوزارة ركزت في الوثائق والمستندات على نوعية التعليم وكان شعار الخطة الخمسية التطويرية الإستراتيجية (2008-2012) "نحو نوعية التعليم من أجل التطوير".
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


