روبرت فيسك يتساءل
بعد مجزرة غزة.. الى متى سنتظاهر بأن الفلسطينيين ليسوا بشراً ؟

ترجمة خاصة- وطن للأنباء- كتب روبرت فيسك: هل تذكرون كيف انه تم إلقاء اللوم على الفلسطينيين في نزوحهم قبل (70) عاما، فقط لأنهم صدقوا محطات الإذاعة، واتبعوا التعليمات التي دعتهم الى مغادرة منازلهم، وان لا يعودوا الا بعد "طرد اليهود الموجودين في إسرائيل، ودحرهم نحو البحر". والادهى من ذلك، ان كل الكلام كان عبارة عن اشاعات، حيث لم تكن هناك ابدا محطات إذاعية.
هذه وحشية، وهذا مخيف، وذاك شرير. هذه اقل الكلمات التي يمكن من خلالها وصف اليوم الأسود الذي استشهد فيه (65) فلسطينيا، وأصيب فيه أكثر من (2400) جريح، أصيب أكثر من نصفهم بالنيران الحية. كل هذه الأرقام سجلت في يوم واحد، وهي مثيرة جدا للقلق. ولا تعبر باي حال عن الاخلاق، بل تعبر عن عار كبير يوصم به أي جيش يخلف كل هذه الإصابات في يوم واحد.
لا يمكن ان نصدق ان جيش الاحتلال يملك مبدأ "طهارة السلاح"، كما يدعي الإسرائيليون، بعد كل ما فعله في غزة. وعلينا في هذا السياق ان نطرح سؤالا آخر: اما وقد استشهد (65) فلسطينيا في يوم واحد مؤخر، ماذا سيكون عليه الحال لو استشهد (650) فلسطينيا في الأسبوع المقبل؟ أو (6500) فلسطيني الشهر المقبل؟
إن الذرائع المقيتة والمتكررة لدولة الاحتلال، والتجاوب الأمريكي الفج معها في كل الحالات، تطرح السؤال الكبير التالي: إذا استطعنا الآن قبول مجزرة بهذا الحجم، فإلى أي مدى يمكن لضميرنا أن يذهب خلال الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة؟
نعم، نحن نعرف كل الأعذار التي تطلقها إسرائيل. مثل: "حماس لا تعتني الا بنفسها وبقادتها وبأعضائها، ولا تولي اية أهمية للفلسطينيين في غزة، وحماس كانت وراء مظاهرات غزة". ونعرف ان إسرائيل تقول: "ان بعض المتظاهرين لجأوا الى العنف، فقد أرسلوا الطائرات الورقية المحترقة عبر الحدود، وتسببت بحرائق، كما قام اخرون برشق الحجارة. غير اننا نعرف أيضا انه تم الإعلان مسبقا عن ان المظاهرات سلمية.
ورغم ذلك، واقوال إسرائيل، منذ متى كان رمي الحجارة جريمة تؤدي الى القتل؟ هل يوجد بلد يعتبر نفسه متحضرا يمكن ان يصل الى هذا الحد؟ لماذا مات رضيع عمره (8) أشهر بعد استنشاق الغاز المسيل للدموع؟ ولماذا أطلق جنود الاحتلال الغاز المسيل للدموع، وهم يعرفون ان الفلسطينيين أعلنوا انهم سيشاركون في المظاهرات على شكل عائلات، رجال ونساء وأطفال ورضع وشيوخ، على حدود غزة؟
قد يسال الإسرائيليون، لماذا نشكو من قتل الفلسطينيين في غزة، بينما لدينا عبد الفتاح السيسي في مصر، وبشار الأسد في سوريا، والسعوديين في اليمن؟
سيسال الإسرائيليون ذلك، وسيقولون غير ذلك. فبنظر الإسرائيليين، يجب أن يكون الفلسطينيون مذنبون دائما.
الضحايا هم أنفسهم الجناة:
هذا هو بالضبط ما اضطر الفلسطينيون إلى تحمله طيلة (70) عاما.
هل تذكرون كيف انه تم إلقاء اللوم على الفلسطينيين في نزوحهم قبل (70) عاما، فقط لأنهم صدقوا محطات الإذاعة، واتبعوا التعليمات التي دعتهم الى مغادرة منازلهم، وان لا يعودوا الا بعد "طرد اليهود الموجودين في إسرائيل، ودحرهم نحو البحر". والادهى من ذلك، ان كل الكلام كان عبارة عن اشاعات، حيث لم تكن هناك ابدا محطات إذاعية.
لا يزال يتعين علينا أن نفند اقوال "المؤرخين الإسرائيليين الجدد"، حيث عكفوا على إثبات هذه الخرافة، لإلقاء اللوم على الفلسطينيين في نزوحهم. فالبرامج الإذاعية كانت خرافة، ولم يكن هناك اذاعات تعمل اصلا، حتى يستمع اليها الفلسطينيون. إذا، لم يهرب الفلسطينيون بأنفسهم. والاستنتاج هو انهم دفعوا الفلسطينيين الى النزوح عبر القتل، والخطف، والطرد تحت فوهة البنادق.
والامر من المجزرة نفسها هي الطريقة التي تناولت بها بعض وسائل الإعلام ما حدث في غزة. فقناة "سي أن أن" وصفت عمليات القتل الإسرائيلية بأنها "قمع" فقط. ولا شك بان هذا هو أحد أساليب التغطية التي تتبعها هذه القناة منذ القدم.
وفي هذا السياق، تتعامل العديد من وسائل الإعلام باستخفاف في استعمال اللغة والمصطلحات والاشارات عند التطرق الى مأساة الفلسطينيين. فهي تستخدم كلمة "نزوحهم"، كما لو كانوا في عطلة عند حدوث النكبة، وليس انه تم طردهم بقوة السلاح كما هو معروف. وما تزال بعض وسائل الاعلام الأخرى تستخدم جملة نزحوا عن "منازلهم"، لإشعار القارئ الأجنبي ان البيوت ما تزال بيد الفلسطينيين. يجب الإقلاع عن ذلك لأنه تم "نزع ملكية" الفلسطينيين بشكل كامل عن منازلهم.
ورغم ما حدث للفلسطينيين كل تلك السنوات، وما زال يحدث الى اليوم، تاتي مجاملات مجاني لإسرائيل لتجعل المشهد أكثر سوءا. فمثلا، جاريد كوشنر، صهر دونالد ترمب، يؤيد المستعمرات البائسة وغير الشرعية، رغم انها مبنية على أراض عربية ومصادرة من العرب الذين يمتلكون الأرض ويعيشون عليها لأجيال.
وهكذا الى ان وصلنا إلى معظم الأحداث المشؤومة والمأساوية التي حدثت في غضون (10) أيام: حمام الدم في غزة، وافتتاح السفارة الأمريكية الجديدة في القدس، بعد نقلها من تل ابيب.
وفي خطابه في افتتاح السفارة، قال رئيس وزراء إسرائيل، نتنياهو، "إنه يوم عظيم للسلام". هكذا قال.
وعندما سمعت ذلك، تساءلت ان كانت قدراتي السمعية تعاني عيوبا ما. وتساءلت، هل قال نتنياهو هذه الكلمات بالفعل؟
للأسف، فعل وقالها.
غير ان مما يثير الاعجاب من أن نجد بعض المجلات والصحف، مثل صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية اليومية تحافظ الى حد ما على شعور قرائها، وعلى الشرف المهني. كما جاءت صحيفة "نيويورك تايمز" بأكثر التقارير رواجا، حيث التقطت ميشيل غولدبيرغ كل زاوية وصورة وشعور في غزة، وفي افتتاح السفارة في القدس. وقال "تايمز" ان هذا الأخير (أي السفارة) كان "بشعا". ووصفته على انه إنجاز للتحالف الساخر بين اليهود المتشددين من جهة، والانجيليين الصهاينة الذين يؤمنون بأن عودة اليهود إلى إسرائيل سوف تؤدي إلى نهاية العالم وعودة المسيح من جهة أخرى. وأشار مراسل "تايمز" الى ان روبرت جيفريس، أحد قساوسة دالاس، هو من رتل صلاة الافتتاح في حفل السفارة في القدس، في إشارة الى البعد الديني المقصود.
ومن غزة، أضاف مراسل "نيويورك تايمز": "أعتقد أنني على صواب عندما أقول إنه طالما ظل ترمب رئيسا، فسيكون بمقدور إسرائيل قتل الفلسطينيين، وهدم منازلهم، وسلب أراضيهم، والإفلات من العقاب بطريقة لا تصدقها هي نفسها".
ترجمة: ناصر العيسة، عن: "ذي إندبندنت"


