رحلات نتنياهو الخارجية: جَعجَعة بلا نتائج .. وعُزلة دولية

ترجمة خاصة- وطن للأنباء: قال نتنياهو: "لم أقم بعد بزيارة أنتارتيكا- القارة القطبية الجنوبية-ولكنني سمعت أن طيور البطريق هي أيضا من مؤيدي إسرائيل المتحمسين".
جاء كلام نتنياهو هذا في سياق خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في شهر أيلول الماضي، عندما قال خلاله أيضا إنه زار (6) قارات خلال العام الأخير. ولا ينفك رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عن الادّعاء والتفاخر بأن إسرائيل تتمتع بازدهار دبلوماسي غير مسبوق، وأنها محلّ إعجاب وتقدير في جميع أنحاء العالم. وقد زار نتنياهو الكثير من الدول في السنوات الأخيرة. ولكن دراسة بسيطة لأنماط تصويت تلك الدول في الأمم المتحدة تشير إلى أنّ الصورة لم تتغير حقا بفعل تلك الزيارات. وقد حدث ما حدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا، على الرغم من أن مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، نيكي هالي، أجرت اتصالات وضغوط كبيرة، إلى جانب السفير الإسرائيلي لدى هناك، في محاولة لمنع الهزيمة التي حدثت في التصويت ضد اعتراف الرئيس الأميركي ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.
فبعد التصويت في مجلس الأمن، حيث صوّت (14) عضوا في المجلس ضد إسرائيل، واضطرت الولايات المتحدة إلى الاعتراض على القرار باستخدام ال "فيتو"، تبيّن حجم ومدى العزلة التي تعانيها إسرائيل. ومن هناك، وبسبب ال "فيتو"، اتجه الفلسطينيون إلى الجمعية العامة، فوجدت إسرائيل نفسها في عزلة دبلوماسية مرة أخرى، وكانت أكبر هذه المرة.
يشير الواقع إلى أن نتنياهو سافر إلى جميع أنحاء العالم خلال العام الأخير. وتشمل الدول التي زارها: أستراليا والصين والأرجنتين وكولومبيا والمكسيك وأفريقيا (ثلاث مرات) وأوروبا الشرقية، وغيرها. ويقول أعضاء في المعارضة أن نتانياهو يستخدم هذه الرحلات فقط للفرار من محقّقي الشرطة، إلا أن رئيس الوزراء يصر على أن هذه الزيارات بمثابة مهمات دبلوماسية هامة، تهدف إلى إقامة تحالفات استراتيجية، وعلاقات اقتصادية تعزز الاقتصاد الاسرائيلي.
ومنذ تشكيل الحكومة الحالية، انطلق نتنياهو في (30) رحلة إلى الخارج، وقام بزيارة (37) دولة (بما فيها زيارات متكررة إلى نفس الدولة). وفي العام الأخير، ومن من أصل (365) يوما في العام، كان نتنياهو خارج البلاد لمدة (103) أيام. وبعد (8) سنوات من توليه مهام منصبه، يحق لنا أن نسأل عما إذا كانت هناك أية قيمة دبلوماسية لجميع رحلاته، وهل انعكست على التصويت في الأمم المتحدة؟ وهل قدّمت شيئاً في سبيل تحسين موقف إسرائيل الدبلوماسي؟
قام "معهد إسرائيل للسياسات الخارجية الإقليمية-ميتفيم" بدراسة أنماط التصويت ل (35) دولة، خلال (16) عملية تصويت تعلّقت مواضيعها بإسرائيل، وتمت في (4) مؤسسات مختلفة تابعة للأمم المتحدة، هي: مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة-يونسكو، ومجلس حقوق الإنسان. طُبّقت الدراسة على الفترة (2009-2017)، أي خلال فترة حكم نتنياهو. وقامت منهجيّة الدراسة على اختيار تلك الدول التي زارها رئيس الوزراء خلال تلك السنوات، في محاولة للبحث فيما إذا كانت جهود نتنياهو الرّامية إلى تدعيم العلاقات الثنائية مع إسرائيل قد أدّت إلى إنتاج تغيير فعلي في أنماط تصويت تلك الدول في المنتدى العالمي الرئيسي، أي الأمم المتحدة وهيئاتها.
قاد الدراسة باحثان متخصصان هما، بروفيسور روي كيبريك، وبروفيسور نمرود غورين. وخلُص الباحثان في نتائجهما إلى أنه، وفي التصويتات الهامة التي تناولت القضية الفلسطينية، فإن إسرائيل ما تزال تجد نفسها في عزلة حادّة. فمن بين (193) دولة عضو في الأمم المتحدة، يتبين أن الداعمين لإسرائيل في المقام الأول هم فقط: الولايات المتحدة، وكندا، وبعض الجُزُر المعزولة.
وقال كيبريك وغورين: "لم تتغير هذه الصورة خلال السنوات ال (8) الماضية. ودراستنا لم تهدف إلى قياس الجهد الذي تبذله إسرائيل من أجل التأثير على الأصوات في المحافل الدولية، ولم تهدف إلى قياس العمليات الدبلوماسية التي تجري خلف الكواليس، كما أنها لم تهدف إلى قياس الجهود الرّامية لتعزيز العلاقات الثنائية بين إسرائيل ودول العالم. بل تَلَخّصَ الهدف الرئيس للدارسة في: قياس إن كانت كل هذه الأنواع من الجهود-إن كانت تجري بالفعل-تنعكس بالملخص في نتائج تصويت لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة، وفي قضايا ذات علاقة مباشرة بإسرائيل".
وقال كيبريك إن نتنياهو أشار مؤخرا، خلال اجتماع للجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست، إلى أن التغيرات في مواقف الدول تجاه إسرائيل قد يستغرق بضع سنوات أخرى. ويعلق كيبريك: "لكن، وفي ضوء ما نراه على أرض الواقع، فإنه ودون إحراز أي تقدم في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، فإن الفرصة لتحقيق انفراج حقيقي في مواقف الدول تجاه إسرائيل تبقى متدنّية، مما يؤشر على أن هذه العملية تُعتبر أمرا حاسما في تصوّر الدول عن إسرائيل".
من جانبه، يقول البحاث الشريك غورين: "لا شك إن سياسة إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية لها أثر سلبي على وضع إسرائيل في العالم. وتظهر التجارب السابقة أن النهضة الدبلوماسية، التي يأملها رئيس الوزراء بعد هذه الاخفاقات، لا يمكن أن تتأتى إلا عندما تُظهر إسرائيل التزاما حقيقيا بالنهوض بالسلام، وعندما تتخذ خطوات عملية في هذا الاتجاه".
ويضيف: "فالصين وروسيا، على سبيل المثال لا الحصر، واصلتا التصويت بشكل تلقائي مع الفلسطينيين وضد إسرائيل. هذا على الرغم من أن نتنياهو زار كلا الدولتين في العام الماضي، أي خلال وقت قريب. الأدهى من ذلك، أن رئيس الوزراء زار روسيا (5) مرات في العامين والنصف الماضيين، أي بمعدل مرّة كل (6) أشهر، وأيضا دون نتيجة".
أما بالنسبة إلى الهند، فقد كانت تصوّت تلقائيا ضد إسرائيل. إلا أنها غيّرت نمط تصويتها مؤخرا في قرارات اليونسكو بشأن القدس، وانتقلت إلى الامتناع عن التصويت. ومن المتوقع أن يزور نتانياهو الهند للمرة الأولى الشهر المقبل، بيد أن رئيس الوزراء الهندي، نارِندرا مودي، سبق له أن زار إسرائيل هذا العام. غير أن الهند واصلت التصويت ضد إسرائيل في التصويتين الأخيرين في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول القدس ومرتفعات الجولان.
أما الدول الإفريقية، فأغلبها موالٍ للقضية الفلسطينية، وتصوّت معها، على الرغم من أنها تلقت خلال العامين الماضيين، طلبات متكررة من نتانياهو لزيارتها.
وواصلت كل من الأرجنتين وكولومبيا التصويت مع الفلسطينيين أيضا، على الرغم من زيارة نتنياهو الأخيرة لأمريكا اللاتينية. يذكر أن المكسيك، التي استقبلت أول زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بالإضافة إلى زيارة فريق الإنقاذ الإسرائيلي عقب الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد، غيّرت نمط تصويتها في (10) عمليات تصويت مرتبطة بإسرائيل.
انتقلت باراغواي في موقفها من دعم الفلسطينيين إلى الامتناع عن التصويت، مما قد يكون مؤشرا على توثيق العلاقات بين البلدين. ولم يقم نتانياهو بزيارة باراغواي، إلا أنه التقى رئيسها، هوراشيو كارتيز، خلال زيارته إلى الأرجنتين. ويذكر أن ييشيل ليتر، الذي شغل منصب مدير مكتب نتنياهو عندما كان وزيرا للمالية، هو الان أحد كبار المستشارين للرئيس كارتيز.
أما "مجموعة فيسغراد"، التي تضم المجر وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا (زار نتانياهو الثلاث الأخيرة منها هذا العام)، فيمكن ملاحظة أنها تُعتبر تقليديا قريبة من الموقف الإسرائيلي، وغالبا ما تكون داعمة لإسرائيل. وفي العام 2009، أيّدت هذه الدول موقف إسرائيل وعارضت تقرير غولدستون حول العدوان على غزة الذي قامت به إسرائيل عام 2008. غير أن إسرائيل فشلت، ومنذ ذلك الحين، في حشد الدعم المطلق من هذه الدول. فمثلا، هي تمتنع عن التصويت في بعض الأحيان بدلا من تأييد الموقف الفلسطيني بشكل تام. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن تلك الدول تقوم بدور هام جدا فيما يتعلق بإسرائيل في الاتحاد الأوروبي. فهي تمنع القرارات المناهضة لإسرائيل، والتي كان من الممكن اعتمادها لولا تعاون هذه الدول مع إسرائيل، ووقوفها ضد هذه القرارات، وفق الكاتب.
أما التحالف الإسرائيلي في حوض شرق المتوسط، ويضم قبرص واليونان وإيطاليا إلى جانب إسرائيل، فإن أصواتها تذهب دائما في صالح القضية الفلسطينية، على الرغم من علاقات أعضائه الوثيقة مع إسرائيل، علما أن نتانياهو زار الدول الثلاث هذا العام.
وقد تم تسجيل تغيّر إيجابي في سلسلة التصويتات التي أجراها المجلس التنفيذي لليونسكو خلال عامي 2016 و2017 حول الاقتراح الذي يدين إسرائيل بشأن قضية القدس، ويعارض سياساتها في المدينة. فقد كان هناك تراجع في عدد الدول التي تدعم الاقتراح، من (33) دولة في شهر نيسان 2016 إلى (22) دولة في شهر أيار 2017.
وفي تعقيبه على النتائج، قال المتحدث باسم خارجية الاحتلال، إيمانويل نحشون، أن السنوات القليلة الماضية شهدت تغيرات استراتيجية مواتية في مواقف الدول المختلفة تجاه إسرائيل. وعندما تنتقل دولة ما من التصويت ضد إسرائيل إلى الامتناع عن التصويت، فيعتبر ذلك أيضا إنجازا دبلوماسيا. وأضاف "يجب أن نتذكر أن إسرائيل لاعب مهم على الساحة الدولية، وكثير من الدول تدرك أنها تقترب منا من جميع النواحي، على حد زعم المتحدث".
ترجمة: ناصر العيسة، عن: موقع "واي نت" بالإنجليزية


