خالد البطراوي يكتب لـوطن: اليكم في بلاد الغربة

عدت عام 1984 الى أرض الوطن فلسطين بعد أن أنهيت دراستي الجامعية في الهندسة المدنية، عدت أيها الأحبة وأنا أعلم تمام العلم أنه سيزج بي في سجون نظام عربي وفي السجون الاسرائيلية ... لكنني ببساطة .. عدت ... وكانت زوجتي التي تدرس معي في ذات المدينة تدرك تمام الادراك أنني سأمضي سنوات في غياهب السجون العربية والاسرائيلية وأنني سأتعرض للتعذيب أيضا .. لكنها وافقت على الزواج مني. وعدت وحدث ما حدث .. ولست هنا بصدد استعراض بطولات وهمية لأننا ببساطة حتى تاريخه لم نحرر شبرا واحدا من أرض فلسطين.
يدرس ولدي الان في سنته الجامعية الأخيرة في بلاد العم سام ... وتناقشنا كثيرا زوجتي وأنا عما سيكون عليه شعورنا فيما لو قرر – والقرار يتخذه هو لوحده – المكوث في الغربة للعيش و/او العمل و/او استكمال تحصيله الجامعي.
بالمحصلة، أيها الأعزاء، أننا زوجتي وأنا وجدنا أنفسنا أمام حالة غريبة عجيبة، فنحن الذين كان لدينا كامل الاستعداد عام 1984 للعودة الى أرض الوطن وتلقي الصفعة تلو الأخرى من هذا النظام العربي أو تلك السلطة الاحتلالية وكان لدينا الاستعداد لأن نبقى منفصلين عن بعضنا البعض قسرا، نجد أنفسنا اليوم لا نقلق كثيرا فيما لو بقي ولدنا في المهجر، وينطبق ذات الأمر على الابنتين.
ما الذي تغير وغيّرنا نحن؟ لماذا لا نقول لابناءنا اصمدوا على أرض الوطن؟ لماذا نختزل أحلامنا لتقتصر في دائرة ضيقة هي الأسرة؟
كيف لنا نحن الجالسون في منازلنا بهدوء نسبي أن نقول لأهلنا في قطاع غزّة مثلا أن اصمدوا ونحن نراهم يقتلون يوما بعد يوم، وكيف لنا أن نقول لاهلنا في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها من بلاد الضاد أن يبقوا ونحن نرى قصف الطيران الحربي والقذائف والالغام لا ترحم كبيرا أو صغيرا، ذكرا أم أنثى؟ ما الذي يدعو عائلة عربية مثلا أن تركب قاربا مطاطيا وهي ترى الموت أمامها لتهاجر الى بلاد الغربة، فتقضي غرقا في عرض البحر؟ لماذا يهرب الأفراد من الموت الى الموت غرقا؟
لذلك أيها الأحبة غادرتم أنتم أوطانكم.... ربما غادر من هم أكبر منكم سنا وكبرتم أنتم في بلاد الغربة، لكنكم جميعا تحنون الى أوطانكم، بل وتحيون ذات الطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية كما في أوطانكم، وتستمعون الى الأغاني الشعبية وترددون دوما " لا شىء يعدل الوطن"، و" بلاد العرب أوطاني".
غربتكم لم تكن على الاطلاق بسبب رغبتكم في مغادرة أوطانكم، جاءت نتيجة لظرف ما، اما ظرف سياسي واقتتال أجبركم على الهجرة، أو لضيق مادي أو لغير ذلك.
ما هي رسالتي لكم؟
أولا، أحترمكم جميعا وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم وأعتبركم سفراء أوطانكم في بلاد الغربة فاعكسوا الصورة الحقيقية.
ثانيا:- لا تشعروا بالذنب لانكم غادرتم أوطانكم، ولا أحد يستطيع المزاودة عليكم، فاعملوا لأوطانكم بما يحاكي روح العصر، فلا تظهر عدالة قضية الا اذا حملها مناضلون يعرفون كيف يديرون دفة النضال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ثالثا:- انخرطوا في المجتمعات حيث تعيشون، لا تكونوا على هامش حياة المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصاية ولا بأس أبدا في أن يكون لديكم تجمعكم الخاص كجالية عربية لكن في سياق علاقة جدلية ما بين الجالية العربية في المهجر والمجتمع الذي تعيشون في وسطه، بما يتفق والتعاليم السماوية التي لا تفرق بين عربي وأعجمي الا بالتقوى، والتي تنشر ثقافة التسامح واحترام الآخر.
رابعا:- ابتعدوا عن تسييس الدين، واجعلوا علاقتكم مع الخالق عز وجل علاقة عبادة وليس علاقة خوف، والتزموا بالرسالة الدينية التي تقضي بتأدية الحقوق للعباد.
ومما لا شك فيه أن هناك الكثير الكثير من الأفكار تصب في اتجاه النهوض بالكيان العربي والاسلامي في الغربة، لكنني وبصراحة أريد أن أكسر قليلا قشرة ألفاظي عن لب فكرة رئيسية ألا وهي مواجهة الظلام والظلاميين.
أن يركب مهووس حافلة كبيرة ويسير بها مسرعا ليقتل أبرياء كما حصل في فرنسا قبل أشهر، أو أن يفتح أخر نيران رشاشه على أبرياء تحت مسمى الاسلام أو غير ذلك، فهذا هو الظلام بعينه. كما خرجتم من دياركم وأوطانكم بسبب أفعال كهذه بسبب تفجيرات تحصد المئات منكم في مناسبات دينية علينا وعليكم أن نعلن صراحة شجبنا للظلام وللظلاميين .. شجبنا الواضح والصريح للارهاب. أولم نردد خلف الشاعر أبو الأسود الدؤلي ما قاله
لا تنهى عن خلق وتأتي بمثله ..... عار عليك ان فعلت قليل
من غير المقبول أن يقول البعض منكم أنه مثلا على الأمريكان أو الفرنسيين أو البريطانيين أن يتجرعوا ما تجرعاناه نحن في أوطاننا من قتل وتدمير، غير مقبول أبدا، الديانة الاسلامية وباقي الديانات تحرم عليكم استهداف الأبرياء. غير مقبول مثلا أن نصفق لأي عمل ارهابي. لماذا يجب أن يوصف العرب في الغربة بالارهابيين؟
ان النبي محمد صلوات الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمسلم الحق هو الذي يؤمن بالله وملائتكه وكتبه ورسله، لذا علينا أن نتعايش مع الديانات الأخرى وننشر بيننا ثقافة التسامح الديني، ولا نميز أيضا بلون البشرة، وعلينا أن نحترم مكانة المرأة ونرتقي بها في جالياتنا لا أن نكرس النظرة الدونية لها ونجعلها تعيش في مجتمع ذكوري غاية في التخلف.
في صلاة الجمعة لا تسمحوا لخطيب لا يحفظ الا بعض أيات من القرآن أن يعتلي المنبر " ويسرح ويمرح" ويقدم فتاوى ليس لها أي سند ديني ولا تشدوا على أيدي من يريد أن ينشر الظلام ومن يحرض على التعصب بشتى أنواعه وأشكاله.
أما أبناؤنا في الغربة، فلا تجعلوهم بين ثقافتين محتلفتين، ثقافة الغربة وثقافة أوطانهم، لماذا لا يتم السعي للتمازج بين الثقافات وقبول الآخر، لماذا لا نطلق لأبناءنا العنان للابداع؟
نحن بحاجة أيها الأحبة الى أن نعكس الوجه الحقيقي للاسلام ليس أكثر ... الاسلام لا يحتاج الى من يدافع عنه فهو شاهر ناهر واضح وبيّن لأولي الألباب، الاسلام يحتاج الى تطبيق حقيقي، الدين هو قلب الانسان، والأحاديث هنا كثيرة.
شارك أسامة بن زيد في معركة ضد المشركين، فأدرك أحدهم وامسك به ورفع خنجره عاليا فقال هذا الأسير " لا إله إلا الله" فطعنه اسامه بن زيد، ولما بلغ ذلك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قال " أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟! " فأجابه أسامه " قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح" فرد صلوات الله عليه وسلم بالقول " أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" بمعنى أنك يا أسامه هل عرفت ان قال شهادة لا إله الا الله من داخل قلبه أم من لسانه؟
خلاصة القول أيها الأحبة، انطلقوا في المهجر فأنتم السند لنا جميعا والامتداد الطبيعي لانتشارنا في الأرض، أعكسوا الصورة الحقيقية عن العرب في الشجاعة والشهامة والكرم والتسامح والعطاء والتفاني والعفو عند المقدرة.
كما قلت أنفا ... أحترمكم وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



