نبيل عمرو يكتب لـوطن: ماجد أبو شرار

لا استطيع المرور مرور الكرام على ذكرى رحيل ماجد ابو شرار، صديقي ورفيق ايام الخطر في بيروت ، لا استطيع ذلك لأن الرجل لم يمر في حياتنا مر الكرام .
كان واحداً من القلائل في كل الشعوب، الذين يمزجون
باقتدار بين الثقافة والسياسة، فكان أن انتج مبكراً "الخبز المر" مشهراً انحيازه للفقراء ، ومحارباً بشراسة كل نهج يجعل الفقير أشد فقراً بفعل أن ذلك هو من يجعل من الغني أشد غنىً، وهو كذلك صاحب اللقطات البليغة والساخرة التي كان ينتظرها الناس كل مساءٍ على الصفحة الاخيرة في جريدة "فتح" ، كانت بمثابة
السوط الذي يجلد الخطأ ، والمجس الدقيق الذي ينبه الناس لمنشأ الظواهر المرضية القاتلة، حتى لو كانت مقترنة بأشرس المناضلين وأكثرهم عطاءً.
كان معلماً في بداية حياته وما يزال تلاميذه يقتاتون على ما أعطاه لهم ، وفرت له مهنة التعليم معايشة تفصيلية مع
المجتمعات من أقصى جنوب الاردن ، الى اقصى قرية في السعودية، كانت بوادر النبوغ القيادي تتجلى في لغته وسلوكه وادارته لعلاقاته مع من يحيطون به .
بعد سنوات طويلة من أهم مهنة في الحياة، انتقل الى الصحافة ، ومن سهر الليالي فيها وقلة النوم بفعل هدير
المطابع ، وعشق قراءة العدد الاول مع ساعات الصباح الاولى ، ظهرت موهبته ككاتب ومدقق في شتى الاتجاهات الابداعية ، كان اول الحاضرين الى مبنى الصحيفة وقاعة التحرير ، وآخر المغادرين بعد ان يطمئن على ان انتاج اليوم السابق صار في طريقه الى القرّاء .
ما ان نضج ماجد وابدع في المهنتين الحيويتين، حتى استدعيَ لنقل تجريته الى حيث يجب ان تنقل ، اي الى الثورة الفلسطينية التي كانت في طور التأسيس في منتصف الستينيات ، فأسس مع كوكبة من الشباب الموهوبين اعلام الثورة.
كان الابداع والتميز النوعي هو التعويض المتاح عن غياب الامكانيات المادية والتقنية ، ومن ينسى جريدة "فتح" في عمّان، وكيف كانت تتخاطفها الايدي لحظة صدورها.
كان ماجد واحداً من الذين انتجوها على ضوء الشموع ،
ومشيا على الاقدام حين يحتل الرصاص ليل المدينة.
وفي مرحلة دمشق - بيروت، أسس ماجد وسنده آنذاك ياسر عرفات، الاعلام الاقوى في حينه ..."الاعلام الموحد" كانت منابره مفتوحة لكل الملتزمين بالثورة دون التدقيق في فصائلهم ، كان عصراً ذهبياً مزج فيه ماجد الاعلام
مع التوجيه السياسي، الذي جعل من قوات الثورة الفلسطينية، مشروعاً سياسياً يحمل بنادق ويقاتل معارك عادلة.
لم يسبق لشاب فلسطيني ان اجتمعت تحت قيادته المباشرة ثلاث مؤسسات رئيسية في بنية فتح والثورة الفلسطينية ، الا ان ماجد جمع بجدارة،
امانة سر المجلس الثوري لحركة فتح ، ورئاسة الاعلام الموحد ، وقيادة جهاز التوجيه السياسي، كان وطنياً صُنّف في خانة اليسار إلّا أنه لم يتحفظ على هذا التصنيف بل قدّم تفسيراً راقياً لهُ حين قال: "إذا كان الاندماج بالثورة والوطن ورفع راية القرار المستقل هو سمة يسارية، فمرحباً بهذا التصنيف، اما اذا
كان يعني تبعية لدولة ما صغيرة كانت ام كبيرة فأنا منه براء".
في مثل هذا اليوم مزّقت قنبلة موقوتة جسد ماجد الشاب، في فندق فلورا الواقع في شارع النهاية بروما، غاب عن المشهد المستمر وسكن الذاكرة ، ومثل ماجد لا يمر في حياتنا
مهما قصرت او طالت مرور الكرام.
خلّد نفسه بفكره وجهده والتزامه وتميزه ، وخلّده صديقه محمود درويش الذي كان قريباً منه بقصيدته الخالدة...
صباحُ الخير يا ماجدْ
صباح الخيرْ
قُمِ اقرأَ سُورَةَ العائدْ
وحُثَّ السَيْرْ
إلى بلدٍ فقدناهُ
بحادث سير.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



