خالد بطراوي يكتب لـوطن: هذا المشمش .. مش من مشمشنا

في طفولتنا كان والدي يتحدانا أن نردد عشر مرات عبارة " هذا المشمش مش من مشمشنا" وكانت والدتي تضحك كثيرا وتقول عندما نعجز جربوا ترديد عبارة " خيط حرير ع حيط خليل" ليستفزنا أكثر خالي أبو هاشم – رحمهم الله جميعا – ويقول جربوا " طلعت الشمس المتمشمسة على عباد الله المتمشمسين".
ولأن الشمس لا بد أن تشرق يوما على عباد الله المتمشمسين خاضت حركات التحرر نضال الشعوب العربية واستطاعت بتضحياتها ودماء مناضليها أن تدحر الاستعمار القديم، فخرج الاستعمار من الباب ليدخل علينا مجددا من الشباك بما اصطلح على تسميته " الشرق الأوسط الجديد" وأولى محطاته " الربيع العربي".
لكننا عدنا مجددا لنؤكد أن الشمس لا بد أن تشرق على عباد الله المتمشمسين وأن ما يجري في العالم العربي من زرع " للمشمش" هو فعلا " مش من مشمشنا" سواء أكان ذلك بالارتماء في أحضان المشروع الامبريالي أو بالمساهمة الفاعلة في اشعال فتيل الصراعات المذهبية والدينية والعرقية بوضع "خيط الحرير" المغمس بالمتفجرات ليشكل فتيلا سريعا يفجر " حيط خليل" على رؤوس أصحاب البلاد.
ليس الظلام مشمشا " من مشمشنا" وليس اللهاث وراء أمريكا ومن لف لفها مشمشا من مشمشنا.
ان أردت أن تنتقل من قطاع غزّة الى الضفة الغربية بعد أن "تموت" كي تحصل على تصريح الاحتلال .. عليك أن تمر من حاجز اسمه "اربعة اربعة " تابع لحركة حماس ثم بعده حاجز آخر أسمه " خمسة خمسة " تابع لحركة فتح ... وهذا المشمش أيضا "مش من مشمشنا".
عندما يقتل فلسطينيا بالضرب المبرح تحت مسميات وتبريرات أيضا " هذا المشمش مش من مشمشنا".
عندما تظهر قوائم انتخابية جعلت من اسم المرأة عورة أيضا " هذا المشمش مش من مشمشنا".
عندما بعد حادث سير بغض النظر عن ظروفه يستل أحدهم آله حادة ليضرب بها من بداخل السيارة المقلوبة أيضا " هذا المشمش مش من مشمشنا".
عندما يخاطب قيادي أعضاء فصيله السياسي بالقول " بدكم تنتخبونا بالكندرة " أيضا " هذا المشمش مش من مشمشنا".
وعندما يصرح أحدهم ناعتا جزء مفصلي وهام من أبناء شعبنا بأنهم " جماعة الكريسماس " أيضا " هذا المشمش مش من مشمشنا".
ولأن مهد المسيح .. مدينة بيت لحم انتقلت " بقدرة قادر" على شواطىء البحر الأبيض المتوسط في المناهج التعليمية ... فهذه المشمشة الكبيرة أيضا " مش من مشمشنا".
وعندما ... وعندما .... وعندما ....
لكن الشمس أيها الأحبة ستشرق يوما " على عباد الله المتمشمسين" لآجل طفلة يحتجز جثمان والدها في ثلاجة الاحتلال وزوجة تنتظر زوجها الأسير في زنازين الاحتلال ولآجل حملة شعبية تقاوم الاستيطان وبضائع الاحتلال ولأجل زحف الناس الى القدس للصلاة في كنائسها ومساجدها ولأجل حملة لحرية التنقل بكرامة ومؤسسات تعليمية تخرج الكوادر.
ولأجل ... ولأجل .... ولأجل ....
لا أقول ذلك تنظيرا أو مزاودة بل ببساطة لأنه ليس لنا خيارات الا أن نواصل. ورغم أنني أختلف كثيرا مع بعض مقولات محمود درويش اذا ليس فقط على هذه الأرض ما يستحق الحياة، بل كل الحياة، ولم يعد أحد من الموت ليقل لنا ان كان فقط الأحياء وحدهم يتألمون، ولا يمكنني أن أمدح امرأة واحدة واطيح بكل النساء بالقول " كل النساء كلمات عابرة وانتي نص القصيدة" على الرغم من هذا الاختلاف وغيره الا أنني أتفق معه في قصيدته "عابرون في كلام عابر" وخصوصا عندما قال
ايها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسمائكم وانصرفوا
وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ، وأنصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء
ثم لاحقا في ذات القصيد أردف قائلا
فلنا في ارضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الاول
ولنا الحاضر، والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا... والاخرة
فاخرجوا من ارضنا
من برنا .. من بحرنا
من قمحنا .. من ملحنا .. من جرحنا
من كل شيء، واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



