عدنان رمضان يكتب لـ وطن:اسرائيل قوة عظمى ام مجتمع واهن

بعيدا عن التعليق على افكار مستقاة من بروتوكولات حكماء صهيون او من تحليلات مبنية على اعتقادات مقدسة حول ارتفاع وعلو مكانة اسرائيل قبيل انهيارها ولكن انطلاقا من حقائق ووقائع على الارض وتوجهات معلنة للكيان الصهيوني حول مستقبله وحول تراجع التهديدات التي يعيشها وارتفاع مكانته الاقليمية والعالمية التي تتصاعد وترتقي في منطقة اغرقت نفسها بحروب وصراعات دموية وموجات تخلف وتجهيل وتكفير وحرف مسارات هذه التغيرات في سياق عالمي شديد الاضطراب و تحولات كبيرة تنال من مكانة قوى عظمى عالم يتغير بسرعة فائقة وبتسارع شديد.
نظرة سريعة على المتغيرات التي شهدها العالم في القرن الاخير والتغير في مكانة القوى العالمية والحربين العالميتين وتداعياتهما وثم الانقسام العالمي لمعسكرين وما تضمنه من حرب عالمية باردة وحروب وطنية واقليمية واهلية ساخنة على امتداد الكرة الارضية وما تلاه من نظريات فوكوياما حول نهاية التاريخ التي اسست لهيمنة القطب والدولة الواحدة على عالمنا الى ان شهدت الارض العربية وعلى يد مقاومة باسلة انهيار هذا التنظير الاجوف ودخول العالم في ازمة اقتصادية عالمية وفي موجة تغيرات هائلة على كافة الصعد تمهد الطريق لاعادة تموضع عالمية ولتراجعات او انهيارات في مكانة بعض القوى العالمية وصعود لقوى اخرى بدات تاخذ مكانتها الاقتصادية والسياسية وتستعد لادوارعالمية جديدة فهل تكون اسرائيل من هذه الدول الصاعدة عالميا.
في هذا الاطار لا بد من التذكير ببعض التغيرات التي حدثت فقط في الاشهر الاخيرة والمرتبطة بمكانة اسرائيل بدءا من هرولة الخليج العربي بامكاناته الهائلة نحو التقرب والتعاون مع اسرائيل الى التنسيق اوالاجتماعات المتتالية مع الروس ومرورا بحصول اسرائيل على مكانة اعتبارية في بعض المؤسسات الدولية الى اعادة الاعتبار للعلاقة الاستراتيجية مع تركيا والسعي لتعزيز النفوذ في افريقيا الى زيارة وزير الخارجية المصري الى اسرائيل كل ذلك يضافالى الرصيد الاسرائيلي ضخم وكبير واقرب الى الثبات في امريكا واوروبا والعالم الغربي على العموم .
رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو مؤخرا وفي اكثر من مناسبة اعلن عن ان اسرائيل تعيش في اوج مرحلة تحول الى قوة اقليمية عالمية خصوصا بعد التغيرات التي شهدتها المنطقة العربية والارتفاع المضطرد في وتيرة الصراع الطائفي بين الشيعة والسنة والعداء المتزايد لايران عدو اسرائيل الاكبر على حساب العداء للكيان ومشروعه الاستعماري في فلسطين والمنطقة وهرولة العديد من الدول العربية اليهم جريا خلف وهم قوة اسرائيل وقدرتها.
استمدت اسرائيل قوتها ولا تزال من كونها جزء اساسي من بنية ومنظومة الاستعمار والسيطرة العالمية تقع في الخندق المتقدم له في منطقتنا العربية تدافع وبامانة عن مصالح هذه المنظومة وتنال دعمها اللامتناهي سياسيا واقتصاديا وامنيا وعسكريا وتتعهد بالدفاع عنها وحمايتها من اية مخاطر كان هذا ولا زال احد اهم عناصر قوة هذا الكيان اي ان احد اهم عناصر قوته لا تكمن فيه بل في وظيفته وفي حال تراجع اهمية هذه الوظيفة لا بد ان ينعكس ذلك على قوة هذا الكيان وبقوة.
كذلك فان اسرائيل عملت ونجحت ومنذ وقت طويل على احتلال مركز صانع القرار في اهم وسائل التاثير على الراي العام العالمي ووسائل الاعلام المختلفة في بقاع العالم المختلفة مما اكسبها نفوذا هائلا وسوق لروايتها المزورة وقصتها الكاذبة وليس ادل على ذلك من مؤسات مثل الامبراطورية الاعلامية التابعة ومن ضمنها فوكس نيوز وتوابعها وكذلك النفوذ الصهيوني في هوليوود والعديد من اهم وسائل الاعلام الاوروبية والعالمية وحتى في امريكا اللاتينية مما مكنها من الحفاظ على وتطوير هياكل التاثير والضغط "لوبيات " تستطيع التاثير بشكل صادم في سياسات وقرارات العديد من الدول المفتاحية في العالم وفي معظم القارات وهذا يعني ان واحد من اهم عناصر قوة هذا الكيان تكمن في عدم قدرة الاخرين على نشر الحقيقة وايصال رواية اخرى للعالم .
المؤسسة العسكرية والامنية الاسرائيلية والتي تعتبر درة التاج الاسرائيلي وهي المؤسسة الاكثر تماسكا وتاثيرا في دولة الكيان حيث تصنف القوة رقم 16 عالميا دون اخذ القوة النووية في الحسبا ن مع العلم ان اسرائيل هي احد القوى النوية المحدودة في العالم بعد الاعضاء الدائمين في مجلس الامن والهند والباكستان بالاضافة الى كوريا الشمالية هذه المؤسسة التي تلقى الدعم باشكاله المختلفة من اهم القوى العالمية التي بدورها تضمن تفوقه المستمر عدا عن التعاون الامني والاستخباري واستثمار اسرائيل بشكل كبير في العمل الاستخباري حتى على اقرب حلفائها هذا بالاضافة الى دخولها مرحلة الاستثمار في بناء منظومات الامن والشركات الامنية عالميا وتسخيرها كل ذلك لخدمة اغراضها الاستخباراتية.
احد اهم عوامل قوة اسرائيل هو استثماراسرائيل في الابحاث 4.7% من دخلها القومي بالمقارنة مع 2.6% للولايات المتحدة مكن دولة الكيان من التحول الى قوة علمية وتكنولوجية عالمية منافسة مما عزز مكانتها الاقتصادية عالميا وكذلك فتح الابواب امامها لبناء شراكات وعلاقات تعاون مع دول صاعدة مثل الصين والهند والرازيل والعديد من الدول الاوروبية و الاسيوية بل جعل منها مقصدا لكل الاطراف المعنية بالتعرف على اهم منجزات التكنولوجيا العسكرية وفي غيرها من الحقول الاخرى حتى وصفتها العديد من المؤسسات المعنية بانها تمتل واد السلكون رقم اثنين وتحتل المرتبة الثانية عالميا في مجال التكنولوجيا ووضع جامعاتها ومراكز البحث فيها على قمة هرم المؤسسات الشبيهة في العالم وصعب مهمة الداعين للمقاطعة الاكاديمية والثقافية لكن في حال استطاع استراتيجيات فلسطينية او عربية مضادة ان تنجح في عزل اسرائيل والتضييق عليها ومقاطعتها علميا وثقافيا فكيف سيكون الاثر على هذا العنصر المهم في قوة اسرائيل.
من الاعمدة المهمة في مكانة اسرائيل العالمية هي اقتصادها وبرغم انه اقتصاد يعاني من مشاكل الاقتصاد الراسمالي العالمي عموما الا ان الدعم المالي ابالمليارات الذي يتلقاه سنويا من اطراف عالمية عديدة خفف من عمق ازماته ووضع اسرائيل في الترتيب 16 في مؤشر التنمية البشرية للامم المتحدة في العام 2012 وقبل ان تدخل اسرائيل في تحولات نوعية في مجالي الاستثمار في التقنية العالية والاكتشافات الكبرى للغاز الطبيعي الذي ستبدا بسرقته عمليا في العام 2018 وبالرغم من ان مؤشرات الفقر في اسرائيل عالية الا انها وبحكم طبيعتها العنصرية والتميزية ستجد ان معظم المتاثرين سلبيا من هذه السياسات هم من فلسطينيي الداخل وهذا الاقتصاد سرعان ما يتاثر باية هزةاو ازمة امنية لتضربه بعمق وتدخله في خيارات صعبة كان وسيكون دائما الانتقال اوهجرة راسالمال الاسرائيلي السهلة الى مناطق اكثر استقرارا وامنا.
قد نسوق العديد من المؤشرات وفي حقول مختلفة والتي تدل على التطور والتحول النوعي في مكانة اسرائيل عالميا ولكن في نفس السياق فان جزء كبير من هذه المقومات لا ينبع من عناصر في اسرائيل بذاتها او من نفسها بمقدار ما ينبع من عناصر خارجية اهمها الاول مرتبط بكونها جزء اساسي من بنية الاستعمار والسيطرة العالمية وهو عامل متغير والثاني ينبع من ضعف محيطها العربي والاقليمي والتسليم لثقافة الهزيمة التي تنشرها قوى الرجعية في المنطقة والمرتبطة بتطبيع اسرائيل كجزء اساسي في المنطقة والبدء بتسويق فكرة بناء تحالفات وتعاون مع هذه القوة التي ما فتئت تحول هذا الضعف العربي الى مزيد من الممارسات العنصرية والتمييزية ونظرة التفوق العرقي التي تجد صدى لها فقط عند المذلون المهانون في المنطقة وهذا ينقلنا الى عامل اسرائلي خاص وهو المجتمع الاسرائيلي ذو الطبيعة الخاصة.
المجتمع الاسرائيلي وعبر السنوات والعقود المختلفة وبالرغم من هذه المعطيات كافة لم يكف عن العيش تحت ظل عقد الخوف والشعور المستمر بالتهديد الوجودي وبحكم طبيعة هذا المجتمع وتشكيلته المصطنعة وغيرالطبيعية واختلاف مرجعياتيه المجتمعية والثقافية والتفاوت بين طبقاته المرتبط بهذه التشكيلات حتى بعد عقود طويلة جعلت من معظم افراده الذين يعيشون فيه اليوم والذين هم ممن ولدوا هم وابائهم في هذه البلد الا ان علاقاتهم ببلد الاصل تشكل محورا جوهريا في وجودهم وتفكيرهم مضافا الى ذلك قيم وثقافة العنصرية والتمييز المنتشرة في هذا المجتمع والتي تزداد انتشارا واستشراء لاسباب عديدة والتي تجعل من بنية المجتمع الاسرائيلي متهلهلة و غير قادرة على الثبات في وجه الهزات الكبرى ولا ادل على ذلك من التداعيات التي عصفت بهذا المجتمع في حروبه الاخيرة على غزة وعلى لبنان وكذلك موجة السعار التي اجتاحته مع بداية الحراك الفلسطيني المقاوم في العام الاخير.
ان اسرائيل الان تعيش حالة من التناقض الكبير بين كونها تنمو وتزدهر كقوة استعمارية عالمية وبين بينتها الاجتماعية المتصدعة القابلة للانهيار امام تحديات حقيقية حيث ان قوة المشروع الصهيوني تكمن في ضعف المشروع المناهض له ان وجود استراتيجيات مقاومة قوية ومتينة قادرة على تعرية وعزل اسرائيل عالميا وتفكيك بنيتها العنصرية من الداخل سيحول غرور القوة وبسرعة فائقة الى رماد .
وبالرغم من مظاهر قوة اسرائيل كمشروع استعماري واحتلالها لمكانة عالمية الا ان ضعف بنيتها المجتمعية الداخلية يعيشها في تناقض هائل ويعزز من مخاوفها الوجودية ويجعلها اقرب الى التفكك امام ازمات جدية وحقيقية وتهديدات من مستوى انتصارات نوعية متتالية لمعسكر المقاومة ومنهضة التطبيع والمقاطعة وللمقارنة البسيطة فان الشعب الفلسطيني تعرض لمؤامرة اقتلاع كبىرى من ارضه وتاريخه وتم تشريده وتوزيعه على بقاع العالم ودول الجوار المختلفة في مؤامرة دولية كبرى وما ان لبث حتى استعاد هويته وحضوره وفرض نفسه من جديد على العالم والمحيط فهل سيكون المجتمع الاسرائيلي قادر على الثبات امام هزات كبرى كالتي تعرض لها الشعب الفلسطيني او يتعرض لها الان الشعب العراقي والسوري الجواب بالتاكيد لا .
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



