سمحنالوا ... دخل هو وحمارو

01.08.2016 07:59 AM

لا أعتقد أن أحدا منا ينسى ثورة التحرير الجزائرية .. ثورة المليون شهيد التي اندلعت في الأول من تشرين ثاني لعام  1954 بمشاركة حوالي 1200 مجاهد كان بحوزتهم 400 قطعة سلاح وبضع قنابل تقليدية لتحرير الجزائر، وامتدت وانتشرت لسنوات وسنوات وشارك بها قوى اليسار واليمين الجزائري في خندق واحد وانتهت الثورة باندحار الاستعمار الفرنسي وإعلان استقلال الجزائر في الخامس من حزيران لعام 1962.

وشكلت لنا، نحن الفلسطينيون ثورة المليون شهيد الهما كبيرا، وتغنينا بها، وبشكل مصغر، بل مصغر كثيرا، خضنا نضالات ضد الاحتلال الاسرائيلي عقب حرب الايام الستة عام 1967 وكان من بينها – على سبيل المثال لا الحصر – الانتفاضة الفلسطينية الأولى المباركة، التي تكللت ببسط سلطة الكيان الوطني الفلسطيني نفوذها على جزء من الوطن المحتل.

وكلنا يذكر رواية " اللاز " للكاتب الجزائري الفذ الطاهر وطار التي نشرت أول ما نشرت عام 1974 ويتحدث فيها بوضوح كيف أن رفاق السلاح في الخندق الواحد المختبئون في المغر معا كانوا من الاسلاميين والشيوعيين في خندق واحد وعندما بلغ نبأ انتصار الثورة الى الاسلاميين قاموا على الفور بذبح رفاقهم في السلاح الشيوعيين في ذات المغر التي أختبأوا فيها معا.

لقد أخطأت القوى اليسارية وأخطأت أيضا القوى التي كانت تحمل الفكر القومي العربي، عندما تركت للاسلاميين أواخر أربعينات القرن المنصرم وخمسيناته وستيناته وسبعيناته المجال للعمل الحر تحت المسمى العريض " توطيد الدين الاسلامي الحنيف" ، لتتشكل شيئا فشيئا تيارات سياسية تحت المظلة الاسلامية في ظاهرها، ظلامية الرؤيا بعيده كل البعد عن الاسلام الحقيقي في جوهرها.

تركت المساجد قبل أكثر من خمسين عاما لكثير من الظلاميين كي يرتعوا كما يحلوا لهم. يبدأون في خطبهم على المنابر بالفاتحة وباسم الله الرحمن الرحيم ورب العالمين والرحمن الرحيم الذي اياه نعبد واياه نستعين وندعوه أن يهدينا الى الصراط المستقيم ثم يشهدوا بعدها وقد أظهروا اصبع السبابة أن النبي محمد صلى الله عايه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين وأنه قد بلّغ الأمانة وأدى الرسالة وتركنا على المهجة البيضاء ليلنا كنهارنا لا يزيغ عنها الى هالك ولا يتنكبها الا ضال.

ويوصينا هؤلاء الأشخاص بتقوى الله عز وجل ويقولون لنا " أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله " ويقرون لنا بشفاههم بأنهم خطاؤون، لكنهم في قلوبهم يؤمنون أنهم هم المسلمون الحقيقيون دون سواهم.

ثم يبدأون في "نفث" سمومهم من على المنابر برواية "خراريف" يسندونها الى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الى الصحابة لا سند لها مطلقا وتعتبر من الأحاديث غير المتفق عليها والضعيفة.

على أمتداد أكثر من خمسين عاما سمحنا لهم .. كما يقول المثل " سمحنالوا دخل هو وحمارو". يجب أن نعترف بذلك ... يقف – ومن دون التعميم – خطيب في هذا المسجد أو ذاك في هذا البلد العربي أو الغربي ... يتلاعب بالكلمات من جناس وطباق .. يظهر لنا براعته في اللغة العربية كما الجواهري الذي مدح حافظ الأسد الرئيس السوري – رحمه الله – فتلاعب بالكلمات قائلا " سلام أيها الأسد ..سلام وتسلم البلد .. وتسلم أمه فخرت بأنك فخر من تلد " فاعتبر النقاد أن ذلك هو الابداع الشعري، تماما مثله يقف الخطيب ربما في مسجد في بريطانيا ليخطب فيقول طباقا وجناسا وسجعا " الحمد لله، نحمده ونشكره، ونستعين به ونستغفره، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له ولن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا اله الا الله ، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلنا كنهارنا ... " فنطرب نحن المصلون أمام هذه البلاغة اللغوية، التي تغسل أدمغتنا يوما بعد يوم، ويعجبنا أشد العجب هذا الخطيب المتكرش الذي يتنافخ شرفا وعفة ودينا وخلقا ومعرفة ونعتبره مثلنا الأعلى ... ليتحلق حوله بعد ذلك الفتيان ... فينفخ سمومه التي تدعو الى القتل وفصل الرأس عن الجسد، والتدمير، والاغتصاب، وسفك دم الأسير، بل وحرقه محشورا في قفص، واقتلاع الأشجار وتكفير الآخر والسبايا .. وكيف لا ..فقد سمحنالوا .. دخل هو وحمارو.

اذا .. ما العمل ؟

باختصار .. نحن بحاجة الى محاربة الظلام والظلاميون... هم ليسوا بحاجة الى خطاب اعلامي ... هم بحاجة الى تصدي بفعل .. وبفعل على الأرض ... ولن يتأتى ذلك الا من خلال جهد جماعي مكثف لليساريين والقوميين والاسلاميين الحقيقيين تحت تجمع واحد عريض يعمل على اظهار الوجه الحقيقي للاسلام، تعاليم الديانات السمحة، التي لا تكفر أحدا، فنحن لسنا داخل قلوب الناس، والتي لا تكرس القتل كثقافة سائدة، ولا تقلع شجرة.

ان استمرت عملية السماح للظلاميين بالدخول، فسوف يملأون منازلنا بهم وبحميرهم، ولأن البيت ضيق والحمار رفاص كما يقولون... فسوف ينقضون علينا جميعا في عقر دارنا، يتصارعون فيما بينهم ونذهب نحن بين الأرجل ... فالحمار رفاص ، فما بالكم اذا " نخزه" الأمريكان ومن لف لفهم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير