نبيل عمرو يكتب لـ وطن: الثلاثية الحتمية

12.06.2016 11:30 AM

كثيرون يتسائلون عن المخارج الممكنة من الازمات التي استفحلت وتعمقت واتسعت حتى بدا ان لا حل لها.

الفلسطينيون... يفتشون عن خيطٍ يدلهم على مصيرهم القريب، ولا يعرفون هل هو في غزة ام في الضفة.

والاسرائيليون... يفتشون عن ترياق لمرض قلة النوم المزمن، الذي اصابهم تارة بفعل السكاكين ومقصات الخياطة، وتارة اخرى بفعل عبوات ناسفة ورشاشات لا يعرفون من اين أتت الا بعد ان تحصد ارواحاً وتوقع جرحى وتخلّف رعباً عاماً .
والعرب... حائرون بين العودة الى القضية الفلسطينية كقضية مركزية، منها يبدأون، وبين ان يديروا الظهر لهذه القضية، لأن معظمهم يعتبرها مستحيلة.

والعالم... يجمع على تعاطف موسمي، يدفع فيه ضريبة أخلاقية لمرة واحدة، ولا يغفل تقليداً اتبعه على مدى عقود .. وهو ان لم يكن هنالك حلٌ، فليكن على الطاولة مبادرات لعلها تبرد المراجل الملتهبة وتمنع انفجارها.

انها معضلة حقيقية شديدة التعقيد والتركيب، الا ان اكثر المتضررين منها هم الفلسطينيون الذين تتقاطع كل البرامج والاجندات فوق رأسهم، وقدرهم ان يدفعوا ثمنا لكل شيء دون ان يقبضوا اي شيء.

بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين فينبغي علينا ان نجيب عن السؤال .. لماذا؟ او ما هي كلمة السر؟
ليس تبسيطا ولا تجاوزاً للصعوبات اقول.. ان الحكاية تبدأ من هنا، وليس من اي مكان آخر، فكل قوى الكون لو ارادت وقررت وعملت، فلن  تلقى الا الفشل، اذا لم تكن الحاضنة الفلسطينية في افضل حالاتها واقوى جاهزيتها لمعالجة المعضلات وبلوغ الحلول .

لست بحاجة الى اضاعة الوقت باستعراض حالة الحاضنة التي نحب تسميتها بالبيت الفلسطيني، فالكل يعرف الحال والكل اصابه الملل مما يعرف ، غير ان الحاجة تبدو ملحة لأمر غائب هو العلة بذاتها، وما أعنيه بالضبط هو ثنائية القرار والمؤسسة ، والمؤسسة وحدها من  يمنح القرار صدقيته وفاعليته وشرعيته، والدليل القاطع على ذلك هو حالنا حين كنا نكابد مصاعب المنفى وحالنا ونحن على ارض الوطن قبل العودة الجزئية.

في زمن المنفى كانت المؤسسة الفلسطينية داخل الوطن وخارجه تعمل بكفاءة وانتظام ، فنجحت القيادات الوطنية في ادارة حالة كفاحية راقية وفعّالة، ارغمت رابين على اخذ رأي معتقلينا في مسألة سياسية دقيقة، وارغمت جبروت الاحتلال على تغيير حساباته امام خلاصات الانتخابات المحلية ، اما الانتفاضة الاولى التي كانت قريبة من الاسطورة فلا أحد يجهل ما أحدثته من تحول جذري في المعادلة ، فتجلّت عبقرية الشعب الفلسطيني، بتحويل الحجر الى سلاح تأثير شامل ، ذلك كان بانسجام دقيق بين الداخل والخارج، بين الابداع الكفاحي في مواجهة الاحتلال وبين الابداع المؤسساتي الذي جسدته منظمة التحرير، وانتشارها القوي بين التجمعات الفلسطينية والدول الصديقة وحتى المتحفظة .

لم تكن الجغرافيا هي كلمة السر، بل كانت المؤسسة القوية المتماسكة المنتظمة هي من عوض غياب الجغرافيا وهيأ العالم لاعتناق فكرة ان هذا الشعب الحضاري قادر على بناء دولة حضارية .

هذه هي كلمة السر. فأين هذه المؤسسات الان؟ واين القرار الذي يصدر عنها في كل شأن فلسطيني؟ يبدو أننا دخلنا مرحلة الاكتفاء بالعناويين دون التدقيق بالمضامين، وهذا إن لم نتفاداه قبل فوات الاوان فسوف يكون أخطر ما تواجهه الحركة الوطنية الفلسطينية.

لا أتحدث عن معجزة غيبية ننتظرها لعلها تعيد الامور الى نصابها، وانما اتحدث عن سلوك ممكن تجنبناه طويلا بفعل حسابات سطحية جاهلة ، ولا يوجد واقعياً ما يمنع من العودة اليه .

وهنا اختم بالعنوان.. اول الثلاثيات يتعلق "بفتح"،  التي هي ليست مجرد فصيل بل اوسع واعمق من ذلك، فلتنتبه الى ذاتها ولتعد الحياة الى مؤسساتها لما لذلك من تأثير شامل على الوضع الفلسطيني بإجماله .

وثانيها اعادة الحياة الى  مؤسسات منظمة التحرير وأهمها المجلس الوطني الذي ما زال يمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وما يزال هو الشرعية الاعلى في حياتنا الوطنية .

وثالثها ان نذهب الى انتخابات رئاسية وتشريعية ، ليس فقط من أجل تجديد الشرعيات المتآكلة وانما من أجل اشراك الشعب الفلسطيني في صنع مصيره.

دون هذه الثلاثية، سنظل نسبح في الفراغ ونهوي الى القاع بلا هوادة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير