الانتخابات العامة من منظور وطني ونسوي.. أي انتخابات نريد؟

28.09.2026 12:00 PM

وطن للانباء: مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني، تعود الانتخابات إلى واجهة النقاش الوطني، ليس باعتبارها مجرد عملية اقتراع لاختيار ممثلين، وإنما بوصفها فرصة محتملة لتجديد الشرعية السياسية واستعادة الإرادة الشعبية وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتمثيلية.

وبينما حددت لجنة الانتخابات المركزية يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية، مع فتح باب الترشح في 26 أيلول/سبتمبر الجاري، تتسع الأسئلة حول طبيعة الانتخابات المطلوبة، والبيئة السياسية والقانونية التي ستجري فيها، وما إذا كانت قادرة على إحداث تغيير فعلي في الحياة السياسية الفلسطينية.

فهل نحن أمام انتخابات لتجديد المؤسسات فقط، أم أمام فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية؟ وهل يمكن للانتخابات أن تغير قواعد اللعبة السياسية بدلاً من إعادة إنتاج الواقع القائم؟ والأهم، كيف يمكن ضمان أن تكون النساء شريكات في هذا التجديد، لا بمجرد الحضور العددي، وإنما بالتأثير الفعلي في صناعة القرار؟

- آمال خريشة: الانتخابات.. استحقاق وطني يتجاوز صندوق الاقتراع
المديرة العامة لجمعية المرأة العاملة للتنمية، آمال خريشة، ترى أن الانتخابات ينبغي أن تشكل فرصة لإعادة الوحدة الوطنية ووقف الانقسام، وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها بمشاركة مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.

وتشير خريشة إلى أن الحياة السياسية الفلسطينية لا تزال تعيش نتائج تراجع دور القوى والمؤسسات، معتبرة أن حالة التكلس السياسي وصلت إلى مرحلة خطيرة مع حل المجلس التشريعي، في وقت تشهد فيه الساحة الفلسطينية تصعيداً إسرائيلياً متواصلاً.

ومن هذا المنظور، لا ترى خريشة الانتخابات مجرد استحقاق قانوني، بل فرصة لإعادة بناء النظام السياسي وإخراجه من حالة الاستقطاب والانقسام نحو مسار وطني جامع.

- د. عمار الدويك: انتخابات حرة.. من الاقتراع إلى قبول النتائج
أما مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، د. عمار الدويك، فيشدد على أن الانتخابات الحرة لا تُختزل في يوم الاقتراع، وإنما تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بقانون انتخابي عصري وعادل، وإدارة انتخابية مستقلة، وقضاء انتخابياً فعالاً، وبيئة تسمح بالترشح والمشاركة دون إقصاء، وصولاً إلى قبول النتائج والتداول السلمي للسلطة.

ويرى الدويك أن التحدي الأكبر في السياق الفلسطيني الحالي هو الوصول إلى يوم الاقتراع وإجراء الانتخابات نفسها، داعياً مختلف الأطراف إلى العمل على إنجاح العملية الانتخابية وتجاوز العقبات وعدم التشكيك بها، بالتوازي مع البحث عن حلول للعوائق التي قد تواجهها.

ومع اقتراب موعد فتح باب الترشح، يعتبر الدويك أن العملية الانتخابية دخلت بالفعل مراحلها العملية، وأن الوصول إلى هذه المرحلة يضع الجميع أمام استحقاق يصعب التراجع عنه.

ويصف الانتخابات بأنها يمكن أن تكون "عملية إنقاذ وطني" وليست مجرد استحقاق قانوني، داعياً إلى تصميم وطني على إجرائها.

- د. عمار الدويك: جيلٌ كاملٌ خارج التجربة الانتخابية
ويشير الدويك إلى أن جيلاً كاملاً من الفلسطينيين لم يخض تجربة الانتخابات الرئاسية أو التشريعية؛ فكل فلسطيني يقل عمره عن 38 عاماً، وفق المعطيات التي طرحها، لم يشارك في انتخابات رئاسية أو تشريعية.

ويربط ذلك بطول فترة غياب المجلس التشريعي عن الحياة السياسية، وما ترتب عليها من آثار على علاقة المواطن بالمؤسسات وآليات الرقابة والتشريع.

ويرى أن المواطن يدفع ثمناً مباشراً لغياب البرلمان، خصوصاً فيما يتعلق بحقوقه وحرياته، في ظل تركّز السلطة وطبيعة النظام السياسي القائم.

- آمال خريشة: وضع اشتراطات سياسية قد يؤدي إلى إقصاء أوساط واسعة من المشاركة
لكن خريشة ترى أن الإعلان عن الانتخابات لا يكفي وحده لضمان تحول ديمقراطي حقيقي، مشيرة إلى الحاجة إلى حوار وطني أوسع وإشراك مختلف القوى السياسية، وتهيئة بيئة حاضنة للعملية الانتخابية.

وتطرح تساؤلات حول البرنامج السياسي الذي ستخوض على أساسه القوائم الانتخابات، وحول الاشتراطات التي يمكن أن تؤثر في أهلية المشاركة.

وكانت التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات قد أبقت على شرط الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. كما أقرت نسبة حسم تبلغ 1%، وخفضت سن الترشح إلى 23 عاماً، وأبقت على حد أدنى لتمثيل المرأة بنسبة 33% في القوائم.

وترى خريشة أن وضع اشتراطات سياسية قد يؤدي إلى إقصاء أوساط واسعة من المشاركة، وتدعو إلى وضوح البرنامج الوطني الذي ستخوض القوائم على أساسه الانتخابات.

- انتخابات 2021.. تجربة لم تكتمل، د. عمار الدويك: إجراء الانتخابات بحد ذاته سيكون إنجازاً مهماً في السياق
وتستحضر خريشة تجربة انتخابات عام 2021، التي أُلغيت بعد تسجيل القوائم الانتخابية، معتبرة أن تكرار تعطيل العملية الانتخابية سيكون له أثر كبير على الثقة العامة.

وفي المقابل، يرى الدويك أن إجراء الانتخابات بحد ذاته سيكون إنجازاً مهماً في السياق الفلسطيني، داعياً إلى إزالة أي عقبات يمكن أن تحول دون المشاركة، وتعزيز الحقوق والحريات، وضمان احترام النتائج وانعكاسها فعلياً على بنية النظام السياسي.

- د. عمار الدويك: نُسجل اعتراضنا على التعيينات التي تجري تحت مظلة ما يسمى بـ"المجمع الانتخابي" في الخارج
ولا يتوقف النقاش حول الشرعية والتمثيل عند المجلس التشريعي، إذ يثير الدويك أيضاً مسألة التعيينات الجارية في المجلس الوطني، معتبراً أن أي عملية لإعادة هندسة النظام السياسي يجب أن تكون واضحة من حيث الأساس القانوني والإجراءات المتبعة.

ويشير إلى أن الائتلاف الأهلي للرقابة على الانتخابات يعترض على التعيينات التي تجري تحت مظلة ما يسمى بالمجمع الانتخابي في الخارج، ويطالب بوضوح المرجعية والإجراءات المتعلقة بانتخابات المجلس الوطني.

كما يشير إلى مشاركته في اللجنة الوطنية التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني، معتبراً أن استبعاد اللجنة وإنشاء جسم بديل يطرح أسئلة حول المرجعية القانونية للعملية.

ويؤكد في المقابل الحاجة إلى قوة تمثيلية حقيقية من خلال الانتخابات التشريعية، بالتوازي مع معالجة ما يجري في المجلس الوطني بما يتطابق مع أنظمة منظمة التحرير.

- المرأة.. من الحضور العددي إلى التأثير
وفي قلب النقاش حول الانتخابات، تبرز قضية تمثيل النساء، خصوصاً أن القانون الحالي يشترط حداً أدنى يبلغ 33% لتمثيل المرأة في القوائم الانتخابية، إلّا أن هذا الشرط لا يعني بالضرورة وصول النسبة نفسها إلى المجلس بعد إعلان النتائج، وهو ما يشير إليه كل من خريشة والدويك من زاويتين مختلفتين.

ويؤكد الدويك أن للنساء الحق الكامل في المشاركة السياسية والترشح، وأن إزالة العقبات أمام ممارسة هذا الحق جزء أساسي من نزاهة العملية الانتخابية.

ويعتبر أن الكوتا تمثل آلية لتصحيح اختلال تاريخي، لكن المؤشر العددي رغم أهميته، لا يكفي وحده لقياس حضور النساء؛ فالسؤال الأهم يتعلق بمدى تأثيرهن في صناعة السياسات والقوانين.

ويشير إلى أهمية أن تحصل النساء على فرص فعلية للترشح، والحضور الإعلامي، والاستفادة من الفضاء الرقمي، وطرح القضايا التي تمس حياتهن، بحيث يظهرن باعتبارهن شريكات في صناعة القرار، وليس مجرد استكمال للعدد.

- آمال خريشة: الحركة النسوية أمام اختبار الانتخابات، ومعيار تقييم القوائم لا ينبغي أن يتوقف عند عدد النساء فيها
أما خريشة، فتضع الانتخابات أمام اختبار آخر يتعلق بقدرة الحركة النسوية الفلسطينية نفسها على تقديم نموذج سياسي مختلف، وترى أن الحركة النسوية تأثرت بالانقسام السياسي، ولم تتمكن حتى الآن من تشكيل قائمة نسوية قادرة على تقديم نموذج واضح لما تريده النساء من العملية السياسية.

وتشير إلى غياب برنامج نسوي متميز يمكن أن ينتقل إلى البرلمان ويتحول إلى تشريعات وسياسات ضمن مؤسسات الدولة.

ومن وجهة نظرها، فإن معيار تقييم القوائم لا ينبغي أن يتوقف عند عدد النساء فيها، وإنما يجب النظر إلى برامجها وما إذا كانت تتضمن قضايا النساء، وفي مقدمتها مناهضة العنف ضد المرأة، والحقوق الاقتصادية، والحماية الاجتماعية، وقانون الأحوال الشخصية.

- أي انتخابات نريد؟ آمال خريشة: الانتخابات المطلوبة هي تلك التي يمكن أن تصبح أداة للوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام
وبالنسبة لخريشة، الانتخابات المطلوبة هي تلك التي يمكن أن تصبح أداة للوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وتجديد شرعية النظام السياسي على أساس فصل السلطات، وإعادة الاعتبار للحقوق الوطنية الفلسطينية.

وترى أن المنظور النسوي يمكن أن يساهم في هندسة جديدة للنظام السياسي تقوم على احترام القانون الأساسي ووثيقة الاستقلال، وعلى إعادة صياغة البرنامج الوطني الفلسطيني الجامع.

أما الدويك، فيرى أن الانتخابات تمنح المؤسسات شرعية انتخابية، لكن هذه الشرعية لا تتحول تلقائياً إلى شرعية ديمقراطية وسياسية ما لم تتبعها ممارسة فعلية للحكم الرشيد، واحترام الحقوق والحريات، وانعكاس نتائج الانتخابات على بنية النظام السياسي.

- اليوم التالي للانتخابات.. أين يكون التغيير؟ د. عمار الدويك: الانتخابات لا تنتهي عند إعلان النتائج، بل تبدأ عند ذلك مهمة أصعب
ويبقى السؤال الأهم: إذا نجحت الانتخابات وأفرزت مجلساً تشريعياً جديداً، ماذا يجب أن يكون مختلفاً في اليوم التالي حتى يمكن القول إن الانتخابات نجحت فعلاً في تجديد الحياة السياسية الفلسطينية؟

بالنسبة لخريشة، يبدأ ذلك بمراجعة المراسيم والقرارات التي صدرت في غياب المجلس التشريعي، وإعادة تفعيل مبدأ فصل السلطات، ووضع قضايا المواطنين وهمومهم في صدارة العمل السياسي.

أما الدويك، فيرى أن وجود برلمان فاعل يحقق مبدأ فصل السلطات هو أحد أهم الاختبارات التي ستواجه النظام السياسي بعد الانتخابات، مؤكداً أن الناخبين هم أصحاب الحق في اختيار من يعكس طموحاتهم في هذه المرحلة.

فالانتخابات، وفق هذا الطرح، لا تنتهي عند إعلان النتائج، بل تبدأ عندها مهمة أصعب، تتمثل بتحويل التمثيل الانتخابي إلى ممارسة سياسية ومؤسسية تعيد للمواطن مكانته في النظام السياسي.

وبين استحقاق الاقتراع، ومتطلبات الديمقراطية، وأسئلة الوحدة الوطنية، وتمثيل النساء وتأثيرهن، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من الوصول إلى صندوق الاقتراع: أي نظام سياسي نريد أن تنتجه هذه الانتخابات؟ وأي مساحة نريد أن تتركها للمواطن والمرأة والقوى السياسية المختلفة في صناعة القرار؟

تصميم وتطوير