الزراعة الفلسطينية في خطر.. إجراءات الاحتلال والتغير المناخي يهددان مستقبلها
الإغاثة الزراعية: الاحتلال دمر 85% من البنية التحتية الزراعية في قطاع غزة، ومعظم المزارعين المُنتجين أصبحوا يحتاجون إلى مساعدات
مركز العمل التنموي معا: تدمير الزراعة في غزة يهدد التربة والمياه الجوفية.. والوصول إلى مصادر المياه أبرز تحدٍ أمام المزارعين في الضفة
وطن للأنباء: يواجه القطاع الزراعي الفلسطيني أضراراً واسعة ومتعددة الأبعاد، تتقاطع فيها آثار الحرب والتدهور البيئي وتغير المناخ مع القيود المفروضة على الوصول إلى الأرض والمياه، في وقت تتراجع فيه قدرة المزارعين على الإنتاج والحفاظ على مصادر دخلهم، وفق ما أكده مختصون خلال حلقة خاصة بمناسبة الأسبوع العالمي للعمل المناخي، من إنتاج مؤسسة "أكشن إيد" بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية.
وقالت نهى الشريف، منسقة دائرة المناصرة والإعلام في الإغاثة الزراعية الفلسطينية في قطاع غزة، إن القطاع الزراعي في غزة تعرض منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى "تدمير ممنهج" طال مختلف مكوناته، مشيرة إلى أن حجم الدمار في النظام الزراعي وصل إلى نحو 85% .
وأوضحت الشريف أن الأضرار لم تقتصر على الإنتاج النباتي، وإنما شملت أيضاً الإنتاج الحيواني، وقطاع الصيد، والدفيئات والمنشآت الزراعية، إلى جانب قطاعات المياه والطاقة وشبكات الري والبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج.
وأضافت أن مناطق واسعة من قطاع غزة خرجت من دائرة الإنتاج، فيما لا تزال مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في المناطق الشرقية غير متاحة للمزارعين، الأمر الذي انعكس على قدرة القطاع على توفير الغذاء للسوق المحلي.
وأشارت إلى أن آلاف المزارعين الذين كانوا يعتمدون على الزراعة كمصدر أساسي للدخل تحولوا من "مزارعين منتجين" إلى باحثين عن المساعدات، بعد فقدان الأراضي والمعدات ومستلزمات الإنتاج ومصادر الدخل.
وقالت الشريف إن عدد العاملين في القطاع الزراعي كان يقدر قبل الحرب بنحو 55 ألف عامل، فيما أصبح عدد المزارعين القادرين على الزراعة حاليًا محدودًا جدًا، مشيرة إلى أن بعض المزارعين تمكنوا، رغم الظروف الصعبة، من إزالة الركام وإعادة زراعة أجزاء من أراضيهم بمساعدة مؤسسات الإغاثة.
الوصول إلى الأرض.. إنتاج مهدد
وحول أثر القيود على الوصول إلى الأراضي الزراعية، قالت الشريف إن نسبة الأراضي التي يستطيع المزارعون الوصول إليها لا تتجاوز، وفق تقديرات أشارت إليها خلال الحلقة، 3 إلى 4% من إجمالي الأراضي الزراعية، ما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج.
وأضافت أن محاصيل مثل الزيتون والجوافة والبلح أصبحت خارج متناول المزارعين في مناطق واسعة، الأمر الذي يؤثر أيضاً على المستهلكين من خلال نقص المعروض وارتفاع الأسعار، مشيرة إلى أن قطاع غزة كان قد وصل قبل الحرب إلى مستويات من الاكتفاء الذاتي في عدد من المحاصيل، بل وإلى تصدير بعض المنتجات.
وأكدت أن التعافي لا يمكن أن يقتصر على إعادة بناء المنشآت المدمرة، قائلة: "نحن لا نتحدث عن إعادة إعمار، نحن نتحدث عن إعادة بناء القطاع الزراعي.. والبناء يبدأ من الصفر"، معتبرة أن إعادة بناء القطاع تتطلب إعادة تأهيل التربة والمياه والأراضي الزراعية، إلى جانب دعم المزارع نفسه الذي تضرر اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا.
أكثر من 3 مليارات دولار خسائر زراعية
من جهته، قال د. ماجد حمادة، خبير المياه والبيئة في مركز العمل التنموي "معا"، إن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في غزة وصل، وفق المعطيات التي عرضها، إلى نحو 88%، فيما تقدر الخسائر المباشرة في القطاع الزراعي بأكثر من 3 مليارات دولار.
وأشار حمادة إلى أن نحو 70% من الأراضي الزراعية تقع في مناطق يصفها بـ"المنطقة الصفراء"، وهي مناطق لا يستطيع المزارعون الوصول إليها، فيما أصبح أكثر من 70% من العاملين في القطاع الزراعي خارج سوق العمل.
ولفت إلى تدمير آلاف الآبار الزراعية وخروجها عن الخدمة، ما أدى إلى تعطيل مصادر الري، في ظل صعوبة توفير الكهرباء والوقود اللازمين لتشغيل الآبار المتبقية.
وأوضح أن تدمير شبكات الري والبنية التحتية الزراعية، إلى جانب منع أو محدودية إدخال المدخلات الزراعية، دفع المزارعين إلى الاعتماد على بدائل لا تغطي سوى جزء محدود من احتياجاتهم.
مخاطر على التربة والمياه الجوفية
وحذر حمادة من أن آثار الحرب لا تقتصر على الخسائر الاقتصادية والإنتاجية، وإنما تمتد إلى البيئة والتربة والمياه الجوفية.
وقال إن تدمير مخازن الأدوية والمواد الكيميائية الزراعية أدى إلى احتمال تسرب مواد إلى التربة، مشيراً إلى عدم توفر الإمكانات الكافية لإجراء فحوصات شاملة للتربة والمياه، وهو ما يصعّب تحديد حجم التلوث وآثاره بدقة.
كما أشار إلى تراكم كميات كبيرة من الركام ومخلفات الحرب في الأراضي الزراعية وحولها، محذراً من انعكاس ذلك على التربة والنباتات والمياه الجوفية.
وأكد أن غياب المختبرات القادرة على فحص جودة التربة والمياه والمنتجات الزراعية يمثل تحدياً إضافياً أمام استعادة النشاط الزراعي، داعياً إلى توفير الإمكانات اللازمة لإجراء الفحوصات وتحديد طبيعة الأضرار قبل التوسع في الإنتاج.
الضفة الغربية.. الأرض والمياه في مواجهة الاستيطان
ولم تقتصر النقاشات على قطاع غزة، إذ تناولت الحلقة واقع القطاع الزراعي في الضفة الغربية، حيث قالت الشريف إن المزارعين يواجهون، إلى جانب آثار التغير المناخي، مصادرة الأراضي والاعتداءات وقيود الوصول إلى الأراضي، فضلاً عن التوسع في الاستيطان الرعوي وتهجير التجمعات الفلسطينية.
وقال حمادة إن السيطرة على مصادر المياه تمثل أحد أبرز التحديات أمام المزارعين في الضفة الغربية، مشيراً إلى صعوبة الحصول على تصاريح لحفر آبار جديدة، وما يترتب على ذلك من اضطرار المزارعين إلى نقل المياه بالصهاريج لري أراضيهم.
وأضاف أن الفوارق في الحصول على المياه بين الفلسطينيين والمستوطنات تعكس، بحسب قوله، تفاوتاً كبيراً في الوصول إلى الموارد المائية.
وفي سياق الحديث عن العدالة المناخية، اعتبر حمادة أن معالجة آثار تغير المناخ في فلسطين لا يمكن فصلها عن قضايا الأرض والمياه والوصول إلى الموارد الطبيعية.
دعوات إلى إنقاذ القطاع الزراعي
وطالب الضيفان المجتمع الدولي بالضغط من أجل وقف الحرب على قطاع غزة، ورفع القيود المفروضة على دخول مستلزمات الإنتاج الزراعي، بما يشمل البذور والأسمدة والمعدات والطاقة والمواد اللازمة لإعادة تأهيل الأراضي.
وأكد حمادة ضرورة توفير مختبرات ومعدات لإجراء الفحوصات البيئية اللازمة، خصوصاً للتربة والمياه الجوفية، بهدف تحديد حجم الأضرار ووضع برامج للتعافي الزراعي والبيئي.
وتشير مداخلات الحلقة إلى أن التحدي أمام الزراعة الفلسطينية لا يتعلق فقط بإعادة تشغيل الإنتاج، وإنما بإعادة بناء منظومة زراعية قادرة على الاستمرار في ظل تدهور الموارد الطبيعية، وتغير المناخ، والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرض والمياه.
وفي هذا السياق، شددت الشريف على ضرورة تطوير أنماط زراعية تتلاءم مع الموارد المتاحة والواقع الديمغرافي والبيئي في قطاع غزة، فيما أكد حمادة أن أي عملية تعافٍ زراعي تحتاج إلى معالجة متزامنة للتربة والمياه والبنية التحتية ومستلزمات الإنتاج.


