هدم صرح الشهداء لم يمحُ أسماءهم.. طلبة بيرزيت يحرسون الذاكرة ويحفظون العهد

وطن للأنباء: لم تغب أسماء شهداء جامعة بيرزيت عن حرمها، حتى بعدما دمرت قوات الاحتلال، اليوم الاثنين، صرح الشهداء خلال اقتحامها الجامعة. فما إن غادرت الآليات العسكرية، حتى سارع الطلبة إلى إعادة رفع أسماء الشهداء إلى موقعها، ولو على قطع من الورق، في رسالة تؤكد أن الذاكرة لا تهدم بالجرافات ولا تمحى بإزالة الحجارة.
لم ينتظر الطلبة طويلا لإعادة الأسماء التي حاولت قوات الاحتلال إسقاطها من روح الجامعة وفضاءها، في مشهد بدا بسيطا في شكله، لكنه حمل دلالات تتجاوز إعادة كتابة أسماء أزيلت بالقوة، إلى التأكيد على حضور أصحابها في ذاكرة الجامعة ومكانها.
فخلف كل اسم حكاية ووجه وعائلة وأصدقاء، وأحلام كان أصحابها يرونها أوسع من حدود المكان، وأمنيات بحياة كانت لا تزال في بدايتها حين توقفت بفعل الاحتلال. لذلك، لم تكن الأسماء يوما مجرد حروف محفورة على حجر، بل جزءا من ذاكرة بيرزيت وتاريخها.
وبإعادة رفع الأسماء، أراد الطلبة القول إن صرح الشهداء قد يُدمر، لكن أسماء من خلدهم لا يمكن اقتلاعها من ذاكرة الجامعة، وإن إزالة الحروف من الجدران لا تعني محو أصحابها، ولا إلغاء حضورهم في المكان الذي حملوا منه أحلامهم ومواقفهم وقصصهم.
في بيرزيت، كانت أسماء الشهداء حاضرة في تفاصيل الحرم الجامعي، وفي ذاكرة الطلبة والأساتذة، والصور والجداريات والفعاليات، وفي أحاديث الأصدقاء الذين عرفوا أصحابها قبل أن تتحول أسماؤهم إلى جزء من تاريخ الجامعة.
ولهذا، جاءت إعادة رفعها سريعا، وكأن الطلبة يستعيدون شيئا لم يغب أصلا؛ فالأسماء بقيت حاضرة في الذاكرة، حتى حين غاب الحجر الذي حملها.
لم يعُد الطلبة كتابة أسماء الشهداء فحسب، بل أعادوا التأكيد على أن الذاكرة فعل حي، وأن كل محاولة لمحوها تستدعي شكلا جديدا من أشكال حفظها، فالورق الذي عُلقت عليه الأسماء اليوم قد لا يملك صلابة الحجر، لكنه حمل المعنى ذاته: الأسماء باقية، وأصحابها حاضرون في المكان.
اقتحام وتخريب واستهداف للذاكرة
وكانت قوات الاحتلال قد اقتحمت، صباح اليوم، حرم جامعة بيرزيت بنحو عشر آليات عسكرية ترافقها جرافة، ودمرت صرح الشهداء، قبل أن تقتحم كلية العلوم وتخرب مختبرات دائرتي الفيزياء والأحياء وتعبث بمحتوياتها، إلى جانب اقتحام مكاتب الحركة الطلابية.
وأدانت جامعة بيرزيت الاقتحام، معتبرة إياه انتهاكا للقانون الدولي واستهدافا للعلم والذاكرة الوطنية، وقالت إن تدمير صرح الشهداء يمثل استهدافا مباشرا لذاكرة الجامعة وشهدائها، فيما يشكل تخريب المختبرات والمرافق الأكاديمية اعتداء على العملية التعليمية وحرمة المؤسسة الجامعية.
وأوضحت الجامعة أن الاقتحام جاء بعد نحو عشرة أيام فقط من اقتحام سابق لحرمها، نفذته قوات الاحتلال في وضح النهار وأثناء تقديم الطلبة امتحاناتهم، وقبل يوم واحد من انطلاق الفصل الأول للعام الأكاديمي 2026-2027، معتبرة ذلك تصعيدا متواصلا يستهدف الجامعة وحق طلبتها في التعليم.
وأكدت أن استهداف الجامعة يتجاوز تعطيل العملية التعليمية إلى المساس بدورها بوصفها حاضنة للمعرفة والبحث العلمي والوعي والذاكرة الوطنية، مشددة على أن حق الطلبة والأكاديميين في التعليم والعمل في بيئة جامعية آمنة، وحرمة الجامعات واستقلالها الأكاديمي، مبادئ أساسية لا يجوز المساس بها.
واعتبرت بيرزيت أن اقتحام حرمها وتدمير مرافقه يشكلان انتهاكا لقواعد القانون الدولي الإنساني التي توفر الحماية للمؤسسات التعليمية والعلمية أثناء النزاعات والاحتلال، وحملت سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الاقتحام وتبعاته.
وطالبت الجامعة المجتمع الدولي والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية الدولية بتحمل مسؤولياتها في حماية المؤسسات التعليمية الفلسطينية، وضمان احترام القانون الدولي والمواثيق ذات الصلة، وصون الحق في التعليم وحرمة المؤسسات الأكاديمية.
وأكدت أن تدمير صرح الشهداء وتخريب المختبرات والمرافق التعليمية ليس اعتداء على الحجر فحسب، بل استهداف لرسالة الجامعة ودورها في إنتاج المعرفة، وللذاكرة الوطنية التي تشكل جزءا أصيلا من هويتها.
وشددت جامعة بيرزيت على أن الاعتداءات المتكررة على الجامعات الفلسطينية تستوجب موقفا دوليا وأكاديميا واضحا ومساءلة عن الانتهاكات التي تطال المؤسسات التعليمية وحق الفلسطينيين في التعليم والمعرفة.
وختمت الجامعة بالتأكيد أن "الجرافات لن تمحو ذاكرة الشهداء، والآليات العسكرية لن تطفئ نور المعرفة"، وأنها ستواصل أداء رسالتها الأكاديمية والوطنية في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، متمسكة بحق طلبتها وأساتذتها في جامعة حرة وآمنة.


