نبهان خريشة يكتب لوطن: تأجيل الانتخابات: مهلة لإصلاح النظام أم فرصة لإطالة عمره؟

أخطر ما في الحديث عن تأجيل الانتخابات الفلسطينية أن يصبح السؤال عن الطريقة المناسبة لإعلان التأجيل، بدلا من السؤال عن ضرورة حدوثه. حين ينتقل النقاش إلى كيفية تقليل خسائر السلطة السياسية والدبلوماسية، يكون حق المواطن في اختيار ممثليه قد تراجع خطوة أخرى. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الظروف التي تجعل إجراء الانتخابات تحديا حقيقيا، خصوصا في غزة. المسألة، إذن، هي كيف نميز بين تأجيل تفرضه عوائق قابلة للتحديد والمعالجة، وتأجيل تستخدم فيه تلك العوائق لحماية نظام يخشى امتحان الصندوق.
حتى الآن، يظل الموعد الرسمي المعلن للانتخابات التشريعية هو الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، وتتخذ لجنة الانتخابات المركزية إجراءاتها على هذا الأساس. لذلك، يجب التعامل مع سيناريوهات التأجيل بوصفها احتمالات سياسية، لا باعتبارها قرارا محسوما. لكن مجرد تداول هذه الاحتمالات يكشف هشاشة الثقة بين الجمهور ومؤسسات الحكم؛ فالفلسطيني الذي يفترض أن ينشغل بمقارنة البرامج والمرشحين، يجد نفسه منشغلا بالتساؤل عما إذا كان سيصل أصلا إلى مركز الاقتراع.
تقوم الفكرة المطروحة على أن أي تأجيل جديد ينبغي أن يقترن بتاريخ واضح، حتى لا يعيد إنتاج الانتظار المفتوح. وهذا مطلب ضروري، لكنه غير كاف. الموعد المكتوب لا يصنع ضمانة بذاته، ما دامت الجهة التي تحدده تستطيع تغييره لاحقا من دون مساءلة. يحتاج الناس إلى معرفة ما الذي سيتغير خلال المهلة، ومن المسؤول عن إنجازه، وكيف يمكن مراقبة التقدم فيه. أما نقل الموعد إلى سنة أخرى مع إبقاء أسباب التعطيل على حالها، فيعني ترحيل الأزمة، وإضافة وعد جديد إلى الوعود السابقة.
في السيناريو الأول، يمكن أن تقود حوارات القاهرة إلى تسوية تجمع بين الاتفاق على موعد انتخابي لاحق وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. لهذا المسار جاذبيته؛ لأنه يتعامل مع الانتخابات ضمن أزمة أوسع تتعلق بالتمثيل والانقسام وموقع منظمة التحرير. غير أن نجاحه يتوقف على طبيعة التسوية نفسها. فإذا كانت الغاية توزيع المواقع بين القوى المتنفذة، فلن يتغير جوهر المشكلة. أما إذا أنتج قواعد مشتركة تتيح المنافسة والمحاسبة، فقد يصبح الحوار خطوة تساعد على الوصول إلى الانتخابات وتمنح نتائجها فرصة للحياة.
وهنا يبرز ملف المجلس الوطني بوصفه اختبارا لجدية الحديث عن الشراكة. فأي وقف محتمل للتعيينات، إن تحقق، ينبغي أن يفتح الطريق إلى مراجعة طريقة تشكيل المجلس، لا أن يتحول إلى ورقة تفاوض تستخدم مؤقتا. إعادة بناء المؤسسة التمثيلية للفلسطينيين تحتاج إلى معايير معلنة، وتمثيل أوسع للتجمعات في الوطن والشتات، ومشاركة الشباب والنساء والمستقلين. ولا يمكن اختزالها في إضافة مقاعد لفصيل أو اقتطاع مقاعد من آخر؛ لأن أزمة التمثيل أعمق من الحساب العددي لحصص التنظيمات.
أما انخراط حماس في منظمة التحرير والنظام السياسي، فيحتاج إلى تفاهم صريح على البرنامج الوطني وقواعد العمل المشترك. الاعتراف بمكانة المنظمة والتوافق على مرجعية سياسية أمران لهما تبعات تتجاوز توقيع بيان. وفي المقابل، يجب أن تكون الشراكة فعلية، بحيث يستطيع المنضمون المشاركة في صنع القرار ومراجعته. فالمؤسسة الوطنية الجامعة تستمد قوتها من قدرتها على استيعاب الاختلاف وتنظيمه، وعلى تحويل التنافس إلى عمل سياسي، بدلا من إبقاء القوى خارجها ثم مطالبتها بالالتزام بنتائج قرارات لم تشارك في صياغتها.
السيناريو الثاني هو الذهاب إلى حوار وطني يتيح الاتفاق على تأجيل محدود. وثمة دعوة منشورة للجبهتين الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية إلى حوار شامل، تكون مخرجاته ملزمة، ويتناول القوانين وآليات العملية الديمقراطية وإعادة بناء المؤسسات. لكن هذه الدعوة، في حد ذاتها، لا تثبت الاتفاق على مدة بعينها للتأجيل. ومن هنا ينبغي الحذر من تحويل فكرة الحوار إلى تفويض مسبق بتعطيل الاستحقاق؛ فالقيمة السياسية للحوار تقاس بما يزيله من عقبات أمام الاقتراع، وبما يقدمه من ضمانات للمواطنين.
وتحديد المدة يحتاج إلى وضوح كامل. هناك فرق كبير بين تأجيل ينتهي قبل ختام عام 2027، وتأجيل يمتد سنتين من الآن. لكل خيار كلفته السياسية والاجتماعية، ولا يصح تقديمهما كأنهما مهلة واحدة. كذلك، فإن ربط الانتخابات بانتهاء ولاية مجلس ما يقتضي تحديد المجلس المقصود والسند القانوني لهذا الربط. المواطن يحتاج إلى تاريخ يوم وشهر وسنة، وإلى تفسير علني للأسباب التي تجعل ذلك التاريخ مناسبا، لا إلى عبارات مرنة يستطيع كل طرف تأويلها بما يخدم حساباته.
غزة، بلا شك، تستحق ترتيبات استثنائية. فالنازح الذي فقد منزله وأوراقه وعنوانه لا يمكن التعامل معه كناخب يعيش في ظروف عادية. وهناك أسئلة تتعلق بالسجل الانتخابي ومراكز الاقتراع وأمن العاملين والمرشحين وحرية الدعاية وإمكان وصول الناس. لكن الاعتراف بهذه الصعوبات يجب أن يقود إلى خطة لمعالجتها. ينبغي أن تقدم لجنة الانتخابات تقييما مهنيا يحدد ما يمكن إنجازه وما يتعذر، والوقت والموارد اللازمة. عندها يمكن مناقشة التأجيل على أساس معلوم، بدلا من استخدام مأساة غزة عنوانا واسعا يغطي دوافع متباينة.
وقد تجد بعض الأطراف الدولية مبررا لقبول تأجيل محدد إذا استند إلى عوائق موثقة وخطة قابلة للتنفيذ. لكن قبول الاتحاد الأوروبي، إن حصل، لن يمنح القرار وحده شرعية شعبية. فالفلسطينيون أصحاب الحق في انتخاب مؤسساتهم، وهم الذين يتحملون نتائج استمرار غياب الرقابة والمساءلة. كما أن المواقف الخارجية ليست مضمونة سلفا؛ فقد نقلت رويترز مؤخرا إصرارا فرنسيا على الوفاء بالتعهدات الانتخابية. ولهذا، فإن بناء السيناريو كله على توقع التساهل الأوروبي ينطوي على قراءة غير مكتملة للمشهد.
وفي العلاقة بين فتح وحماس، لا يكفي مطالبة طرف بالجلوس إلى الطاولة، أو تحميل الطرف الآخر مسؤولية توفير شروط اللقاء. المطلوب تحديد نقاط الخلاف وتحويلها إلى قضايا قابلة للنقاش: البرنامج السياسي، وضمانات المشاركة، والحريات، وقبول النتائج، وموقع المؤسسات بعد الانتخابات. على فتح، بحكم موقعها في السلطة والمنظمة، مسؤولية أكبر في تقديم خطوات تعيد الثقة. وعلى حماس مسؤولية تقديم التزامات واضحة تجاه التعددية وتداول السلطة. أما إبقاء الشروط غامضة، فيتيح لكل طرف استخدام تعثر الحوار حجة للاستمرار في موقعه.
إذا أصبح التأجيل ضرورة مثبتة، فيجب أن تدفع المنظومة السياسية كلفة الالتزام به: جدول علني، وتقارير دورية، وضمانات للحريات، وقواعد تمنع تغيير الموعد بإرادة منفردة، ومشاركة مجتمعية تتجاوز اتفاق الفصائل. فالمواطن ليس شاهدا ينتظر ما تقرره القيادات بشأن حقه. وهو يستطيع تفهم صعوبة إجراء الانتخابات، لكنه يحتاج إلى دليل على أن الوقت الإضافي سيستخدم لتمكينه من التصويت. أما إذا كانت حصيلة المهلة مزيدا من التعيينات والاحتكار والمساومات، فإن التاريخ الجديد سيصبح غطاء لاستمرار الأزمة. الاختبار الحقيقي لأي تسوية هو أن تجعل وصول الفلسطيني إلى صندوق الاقتراع أقرب وأكثر يقينا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


