بن غفير والصوت العربي.. معركة إقصاء تصطدم بالمحكمة العليا

05.10.2026 09:38 AM

كتب إسماعيل  الريماوي: لم تكن محاولة إقصاء الأحزاب العربية من الانتخابات الإسرائيلية مجرد معركة قانونية حول أهلية حزب أو مرشح، بل تحولت إلى اختبار سياسي وقضائي واسع لحدود مشاركة المواطنين العرب في الحياة السياسية الإسرائيلية، عشية انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

في 23 سبتمبر/أيلول، صوّتت لجنة الانتخابات المركزية على منع القائمة العربية الموحدة «رَعَم» والقائمة المشتركة من خوض الانتخابات، كما قررت منع النائب عوفر كسيف وسامي أبو شحادة من الترشح ، وجاءت هذه القرارات بعد طلبات قدمتها جهات سياسية، كان من أبرزها حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي قاد حملة ضد ترشح أبو شحادة والقوائم العربية.
لكن المشهد انقلب في المحكمة العليا.
ففي 2 أكتوبر/تشرين الأول، ألغت المحكمة العليا بالإجماع قرار لجنة الانتخابات منع القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة من المشاركة في الانتخابات، معتبرة أن الأدلة المقدمة لا تستوفي المعايير القانونية اللازمة لإقصائهما من السباق ،  كما ألغت، بأغلبية سبعة قضاة مقابل اثنين، قرار منع عوفر كسيف من الترشح.
وهكذا، فشلت محاولة إقصاء القائمتين العربيتين، وبقي الصوت العربي حاضرًا في الانتخابات المقبلة.
لكن قضية سامي أبو شحادة أخذت مسارًا مختلفًا ،  فقد أبلغت المحكمة أن أغلبية القضاة تتجه إلى تأييد منعه من الترشح، على خلفية مقال كتبه بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ، أبو شحادة نفى أن يكون قد أيد الهجوم أو دعا إلى العنف، لكنه قرر الانسحاب من السباق بدل انتظار حكم قضائي قد يشكل سابقة قانونية أوسع.
وهنا تكمن أهمية القضية.
فالمحكمة لم تسمح بمنع القوائم العربية بصورة جماعية، لكنها في الوقت نفسه تركت قضية أبو شحادة دون حكم نهائي بعد انسحابه، وبالتالي تجنبت إصدار قرار قد يصبح سابقة في قضايا استبعاد المرشحين العرب في الانتخابات المقبلة.
ما حدث يكشف أن الصراع لم يكن على مقاعد الكنيست فقط، وإنما على تعريف حدود المشاركة السياسية للمواطنين العرب داخل الخط الاخضر ، فحين تصبح شرعية قائمة سياسية أو مرشح عربي موضوعًا متكررًا للطعن والإقصاء، فإن الانتخابات تتحول من منافسة بين البرامج والأحزاب إلى معركة حول من يحق له أصلًا أن يدخل السباق.
واللافت أن لجنة الانتخابات المركزية كانت قد استبعدت جميع القوائم العربية الرئيسية، بينما رفضت في اليوم التالي طلبات استبعاد أحزاب يهودية واجهت بدورها طعونًا أمام اللجنة، ومن بينها حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة بن غفير. وقد رفضت اللجنة طلبات منع الحزب من خوض الانتخابات.
وهذه المفارقة هي التي أعطت المعركة أبعادًا سياسية تتجاوز تفاصيل القانون الانتخابي.
فمن وجهة نظر خصوم الأحزاب العربية، فإن بعض مواقف وتصريحات قياداتها تستوجب الاستبعاد من العملية السياسية ، بينما تقول الأحزاب العربية والمدافعون عنها إن معيار الإقصاء يُستخدم بصورة انتقائية ضد التمثيل السياسي العربي، وإن الأدلة المقدمة لا تكفي لتبرير حرمان جمهور كامل من ممثليه.
ولا يمكن تجاهل أن المحكمة نفسها استخدمت معيارًا قانونيًا مختلفًا عن لجنة الانتخابات ، فقد أكدت، في ما يتعلق بالقائمتين العربيتين، أن شروط الإقصاء لم تتحقق ، وهذا يعني أن محاولة منع القوائم العربية لم تنتهِ بقرار سياسي، وإنما وصلت إلى أعلى هيئة قضائية في إسرائيل، التي أعادت القائمتين إلى المنافسة.
لكن إعادة القوائم إلى الانتخابات لا تعني انتهاء المعركة.
فالانتخابات المقبلة تجري في ظل حالة استقطاب سياسي حادة، وفي ظل تقارب في الحسابات البرلمانية بين المعسكرات الرئيسية ، وفي نظام يحتاج فيه تشكيل الحكومة إلى 61 مقعدًا، يمكن للمقاعد التي تحصل عليها الأحزاب العربية أن تصبح ذات أهمية في الحسابات الائتلافية، حتى إذا بقيت مسألة مشاركتها في أي حكومة مستقبلية موضع خلاف سياسي كبير ، وتشير استطلاعات حديثة إلى أن القوائم العربية يمكن أن تحصل على كتلة برلمانية مؤثرة في هذه الحسابات.
ومن هنا يمكن فهم سبب حساسية المعركة.
فالصوت العربي لا يُنظر إليه في هذه الانتخابات باعتباره مجرد أصوات إضافية، بل باعتباره كتلة يمكن أن تؤثر في موازين القوى داخل الكنيست، ولذلك فإن استبعاد القوائم العربية، لو تم تثبيته، كان سيغير ليس فقط شكل التمثيل العربي، وإنما أيضًا الحسابات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة.
لقد أراد بن غفير وحلفاؤه دفع المعركة نحو إقصاء الصوت العربي من ساحة الانتخابات، لكن المحكمة العليا أعادت القائمتين إلى السباق ، غير أن القضية كشفت في الوقت نفسه عمق الصراع حول مكانة المواطنين العرب وحدود مشاركتهم السياسية.
وبينما تستعد إسرائيل لصناديق الاقتراع، يبقى السؤال أكبر من أسماء المرشحين وعدد المقاعد: هل ستكون الانتخابات ساحة يتنافس فيها الجميع على أصوات المواطنين، أم ساحة يُحدد فيها أولًا من يحق له أن يكون موجودًا داخلها؟
قرار المحكمة أبقى القوائم العربية في الانتخابات، لكنه لم يُنهِ الجدل حول العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب، ولا حول المعايير التي يمكن استخدامها لمنع حزب أو مرشح من المشاركة السياسية.
وفي النهاية، فإن أخطر ما كشفته هذه المعركة ليس فقط محاولة منع قوائم عربية من خوض الانتخابات، بل حقيقة أن حق التمثيل السياسي نفسه أصبح موضوعًا للصراع الانتخابي .
وفي انتخابات قد تكون نتائجها شديدة التقارب، سيذهب المواطنون العرب إلى صناديق الاقتراع وهم يعرفون أن أصواتهم ليست مجرد رقم في صندوق، وإنما جزء من معركة سياسية وقانونية أوسع حول مكانهم في المشهد الإسرائيلي، وحول قدرتهم على التأثير في مستقبل الحكومة المقبلة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير