جهاد عبدو يكتب لوطن: الانتخابات الرقمية.. نافذة العبور فوق جدار الشتات والانسداد السياسي

20.09.2026 10:45 AM

 يتفق الجميع، دون استثناء، على أن الشارع الفلسطيني بجميع أماكن تواجده في الوطن والشتات يئنّ تحت وطأة لحظة فارقة في تاريخه الحديث؛ فنحن لا نواجه مجرد أزمة سياسية عابرة، بل نعيش خطرًا وجوديًا حقيقيًا يستهدف الأرض والزمان والهوية والتاريخ فوق أرض فلسطين. وفي خضم هذا الذبح الممتد والتطهير العرقي الذي يجري بوضح النهار، أضحى هناك إجماع شعبي شامل على أن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني عبر انتخابات عامة وشاملة لم يعد مجرد رفاهية ديمقراطية، بل هو مطلب وجودي وآلية لا بديل عنها لإنقاذ ما تبقى، بعدما غدا النظام السياسي بوضعه الراهن سببًا رئيسًا في استدامة هذا الشلل وتعميق المأساة.

غير أن المشهد اليوم يكشف عن فجوة عميقة بين الشغف الشعبي للتغيير وعجز القيادات والفاعلين السياسيين؛ فبينما تحاول جماعة الحكم استنباط آليات مثل "المجمعات الانتخابية" لترسيخ هيمنتها وإعادة إنتاج نفسها—بصرف النظر عن كون هذه الآلية ديمقراطية أم تعسفية ومضللة—تقف المعارضة عاجزة عن تقديم رؤية ناضجة وممكنة التطبيق.

تظهر هنا جليًا حدود أزمة الفكر التقليدي لدى المعارضة وفشلها في التأثير على قرار السلطة؛ فهي لا تملك تصورًا لآلية تناسب شعبًا مُشتتًا جغرافيا وسياسيًا وفي مرجعيات القرار. فتجد بعض أطراف المعارضة في بقعة معينة تتحدث عن إمكانية إجراء الانتخابات استنادًا إلى قوانين الدول المضيفة التي تسمح بذلك، متجاهلة واقعًا مريرًا مفاده أن دولًا كثيرة، وفي مقدمتها معظم إن لم يكن كل الدول العربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، لن تسمح أبدًا بآليات اقتراع سياسي تقليدي فوق أراضيها. وهنا يصطدم الجميع بصخرة الواقع القائم، نتيجة العجز عن التفكير خارج الأطر المألوفة.
أمام هذا الانسداد الكلي، نؤكد لكل مندفع للمشاركة في انتخابات تشريعية أو عامة بالأدوات التقليدية: أنتم تصطدمون بالجدار ولا مفر من التغيير الجذري.

الحل لن يأتي من تكرار الوصفات الفاشلة، بل من الانعطاف نحو التكنولوجيا الرشيدة. ومن خلال النقاشات المكثفة مع مجموعة كبيرة من خبراء التكنولوجيا والأمن السيبراني، يتضح أن إجراء انتخابات رقمية شاملة لكل أبناء الشعب الفلسطيني أينما وجدوا هو أمر ممكن تقنيًا وعمليًا وبأقل الموارد المالية واللوجستية مقارنة بالانتخابات التقليدية.
تتطلب هذه الخطوة تأسيس نظام رقمي رصين باستثمار لمرة واحدة يُقدر ببضعة ملايين من الدولارات، بدافع بناء "سيادة رقمية" فلسطينية تتجاوز حدود الجغرافيا والملاحقات والقيود الأمنية. وعبر استخدام تقنيات "البلوكشين" (Blockchain) والتشفير اللامركزي، نستطيع ضمان أقصى درجات النزاهة والشفافية وحماية أصوات المواطنين من التزوير أو الهيمنة، ولو كره السياسيون والمنتفعون من واقع الانقسام. إن التكنولوجيا تمنحنا اليوم القدرة على إنجاز التمثيل الوطني الحقيقي ليعبر عن الفلسطيني في المخيم، وفي غزة، والضفة، والقدس، والشتات، دون الحاجة لإذن من دولة مضيفة أو موافقة من سلطة مكبلة.
عزاؤنا لجهودكم الضائعة—معارضةً وولاةً—في الحوارات العقيمة والطرق المسدودة. إن الاختبار الحقيقي لصدق النوايا في إعادة السيادة للشعب يكمن في الشجاعة لتبني خيار الانتخابات الرقمية وتجاوز الأطر البائدة. فلا بديل عن نظام اقتراع رقمي يشارك فيه كل أبناء شعبنا، إذا كنا صادقين في البحث عن مخرج وطني حقيقي ينقذ الهوية والأرض من الاندثار.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير