برك سليمان.. ذاكرة الماء التي يغيّرها الاستيطان

19.09.2026 03:20 PM

كتبت: استبرق موسى

في جنوب بيت لحم، بين بلدتي أرطاس والخضر، تقف برك سليمان شاهدة على تاريخ طويل ارتبط بالماء والأرض وحياة الفلسطينيين، فيما تتغير ملامح المكان تدريجياً بفعل اعتداءات المستوطنين وتوسع الاستيطان المحيط به.

ثلاث برك ضخمة تتدرج في وادي أرطاس، يعود تاريخ البركتين العليا والوسطى إلى القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، فيما أضيفت البركة الثالثة في فترة لاحقة. وتشير المصادر التراثية إلى أن البرك كانت جزءاً من منظومة مائية متكاملة استمرت عبر عصور مختلفة، وتطورت خلال الحقبة الرومانية والفترات الإسلامية اللاحقة.

ولم تكن برك سليمان مجرد خزانات للمياه أو موقعاً أثرياً، بل شكّلت على مدار عقود جزءاً من الحياة الاجتماعية للفلسطينيين في بيت لحم والقرى المحيطة. كانت العائلات تقصدها للتنزه، ويأتي الأطفال للعب، فيما ارتبط المكان بالصيد وقضاء الوقت في الطبيعة، بين الأشجار والمياه والجبال التي تحيط بالوادي.

وتحمل البرك ذاكرة أقدم من ذاكرة الأجيال التي اعتادت ارتيادها؛ إذ كانت جزءاً من منظومة مائية واسعة تجمع مياه الينابيع القادمة من وادي العروب ووادي البيار، وتنقلها عبر قنوات باتجاه بيت لحم والقدس.

وبحسب اليونسكو، شكّلت منظومة مياه القدس المرتبطة ببرك سليمان أحد أكثر المشاريع المائية تطوراً في المنطقة، وامتدت قنواتها لعشرات الكيلومترات، واستمرت في تزويد القدس بالمياه لما يقارب ألفي عام.

وخلال الفترة الرومانية، ارتبطت البرك بشبكة من القنوات التي نقلت المياه إلى القدس وهيروديون، فيما شهد النظام المائي في العصور اللاحقة عمليات ترميم وتوسعة. وفي العهد العثماني، أعيد تأهيل المنظومة في عهد السلطان سليمان القانوني، لتُعرف البرك باسمه، قبل أن تشهد القنوات لاحقاً تطورات تقنية، وصولاً إلى استخدام الأنابيب والمضخات في نقل المياه إلى القدس مطلع القرن العشرين.

لكن برك سليمان اليوم تُقرأ من زاوية أخرى؛ زاوية الذاكرة التي تتقاطع مع واقع يفرض نفسه على المكان وسكانه.

فمع تكرار اعتداءات المستوطنين في المنطقة، وما يرافقها من شعور متزايد بالخوف وانعدام الأمان، تراجعت حركة الفلسطينيين إلى المكان، وتبدلت علاقتهم بجغرافيا كانت في وقت ما مساحة مفتوحة للقاء والراحة واللعب وصناعة الذكريات.

فالأماكن لا تتغير فقط بما يحدث فيها، بل أيضاً بما يحدث للناس الذين ارتبطوا بها. وبرك سليمان، بتاريخها الممتد لأكثر من ألفي عام، تختزن حكاية مكان كان جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين، قبل أن يبدأ الخوف بتغيير حضورهم فيه.

إنها حكاية الماء والأرض والذاكرة؛ حكاية مكان لا تزال تفاصيل الطفولة والحنين حاضرة فيه، رغم واقع الاحتلال والاستيطان الذي يواصل تغيير ملامحه.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير