غزة.. الموت المستمر حين يصبح وقف إطلاق النار مجرد كذبة

كتب اسماعيل جمعة الريماوي: في غزة، لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل توقفت الحرب؟ بل: هل توقف الموت؟ فبينما تتحدث السياسة عن وقف إطلاق النار، وتنتقل عناوين العالم من غزة إلى أزمات أخرى، يبقى الفلسطيني في القطاع عالقاً في حرب لم تنتهِ، وإن تغيرت أشكالها وأدواتها، فالموت في غزة لم يعد مرتبطاً فقط بصاروخ يسقط على منزل أو غارة تستهدف شارعاً، بل أصبح حاضراً في كل تفاصيل الحياة، في بيت متصدع قد ينهار فوق سكانه، وفي مستشفى عاجز عن توفير العلاج، وفي طفل يواجه الجوع والمرض، وفي عائلة نازحة تبحث عن سقف يحميها فلا تجد سوى مبنى أصابته الحرب وأصبح هو الآخر مهدداً بالسقوط.
وحتى في ظل اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استمرت الهجمات وسقوط الضحايا. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أُبلغ عن مقتل 1,358 فلسطينياً وإصابة 4,541 منذ إعلان وقف إطلاق النار وحتى مطلع سبتمبر/أيلول 2026، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، وفي أسبوع واحد فقط، بين الثاني والتاسع من سبتمبر، أُبلغ عن مقتل 35 فلسطينياً وإصابة 104 آخرين. وهكذا يصبح وقف إطلاق النار، بالنسبة للإنسان الغزي، سؤالاً لا تجيب عنه البيانات السياسية، لأن الواقع على الأرض يقول إن الرصاص والقصف والدمار لم تختفِ من حياته.
لكن أخطر ما في المشهد أن الحرب أصبحت تواصل قتل الفلسطيني حتى بعد توقف الضربة الأولى، ففي السادس عشر من سبتمبر انهار مبنى سكني متضرر من الحرب، كان يؤوي عائلات نازحة، فقتل 21 فلسطينياً بينهم أطفال، بينما تمكنت فرق الإنقاذ من إخراج 45 شخصاً من تحت الأنقاض، وسط نقص حاد في المعدات اللازمة لعمليات الإنقاذ، هنا يصبح الركام سلاحاً مؤجلاً، ويصبح المنزل الذي كان يفترض أن يكون مكاناً للحماية مصيدة للموت، ويصبح النازح أمام خيارين كلاهما مر: خيمة لا تحميه، أو مبنى متضرر قد ينهار في أي لحظة.
وهذا هو الوجه الذي لا يظهر دائماً في نشرات الأخبار، فالحرب لا تقتل فقط عندما تقصف، وإنما تقتل أيضاً عندما تدمر شروط الحياة ، أكثر من نصف سكان غزة يواجهون، وفق بيانات الأمم المتحدة، احتياجات مأوى حرجة أو كارثية، فيما يحتاج نحو 1.98 مليون شخص إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى والمواد الأساسية ، وفي ظل اقتراب موسم الأمطار، تصبح الخيام والمباني المتضررة والمناطق المكتظة خطراً إضافياً على حياة ملايين الفلسطينيين.
ثم يأتي الموت البطيء الذي لا تصنعه القنابل وحدها، فالأزمة الغذائية وإن شهدت تحسناً مقارنة بمراحل سابقة، ما زالت شديدة الهشاشة؛ وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة 67 في المئة من سكان القطاع، قد يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي عند مرحلة الأزمة أو أسوأ خلال النصف الثاني من عام 2026. وهذا يعني أن الجوع لم يغادر غزة، وأن مجرد وصول بعض المساعدات لا يعني أن الفلسطيني استعاد حقه الطبيعي في الغذاء والحياة الكريمة.
أما المستشفيات، فهي تخوض معركة أخرى من أجل البقاء، نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود وقطع الغيار لا يعني فقط تراجع مستوى الخدمات، بل يعني أن مرضاً كان يمكن علاجه قد يتحول إلى خطر حقيقي على حياة صاحبه، وتقول الأمم المتحدة إن النقص المستمر في الأدوية ومستلزمات غسيل الكلى والمعدات الطبية والأكسجين وغيرها من المواد الأساسية، إلى جانب القيود والتأخير في إدخال الإمدادات، يواصل تقويض قدرة القطاع الصحي على العمل، كما أن نقص زيت المحركات وقطع الغيار يهدد المولدات التي تعتمد عليها المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي وسيارات الإسعاف والخدمات الإنسانية.
وهكذا تتغير أشكال الموت في غزة، لكن النتيجة واحدة ، يموت الإنسان بالقصف، وقد يموت تحت الأنقاض، وقد يموت بسبب غياب العلاج، وقد يموت من آثار الجوع والمرض، وقد يعيش لكنه يفقد بيته وأسرته وأمانه ومستقبله ، وحتى من نجا من القصف لا يستطيع أن يشعر بأنه نجا فعلاً، لأن الحياة حوله ما زالت مدمرة، ولأن إعادة الإعمار لم تبدأ بالسرعة التي يحتاجها حجم الكارثة، ولأن ملايين الفلسطينيين ما زالوا يعيشون بين الركام والنزوح والخوف.
المأساة الأكبر أن العالم بدأ يتعامل مع الموت في غزة باعتباره خبراً متكرراً، ومع النازحين باعتبارهم رقماً، ومع الأطفال الذين يقتلون أو يصابون باعتبارهم إحصائية جديدة تضاف إلى إحصائيات الأمس، وهنا لا تصبح المشكلة في استمرار الحرب وحده، وإنما في اعتياد العالم عليها، فحين يصبح موت الفلسطيني خبراً عادياً، يصبح الصمت جزءاً من المأساة، وحين يصبح الركام مشهداً مألوفاً، يصبح السؤال الأخلاقي أكبر من مجرد سؤال عن السياسة والمفاوضات.
غزة لا تحتاج إلى وقف إطلاق نار على الورق فقط، وإنما إلى وقف حقيقي للموت بكل أشكاله ، تحتاج إلى أن تتوقف الهجمات، وأن يجد الجرحى العلاج، وأن تصل الأدوية والوقود والمساعدات، وأن تزال الأنقاض، وأن تعاد حماية البيوت والمستشفيات والمدارس، وأن يجد النازح مكاناً آمناً يعود إليه ، فالهدنة التي لا تمنح الإنسان الأمان ليست نهاية للحرب، ووقف إطلاق النار الذي لا يوقف سقوط الضحايا لا يمكن أن يكون نهاية للمأساة.
إن غزة اليوم تقف أمام العالم كاختبار حقيقي لمعنى القانون الدولي وحقوق الإنسان والضمير العالمي ، فليس المطلوب فقط أن يتوقف صوت الطائرات، وإنما أن تبدأ الحياة من جديد ، ليس المطلوب أن تتراجع عناوين غزة في وسائل الإعلام، وإنما أن تتراجع أعداد الضحايا على الأرض ، وليس المطلوب أن يقال إن الحرب انتهت، وإنما أن يستطيع الطفل في غزة أن ينام دون خوف من قصف أو انهيار سقف، وأن تستطيع الأسرة أن تأكل دون أن تبحث عن المساعدة، وأن يستطيع المريض أن يدخل مستشفى ويجد فيه دواءً وطبيباً وكهرباءً.
ففي غزة، لم يعد الموت حدثاً استثنائياً، بل أصبح نتيجة متراكمة لحرب دمرت المكان والإنسان وشروط الحياة ، ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى أمام العالم ليس متى انتهت الحرب في البيانات، وإنما متى يتوقف الموت فعلاً في غزة؟ لأن السلام الذي لا يعيد للإنسان حقه في الحياة ليس سلاماً، ووقف إطلاق النار الذي يترك شعباً كاملاً محاصراً بين الركام والجوع والمرض ليس نهاية للحرب، بل صورة أخرى من صور استمرارها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


