محمود كلّم يكتب لوطن: ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»

في صبرا وشاتيلا، لم يكن الموت وحده هو الفاجعة، بل كان على الناجين أيضاً أن يحملوا موتاهم، وأن يدفنوا أحباءهم بأيديهم، ثم يعودوا إلى بيوتهم محمّلين بذاكرة لا تجد من يواسيها.
كانت ميلانة بطرس ألها، المعروفة بـ«أم حسين البرجي»، واحدة من أولئك الذين خرجوا من المجزرة وهم يحملون أكثر مما تستطيع الروح احتماله. فقدت زوجها علي البرجي، وابنها قاسم، وابن سلفها علي ملحم البرجي. وحين عادت إلى المخيم، لم تجد عشرات الجثث الملقاة على جانبي الطريق فحسب، بل وجدت بين القتلى ابنها وزوجها.
تروي ميلانة ما رأته وما عاشته بعباراتها البسيطة، كما بقيت في ذاكرتها منذ ذلك اليوم. لا تتحدث من موقع المؤرخة، بل من موقع امرأة فقدت زوجها وابنها وقريبها، ثم دفنتهم على نفقتها الخاصة، ومضت سنوات طويلة وهي تقول: «بعد المجزرة، ما حدا واساني، ولا حدا سأل عني».
ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي)
لبنانية، مسيحية مارونية، من بلدة مزيارة، قضاء زغرتا، متزوجة من علي إبراهيم البرجي.
في المجزرة فقدت زوجي علي البرجي، مواليد 1937، وابني قاسم، مواليد 1967، وابن سلفي علي ملحم البرجي، مواليد 1968.
أنا من مواليد مزيارة سنة 1939، أي كان عمري يوم المجزرة نحو 43 سنة.
منزلنا تهدّم خلال الاجتياح، ودمّره طيران الاحتلال. وقبل المجزرة بيوم، كان الجيش اللبناني قد بدأ بإزالة الحواجز الموجودة في شوارع المخيمات وعلى مداخلها. أساساً ما كان في حدا، ما في فدائية، كلهم رحلوا إلى تونس والجزائر. وكان أحد عناصر الجيش من أقاربنا، فعملت له إبريق شاي، لكن فجأة انسحب الجيش اللبناني، ولا أعرف إلى أين ذهبوا. ثم جاء جنود الاحتلال.
يوم الخميس، وقبل وقوع المجزرة بوقت قليل، كانت هناك بنت صغيرة، عمرها حوالي 14 سنة، اسمها رجاء رمضان، فلسطينية، كانت تشرب الماء عند تمثال أبو حسن سلامة، عند أول مفرق صبرا. قتلها أحد جنود الاحتلال وهي تشرب الماء، وأطلق الرصاص على رأسها من مسافة قريبة جداً. قُتلت على الفور، ثم حملها عبد الرحمن الخطيب، الذي استشهد في المجزرة لاحقًا.
مساء الخميس 16/9/1982، بدأنا نسمع صوت الرصاص، فهربنا إلى ملجأ أبو ياسر. كان الرصاص غزيراً، حوالي الساعة السادسة إلا خمس دقائق مساءً، في اليوم نفسه.
وقف المسلحون على باب الملجأ وبدأوا يشتموننا، وصاحوا: «يا أبو مرهف».
طبعًا، أبو مرهف لا يعرفهم أبداً، وأبو مرهف هو جارنا، وقد قتلوه لاحقاً.
الذين دخلوا علينا كانوا من القوات اللبنانية، ومن قوات الدامور، ومن قوات سعد حداد، وكان جنود وضباط الاحتلال في كل مكان.
أنا لم أكن أعرف من هم المسلحون. في البداية اعتقدت أنهم من الجيش اللبناني، فقلت لهم: «الله يحميكوا، أنتم جيش لبناني».
بدأوا يشتمونني، ثم أخذونا إلى التلة المقابلة للسفارة التركية، وهي بجانب مقر الأمم المتحدة الآن، وغرب السفارة الكويتية.
كان حبيقة وشارون موجودين هناك، عند مدخل البناية، ومعهما مسلحون كثيرون. كنت أعرف شارون من التلفزيون ومن الأخبار.
قلت للمسلحين: «أنا لبنانية مسيحية مارونية».
فبدأوا يشتمونني وقالوا: «الآن صرتي مسيحية».
ثم أخذونا جميعاً إلى بكفيا، إلى مقر بشير الجميّل.
وهناك نظرت إلينا من شرفة البناية امرأة لا أعرفها، لكن الذين كانوا معي قالوا: «هذه زوجة بشير الجميّل، صولانج».
قالت هذه المرأة من البرندا (الشرفة) للمسلحين: «ردّوا النساء والأولاد وجيبوا لي رجال».
كان معنا ولد اسمه جمال الزيون، وكان عمره 16 سنة. أخذوه في بكفيا، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين. ولا أحد يعرف عنه شيئاً منذ يوم الخميس 16/9/1982، الساعة 11 ليلاً.
ثم جابونا إلى الأوزاعي، ويوم الجمعة تركونا هناك.
في الأوزاعي جابوا لنا عناصر القوات اللبنانية أكل لنا وللأولاد، فراريج وخبز وماء، لكن ما أكلنا.
يوم الجمعة 17/9/1982، حاولنا الدخول إلى المخيم، لكن جنود الاحتلال وعناصر القوات اللبنانية منعونا من الدخول، وكانوا مع بعضهم.
بقينا حتى صباح الأحد، ثم دخلنا المخيم.
عندما دخلت، شاهدت الذي ما شفته بحياتي. شاهدت عشرات الجثث على جانبي الشارع. وشاهدت ابني قاسم مقتولاً.
كانت البلطات والسكاكين على جانبي الشارع، وكلها دماء. فأخذت بلطة، ولا أعرف من أخذها مني بعد ذلك.
بعد المجزرة، ما حدا واساني، ولا حدا سأل عني.
حتى زوجي وابني وابن سلفي، دفنتهم على حسابي في مقبرة روضة الشهيدين. ونقلتهم على حسابي.
بعد محكمة بلجيكا، بدأ الجميع بالبحث عني.
دفنت ميلانة زوجها وابنها وابن سلفها بيديها، ثم عادت تحمل وحدها ما تبقّى من حياتها. رحلوا، وبقيت هي تحمل أسماءهم، ووجعهم، وذاكرة يومٍ لم تستطع السنوات أن تدفنه. انتهت المجزرة، لكن حزن ميلانة لم ينتهِ.
المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي)، حرش مخيم شاتيلا، جنوب بيروت، 19 آب/أغسطس 2002.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


