محمود كلّم يكتب لوطن: محمد سرور (أبو علي).. دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبرا وشاتيلا

19.09.2026 11:58 PM

 

في صفحات الذاكرة الفلسطينية، تبقى مجزرة صبرا وشاتيلا جرحاً مفتوحاً لا تطويه السنوات. وبين ركام البيوت وصرخات الناجين، تحمل شهادة محمد سرور (أبو علي) وجعاً شخصياً تحوّل إلى شهادة على فقدان الأب والإخوة، وعلى أيامٍ كان الموتُ فيها قريباً منه ومن أفراد أسرته.

إنها رواية إنسان عاش المأساة، وفقد أفراداً من أسرته، ثم عاد ليرى بأم عينيه آثار المجزرة في المخيم.

محمد سرور (أبو علي)،
فلسطيني من بلدة الناعمة قضاء صفد -فلسطين، مواليد 1962.

يوم الخميس 1982/9/16م وأثناء الغزو الصهيوني للبنان قامت قوات الاحتلال بمحاصرة مخيمي صبرا وشاتيلا، وفي تمام الساعة الخامسة وخمسة وثلاثون دقيقة قمت بالصعود إلى الطابق الثاني من منزلنا لأرى ما يحدث بعد أن كان القصف يسقط على أطراف المخيم، والقوات الصهيونية تتوجه إلى قلب العاصمة بيروت لاحتلالها ونزع سلاح قوات (المرابطون).

فشاهدت مجموعة من المقاتلين ويقدر عددهم بعشرة أشخاص وذلك من جهة المدينة الرياضية وكانوا يتوجهون باتجاه المخيم وهم بوضع قتالي ويحملون أسلحتهم، وعلى الفور نزلت من السطح وأخبرت أهلي بما رأيت فلم يصدقوني فقام أخي الأكبر أحمد وجارنا علي الموسى الذي كان موجود عندنا فصعدوا معي إلى الأعلى إلى سطح منزلنا فشاهدنا أن عدد المهاجمين يزداد فكانوا في هذه المرة حوالي ثلاثين مسلحاً.

نزلنا وأخبرنا والدي بذلك، فقال لنا: "اذهبوا أنتم فأنا رجل كبير ويدي مشلولة لا يقولون لي شيء أما أنتم فاذهبوا إلى مكان آمن".

فذهب أخي وجارنا علي الموسى وبقيت أنا، وما هي إلا لحظات حتى صعدت إلى سطح المنزل مرة ثالثة فشاهدتهم وهم كثر جداً هذه المرة ويصرخون ويطلقون الرصاص ولكن لم نسمع صوت الرصاص لأنهم كانوا يستخدمون رشاشات مزودة بكواتم للصوت وهذا كان واضحاً من تصرفاتهم وتحركاتهم التي كانت مصحوبة بالشتائم.

وعلى الفور قمتُ بإبلاغ والدي، فقال لي: "اذهب والحق بأخيك".

فقمت بمغادرة المنزل متوجهاً إلى داخل مخيم شاتيلا وبقي والدي ووالدتي وإخوتي الصغار في المنزل مع جارتنا ليلى زوجة الشيخ صالح المجذوب.

فتوجهت إلى المخيم من طريق شارع الدوخي فشاهدوني وقالوا لي وقف وَلهَ باللهجة اللبنانية ولكني تابعت ركضي باتجاه جامع مخيم شاتيلا وهم يطلقون عليّ الرصاص مع الشتائم.

فتوجهت إلى مبنى مستشفى غزة في صبرا حيث شاهدت عدداً كبيراً من سكان شاتيلا وصبرا والمحيط يتجمعون في هذا المكان، وخلال الليل أصبح شارع شاتيلا صبرا الرئيسي عرضة للقناصة الصهاينة فمكثت تلك الليلة في مبنى غزة.

وفي صباح اليوم التالي أي يوم الجمعة 17/9/1982 وحوالي الساعة السابعة صباحاً قمت بالتجول في محيط صبرا وتحديداً في محلة الدنا وكان برفقتي جارنا علي الموسى وفي طريق عودتنا إلى مبنى مستشفى غزة شاهدنا أحد أصدقاء والدي وهو لا يعرفني فقال لصديقي علي الموسى: "لا تذهب أو تحاول الدخول إلى مخيم شاتيلا فإن قوات الاحتلال والقوات اللبنانية تقوم بذبح الناس وبدون استثناء، وقال الآن جاءت زوجة صديقي أبو أحمد سرور وابنتها نهاد وهم مصابتان فقاموا بقتل زوجها وأولادها".

وعلى الفور توجهت إلى مستشفى غزة وعند المدخل شاهدت أخي أحمد ولكنه أدار ظهره لي عندما شاهدني فعندئذ علمت بأن والدي قتل مع إخوتي.

فسألته: "هل الكلام الذي سمعته صحيح؟".

فقال لي: "اذهب إلى قسم الطوارئ واسأل أمي فإنها هناك".

فتوجهت إلى قسم الطوارئ فشاهدتها والدموع تغطي وجهها وعندما لمحتني حاولت بأن تمسح الدموع وتظهر بمظهر عدم المبالاة.

فسألتها: "أين أبوي وأين ماهر وسعاد وباقي إخوتي؟".

فقالت لي: "بأن والدك وإخوتك قُتلوا جميعاً باستثناء ماهر وإسماعيل فإني قمت بوضعهم عند جارتنا أم أحمد عودة حيث هم بخير وأن أختك سعاد تركناها في المنزل لأنها مصابة إصابة خطرة في ظهرها فحاولنا أن نرفعها ولكننا لم نستطع، فقلت لها: "ابقي هنا حتى نذهب ونحضر لك إسعافاً وإذا رجعوا مرة ثانية فتظاهري بأنك ميتة".

فجئنا إلى المستشفى، ولكن ليس في اليد حيلة.

فسألتها: "في أي وقت قاموا بإطلاق النار عليكم؟".

فقالت: "الساعة الخامسة من صباح هذا اليوم، أي يوم الجمعة 17.09.1982.

فبقينا في مستشفى غزة حتى عصر يوم الجمعة فسمعنا قوات الاحتلال

تنادي بمكبرات الصوت: "سلم تسلم"، وكانوا يدعون الناس إلى الاستسلام والتجمع في مبنى المدينة الرياضية فبعض الناس ذهبوا للاستسلام والبعض الآخر غادر المنطقة إلى مكان آخر آمن.

فقلت لوالدتي: "يجب علينا أن نذهب إلى منزل خالتي في الحمرا، حيث هناك المكان يبقى أكثر أمناً".
فقالت لنا اذهبوا أنتم وأنا سألحق بكم، حيث أني لا أستطيع السير كما تسيرون أنتم لأنها كانت مصابة في يدها وكتفها وخاصرتها وأيضاً كانت أختي نهاد مصابة في يدها وكتفها أيضاً.

فذهبت أنا وأخي أحمد وجارنا علي الموسى إلى الحمرا.

ويوم السبت علمنا بأن قوات الاحتلال انسحبت من المخيم ودخلت سيارات الصليب الأحمر والدفاع المدني لإجلاء المصابين والجثث من الشوارع والمنازل.

فقمت بالمغامرة، وتوجهت إلى شاتيلا من جهة الطريق الجديدة. دخلت إلى المخيم، فرأيت عشرات الجثث في الشوارع وعلى أطرافه، حيث الجثث والمنازل المدمرة فوقها لإخفائها.

ورأيت أيضاً إحدى النساء وقد تعرضت للتشويه مع طفلها الرضيع المقتول فوق صدرها.

وتوجهت إلى منزلنا، فقمت أنا وابن عمي أبو وائل وعمي المرحوم أبو محمد بنقل جثة والدي وإخوتي ودفناهم في مقبرة الشهداء في أرض جلول وأيضاً قمت بمساعدة رجال الدفاع المدني.

إن مجزرة صبرا وشاتيلا ستبقى وصمة عار على جبين الإنسانية.

رحل عدد من أفراد أسرته، وبقي محمد سرور (أبو علي) يحمل في ذاكرته وجع تلك الأيام ومرارتها. دُفنت جثث أحبائه تحت تراب مقبرة الشهداء، لكن ذكراهم لم تُدفن؛ بقيت حاضرةً في قلبه وذاكرته، شاهدةً على مأساةٍ تركت في الروح جرحاً لا يندمل، وألماً لا تُطفئه السنوات؛ مأساةً ظلّت تفاصيلها عالقةً في ذاكرته، وفي ذاكرة كل من عاشها، وكأنها حدثت بالأمس.

المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع محمد سرور (أبو علي)، مخيم شاتيلا، جنوب بيروت، 27 نيسان/ابريل 2002.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير