هارون بشاره* يكتب لوطن: الشارع الفلسطيني يبحث عن خيار ثالث.. أين تقف القوى التقدمية؟

16.09.2026 12:49 PM

 يتزايد في الشارع الفلسطيني شعور جارف بالإنهاك والاستقطاب، يرافقه بحث دؤوب عن أفق سياسي وميداني جديد يتجاوز الثنائية التقليدية التي هيمنت على المشهد لسنوات طويلة. في ظل التحديات المصيرية والوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية، لم يعد البحث عن "خيار ثالث" مجرد رفاهية فكرية أو مساجلة سياسية بين النخب، بل تحول إلى ضرورة شعبية ملحة تعبر عن نبض الشارع وتطلعه لنظام سياسي أكثر فاعلية، وأقدر على تمثيل الناس والاستجابة لمتطلبات صمودهم اليومي على الأرض.

تنعكس هذه الضرورة الشعبية بوضوح في نتائج استطلاعات الرأي العام المتعاقبة، والتي ترصد تراجعاً كبيراً وطردياً في شعبية القطبين التقليديين طرفي الانقسام، إلى جانب اتساع الفجوة وتنامي حالة عدم الثقة بالخيارات المكرسة. إن تراجع ثقة الشارع بهذه الأطر السائدة لا يعبر فقط عن حالة من العزوف، بل يمثل في جوهره دليلاً ناصعاً على تشكّل فراغ سياسي واسع يبحث عن بديل؛ مما يفتح نافذة فرصة تاريخية وغير مسبوقة لبناء كتلة شعبية وسياسية ثالثة تلبي طموح هذا الجمهور العريض المنادي بالتغيير.
غير أن تشكيل هذه الكتلة لا يمكن أن يتأتى عبر تسويات فوقية، بل يتطلب فهم أسباب التفكك البنيوي الذي أضعف المجتمع الفلسطيني طوال العقدين الماضيين. لقد كان هذا الإنهاك حصاداً مباشراً لسياسات نيوليبرالية نهجت تسليع الخدمات الأساسية، وعمّقت الفوارق الطبقية، وجردت المجتمع الفلسطيني من شبكات التضامن الاجتماعي التكافلية التي كانت تمثل عصب الصمود الميداني. يرافق ذلك تكريس فاقع للفجوة بين المركز والأطراف؛ حيث رُكزت السياسات والموارد والقرارات في المراكز الحضرية، بينما طُمشت الأرياف والمخيمات والمناطق المتاخمة للجدّار والاستيطان، لتتحول الأطراف إلى مساحات هامشية تدفع الفاتورة الأكبر من النضال والمعاناة دون أن تنال حقها من التنمية والتمثيل الشفاف.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القوى التقدمية — وفي مقدمتها أطراف اليسار، ومؤسسات المجتمع المدني، والحراكات الشبابية والمستقلين — تبدأ من إعادة الاعتبار لهذه الطبقات المهمشة. إن القوة الثالثة المنتظرة يجب أن تبنى كشجرة راسخة تتغذى جذورها من تربة الحاضنة الشعبية والعمق العربي، وتضع إعادة التوازن بين المركز والأطراف في صلب مشروعها التحرري والاجتماعي. لا يمكن صياغة مشروع وطني جامع دون التحلل من النهج النيوليبرالي الذي نهك الطبقات الكادحة، ودون الانحياز الصريح والكامل للعمال، والمعلمين، والمزارعين، وسكان المخيمات والأغوار وقرى مناطق التماس.
وحين نأتي إلى التخطيط وإدارة المستقبل، فإن الشارع الذي أُرهق من الإدارة العشوائية والوعود الشفهية، يتطلع إلى العقول الوطنية المعرفية والكفاءات العلمية الشابة من أبناء هذا الشعب. إن استدعاء طاقات التخطيط العلمي والمهني المستقل يسهم في تحويل المبادئ النضالية إلى خطط صمود ملموسة، تضمن الاعتماد على الذات، وتدير الموارد بكتلة مناعية ضد الفساد والمحسوبية، وتسعى لتأسيس اقتصاد إنتاجي تعاوني يعيد ربط المواطن بأرضه وموارده البيئية والمائية والغذائية لحمايتها من القرصنة والاستنزاف.
ولا يكتمل هذا البناء إلا بفتح الفضاء المدني وترسيخ الحريات العامة، فمفهوم المواطنة، وسيادة القانون، وحرية التعبير، والرقابة الشعبية الصارمة على مؤسسات الحكم هي الضمانة الوحيدة لمنع إعادة إنتاج التفرد بالقرار أو الهيمنة الفصيلية.
إن الشارع الفلسطيني بعث برسالته الأوضح عبر استطلاعات الرأي وموقفه الميداني الصريح: إن الوقت قد حان لفتح أفق جديد يُنهي حالة الارتهان والجمود. والفرصة اليوم قائمة أمام القوى التقدمية والمجتمع المدني والمستقلين لالتقاط هذه اللحظة، عبر بناء خيار ثالث يستمد مشروعيته من الأطراف والمهمشين قبل المركز، ليكون مسار إنقاذ وطني حقيقي يضع التأسيس لغدٍ أكثر عدلاً وحرية على سكة التنفيذ.

* كاتب وباحث في السياسات العامة

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير