بيت إكسا.. قرية تُحاصَر من الخارج وتُفكَّك من الداخل عبر البؤر الاستيطانية

15.09.2026 02:09 PM

رام الله - وطن للأنباء: أقام مستوطنون، اليوم الثلاثاء، بؤرة استيطانية جديدة على أراضي قرية بيت إكسا شمال غرب القدس المحتلة، في منطقة خربة العلاونة، لتكون البؤرة الثانية التي تُقام في القرية خلال أربعة أشهر فقط.

ويعيش سكان بيت إكسا في موازاة ذلك أزمة أعمق وأكثر إيلاما تتمثل في نظام تصاريح أمني خانق حوّل القرية إلى ما يشبه "السجن الفعلي"، على حد تعبير نائب رئيس البلدية إياد عبد الوهاب.

من خيمة إلى بنية تحتية.. كيف بدأت البؤرة الجديدة؟

وكشف عبد الوهاب في حديث لوطن، تفاصيل بدء إقامة البؤرة الجديدة، موضحا أن سكان القرية فوجئوا في ساعات الصباح الأول بانطلاق العملية، التي بدأت بخيمة نصبها مستوطنون في الموقع، قبل أن تتطور سريعا إلى أعمال حفر وتجهيزات داخلها، بحماية مباشرة من جيش الاحتلال الذي كان متواجدا منذ اللحظات الأولى.

وأضاف أن الأعمال استمرت لاحقا، ووُضعت قواعد وبنى خرسانية في الموقع، فيما شرعت جرافة وآلية، منذ 26 نيسان/أبريل، بشق طريق يمتد من الجهة الشرقية وصولا إلى البؤرة الجديدة، إلى جانب طريق آخر في المنطقتين الجنوبية والشرقية من القرية، بما يمهد، بحسب عبد الوهاب، لتوسيع الموقع الاستيطاني والسيطرة على مزيد من أراضي بيت إكسا.

وشدد عبد الوهاب على أن ما يجري لا يقتصر على نصب خيمة أو نقطة محدودة، بل يترافق مع أعمال تجريف وشق طرق وتحضيرات ميدانية متكاملة، تؤشر جميعها إلى مشروع استيطاني متواصل في محيط القرية، لافتا إلى أن البؤرة الاستيطانية الأولى في المنطقة بدأت قبل نحو عشر سنوات بمستوطن واحد وعائلته، قبل أن تتوسع تدريجيا لتضم اليوم مساحات كبيرة ومواقع وبنى مختلفة، وباتت البؤرة الجديدة تشكل امتدادا طبيعيا لهذا التوسع التاريخي.

أراضٍ تتقلص من 13 ألف دونم إلى 650 فقط

وأوضح عبد الوهاب أن المنطقة التي يجري فيها التوسع الاستيطاني الجديد تقع على مسافة تقارب كيلومترين من القرية، محذرا من أن السيطرة عليها تشكل خطرا مباشرا على الأراضي المحيطة، خصوصا أن الموقع يشرف على مساحات واسعة ويؤثر في مصادر المياه والأراضي الزراعية. وكشف عن الحجم الحقيقي للنزيف الذي تتعرض له أراضي بيت إكسا عبر عقود، موضحا أن مساحة أراضي القرية كانت تقدر بنحو 13 ألف دونم، ولم يتبق منها اليوم سوى نحو 650 دونما فقط، بعد أن صادر الاحتلال مساحات واسعة منها وأقام عليها المستوطنات، معتبرا أن البؤر القائمة والجديدة تأتي في إطار استمرار السيطرة على ما تبقى من أراضي القرية.

وأكد أن الجهات المحلية تحركت فور بدء إقامة البؤرة الجديدة، عبر التواصل مع الارتباط الفلسطيني المدني والعسكري، والاستعانة بمحامٍ لمتابعة القضية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، إلى جانب محاولات ميدانية لمنع الجرافات من مواصلة أعمالها ووقف التوسع في الموقع، مستندة في ذلك إلى تجربة سابقة مع البؤرة الأولى التي حاولت البلدية إزالة آثار شق الطرق والتجريف فيها.

"منطقة تماس".. حين يتحول السكن إلى تصريح

غير أن المعضلة الأعمق التي كشف عنها عبد الوهاب لا تتعلق بالتوسع الاستيطاني وحده، بل بمنظومة إدارية عسكرية خانقة فرضها الاحتلال على القرية منذ منتصف عام 2025، حين باتت بيت إكسا تخضع لنظام "منطقة تماس"، بموجب قانون دخل حيز التنفيذ في العام نفسه. ويعني هذا التصنيف عمليا أن دخول المنطقة العسكرية لم يعد مسموحا إلا لسكانها، وأن مجرد حمل الهوية الفلسطينية لم يعد كافيا للدخول، بل بات يتطلب تصريحا خاصا يُفحص عند الحواجز عبر بطاقة يقدمها السكان لجنود الاحتلال، وفي حال انتهاء صلاحيتها أو عدم وجودها يُمنع الشخص من الدخول أو الخروج بالكامل.

وأوضح عبد الوهاب أن نحو ألفي شخص من سكان القرية جرى تجديد تصاريحهم في مرحلة أولى، فيما بقي نحو 500 شخص يواجهون مشكلات في هذا الملف، قبل أن تُجدد التصاريح لاحقا لنحو 400 منهم، بينما ظلت مجموعة كبيرة دون تصاريح سارية. وأشار إلى أن مجموعة من الشبان، بدأت بنحو 30 شخصا، واجهت مشكلة في الدخول إلى القرية، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 33 شابا أُلغيت تصاريحهم ومُنعوا من دخول بيت إكسا، تمكن واحد منهم فقط لاحقا من العودة، فيما بقي البقية عالقين خارج قريتهم.

عشرون يوما خارج المنزل.. وتشييع لم يُسمح به

ومن بين القصص التي رواها عبد الوهاب توضيحا لحجم المعاناة اليومية، حالة شاب اضطر للانتظار نحو 20 يوما كاملة خارج القرية دون أن يتمكن من العودة إلى منزله، رغم أن الأمر يتعلق بحياته ومستقبله وعمله، في سن يحتاج فيها عادة إلى الخروج بحثا عن فرصة عمل أو مستقبل أفضل، لكنه لا يستطيع المخاطرة بذلك خشية عدم قدرته على العودة لاحقا. وتؤكد إفادات سكان أخرى امتداد هذه المعاناة إلى تفاصيل إنسانية أكثر إيلاما، إذ مُنع أحد أبناء القرية من الدخول إليها للمشاركة في تشييع جثمان والده، رغم أن عنوان سكنه الرسمي مسجل في بيت إكسا نفسها.

وشدد عبد الوهاب على أن هذه السياسة لا تؤثر في الأفراد فقط، بل تنعكس مباشرة على الأسر والعائلات بأكملها، إذ يجد السكان أنفسهم أمام خيار قاسٍ: البقاء داخل القرية دون مغادرتها إطلاقا، أو الخروج لتلبية احتياجات العمل والدراسة والحياة اليومية مع خطر حقيقي بعدم التمكن من العودة. وأوضح أن هذه التصاريح باتت ضرورية حتى لأبسط الاحتياجات، من شراء المواد الغذائية إلى تلقي الرعاية الصحية وزيارة الأطباء، مستشهدا بمثال دال على ذلك تمثل في اضطرار روضة الأطفال الوحيدة في القرية للإغلاق لمدة يومين كاملين بسبب عدم توفر تصاريح سارية للكوادر العاملة فيها، فيما يواجه المركز الصحي مشكلة مماثلة في تجديد تصريح الطبيب المسؤول عنه، وهو ما يؤثر مباشرة على قدرة السكان على الحصول على الرعاية الطبية.

وفيما يخص آخر التطورات، أشار عبد الوهاب إلى أن نحو 100 شخص من قائمة أخيرة واجهوا أيضا مشكلات في تصاريحهم، قبل أن تُحل مشكلة غالبيتهم خلال إجراءات استمرت من منتصف الليل حتى ساعات الفجر، فيما بقيت مشكلة عدد من الأشخاص الآخرين معلقة دون حل حتى الآن.

زراعة معطّلة وأراضٍ يصعب الوصول إليها

ولم تقتصر تداعيات هذه القيود على حركة السكان وخدماتهم الأساسية، بل امتدت لتطال قطاع الزراعة الذي يشكل مصدر رزق رئيسيا لكثير من العائلات في القرية. وأوضح عبد الوهاب أن أهالي بيت إكسا كانوا قبل تشديد الإجراءات يتنقلون بحرية في الأراضي الزراعية والمناطق المفتوحة المحيطة بالقرية، ويستفيدون منها للزراعة والتنزه، خصوصا خلال فصل الربيع، إلا أن التوسع الاستيطاني والإجراءات العسكرية المشددة حدّا بشكل كبير من قدرتهم على الوصول إلى هذه المناطق، في ظل وجود مسلح يفرضه الاحتلال حول البؤر الاستيطانية يمنع الفلسطينيين من الاقتراب منها حتى عند محاولتهم الوصول إلى أراضيهم الخاصة أو الاعتناء بأشجار الزيتون.

وقال عبد الوهاب إن الفلسطيني الذي يحاول الوصول إلى أرضه قد يجد نفسه مباشرة أمام مستوطنين أو جنود احتلال، ما يجعل الوصول إلى الأراضي الزراعية أمرا شديد الصعوبة رغم ملكيتها الفلسطينية الموثقة. وأكد أن الموسم الزراعي في القرية تراجع بشكل ملحوظ نتيجة هذه القيود، إذ كان الأهالي يعتاشون من زراعة الخضروات، كما تأثرت مواسم فواكه أساسية مثل البرقوق والكرز والمشمش بسبب تعذر الوصول إلى الأراضي ومتابعتها بانتظام. وأشار إلى أن البلدية تعمل حاليا مع جهات الارتباط المختصة لتحديد المناطق التي يمكن الوصول إليها بأمان، ومحاولة فتح طرق أو مسارات بديلة للمزارعين، خصوصا مع اقتراب المواسم الزراعية المقبلة.

"عزل مركّب".. حين تصبح القرية مهددة من الخارج والداخل معا

وتقع بيت إكسا على بعد نحو 9 كيلومترات من القدس، وقد بقيت خارج جدار الفصل العنصري، وهو ما دفع الاحتلال إلى إقامة حاجز عسكري على مدخلها الوحيد لتقييد دخول غير سكانها إليها. ومنذ عام 2005، صنّفت سلطات الاحتلال القرية، إلى جانب النبي صموئيل وحي الخلايلة وجزء من بلدة الجيب، ضمن ما يُعرف بـ"منطقة تماس"، قبل أن تتصاعد القيود بشكل حاد خلال العام الماضي مع فرض نظام التصاريح الصارم، الذي مُنع بموجبه نحو 33 مواطنا من الحصول على تصاريحهم بحجة "المنع الأمني"، فيما تشير إفادات السكان إلى أن نحو 70 مواطنا واجهوا هذه المشكلة منذ بدء تطبيق النظام. ومع انتهاء صلاحية دفعات لاحقة من التصاريح، اتسعت دائرة الممنوعين مؤخرا لتشمل نحو 250 مواطنا لم تُجدَّد تصاريحهم، فيما تقدّر البلدية أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات يطال نحو 500 شخص عند احتساب أفراد عائلات الممنوعين أنفسهم.

ويقول سكان القرية إن إجراءات الاحتلال لا تستند في كثير من الأحيان إلى مبررات أمنية واضحة أو مقنعة، معتبرين أن الهدف الحقيقي منها هو دفعهم تدريجيا إلى مغادرة قريتهم. ويلفتون إلى أن سلطات الاحتلال تستند في بعض حالات المنع إلى "ملفات أمنية" قديمة تعود إلى اعتقالات سابقة، رغم أن بعض هؤلاء السكان أنفسهم كانوا قادرين على الدخول والخروج من القرية بحرية طوال سنوات ماضية، بما في ذلك خلال فترة الحرب على قطاع غزة، قبل أن تُشدد القيود عليهم فجأة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تحركت بلدية بيت إكسا عبر قنوات الارتباط المدني الفلسطيني والارتباط العسكري للاحتلال، ووكّلت محاميا لمتابعة القضية أمام القضاء، فيما ينتظر عشرات السكان حاليا مسارا قانونيا جماعيا للطعن في قرارات المنع الصادرة بحقهم.

ولا تقتصر مخاوف الأهالي والبلديين على الجانب الحركي والمعيشي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وديموغرافية أعمق، خصوصا مع تسبب هذه السياسات في فصل فعلي لأفراد العائلات عن بعضهم، ومنع بعض الأزواج أو الأبناء من العودة إلى منازلهم داخل القرية. ويرى سكان ومسؤولون محليون أن ما يجري في بيت إكسا يمثل شكلا من "العزل المركّب": فبعد أن عُزلت القرية جغرافيا عن محيطها الطبيعي بفعل الحاجز والتصنيف الأمني، بات جزء من سكانها اليوم مهددين بالعزل حتى عن منازلهم الخاصة داخل القرية نفسها.

وختم عبد الوهاب حديثه بالتأكيد على أن ما يجري في بيت إكسا لا يقتصر على إقامة بؤرة استيطانية جديدة بمعزل عن سياقها، بل يترافق مع منظومة متكاملة ومتعمدة من القيود تطال الحركة والعمل والتعليم والصحة والزراعة في آن واحد، وهو ما يجعل حياة السكان أكثر صعوبة يوما بعد يوم، ويهدد بشكل مباشر قدرتهم على الاستمرار في البقاء داخل قريتهم. وأكد أن البلدية ستواصل متابعة قضية البؤرة الجديدة قانونيا وميدانيا، بالتوازي مع التواصل المستمر مع الجهات الفلسطينية المختصة، في محاولة لوقف أعمال التجريف وشق الطرق، ومنع تحويل الموقع الجديد إلى مستوطنة دائمة، في ظل مخاوف مستمرة من استمرار هذا التوسع والسيطرة على ما تبقى من أراضي بيت إكسا.

 

تصميم وتطوير