هديل ياسين تكتب لوطن: إيران بين العقوبات والدبلوماسية: عندما تتحول الشعوب إلى رهائن في صراع القوى الكبرى

29.08.2026 09:10 AM

 في المشهد المتوتر الذي يحيط بإيران، تبدو المعادلة السياسية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بين واشنطن وطهران حول العقوبات أو الملف النووي أو النفوذ الإقليمي. فإيران تؤكد أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الضغوط والعقوبات الأمريكية، وفي الوقت ذاته تترك الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية والتفاوض، بينما تواصل الولايات المتحدة استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي باعتبارها وسيلة لدفع طهران نحو تغيير سلوكها في ملفات تعتبرها واشنطن مرتبطة بالأمن الإقليمي والدولي. وبين هذين المسارين، أي التصعيد والضغط من جهة، والحوار والدبلوماسية من جهة أخرى، تتشكل أزمة أكبر تتجاوز الحكومات إلى المجتمعات، لأن نتائج المواجهة لا تتوقف عند مكاتب المسؤولين وصالات المفاوضات، بل تمتد إلى حياة ملايين المواطنين الذين يجدون أنفسهم يدفعون كلفة صراع لم يختاروه ولم يقرروا مساره.

المشكلة الأساسية في العقوبات الاقتصادية أنها غالباً ما تقدم سياسياً باعتبارها بديلاً عن الحرب العسكرية، وكأن غياب الصواريخ والقنابل يعني بالضرورة غياب الأضرار الإنسانية. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالعقوبات الحديثة لا تستهدف فقط المؤسسات الحكومية أو القيادات السياسية، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى النظام المصرفي والتجارة والاستثمار وأسواق العمل وأسعار السلع وسلاسل الإمداد والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا والمواد الأساسية. وعندما يصبح الاقتصاد بأكمله تحت ضغط مستمر، فإن المواطن العادي يصبح جزءاً من دائرة التأثير، حتى لو لم يكن له أي دور في القرارات التي أدت إلى الأزمة. وهنا تتحول العقوبات من مجرد أداة في العلاقات الدولية إلى قضية ذات أبعاد إنسانية وقانونية، لأن السؤال لم يعد فقط حول مدى قدرة العقوبات على الضغط على الحكومة الإيرانية، وإنما حول حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه بالمجتمع، وما إذا كان هذا الضرر متناسباً مع الهدف السياسي المعلن.

ومن منظور القانون الدولي، لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول. فميثاق الأمم المتحدة وضع إطاراً واضحاً لتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية، وأكد في المادة الثانية جملة من المبادئ الأساسية، من بينها المساواة في السيادة بين الدول والالتزام بالوفاء بالتعهدات الدولية وحل النزاعات بالوسائل السلمية. كما تؤكد المادة الثالثة والثلاثون أهمية التفاوض والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية وغيرها من الوسائل السلمية عندما تكون النزاعات من النوع الذي يمكن أن يؤدي استمراره إلى تهديد السلم والأمن الدوليين. وهذه المبادئ تكتسب أهمية خاصة في الحالة الإيرانية، لأن استمرار المواجهة بين طهران وواشنطن لا يمثل أزمة ثنائية مغلقة، وإنما يرتبط بمنطقة شديدة الحساسية، تمتد تداعياتها إلى الخليج والشرق الأوسط وأمن الطاقة والأسواق العالمية والعلاقات الدولية.

لكن الإشكالية القانونية الأكثر حساسية تتعلق بالعقوبات التي تفرضها دولة بصورة أحادية خارج إطار العقوبات التي يعتمدها مجلس الأمن. فهناك فرق بين التدابير التي يتخذها مجلس الأمن في إطار صلاحياته بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبين العقوبات الأحادية التي تفرضها دولة أو مجموعة دول استناداً إلى قوانينها الوطنية أو سياساتها الخارجية. وهذا الفرق لا يعني تلقائياً أن كل عقوبة أحادية غير مشروعة، لكنه يفتح نقاشاً قانونياً واسعاً حول حدود الاختصاص، وعدم التدخل، والآثار العابرة للحدود، ومدى توافق التدابير الاقتصادية مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان. ولذلك فإن اختزال المسألة في عبارة "العقوبات حق سيادي للدول" لا يكفي لإنهاء النقاش، كما أن القول بأن كل عقوبة هي بالضرورة انتهاك للقانون الدولي يمثل تبسيطاً آخر. القضية تحتاج إلى فحص طبيعة العقوبات، وأهدافها، وآثارها، ومدى ارتباطها بالتزامات دولية محددة، وحجم الضرر الواقع على المدنيين.

ومن هنا يبرز العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة حماية الإنسان في الأزمات الدولية. فالحق في الصحة، والحق في العمل، والحق في مستوى معيشي ملائم، والحق في التعليم، كلها حقوق لا ينبغي أن تتحول إلى ضحايا جانبية للصراع السياسي. صحيح أن الحكومات تتحمل مسؤولية مباشرة عن إدارة اقتصادها وحماية مواطنيها، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الأطراف الخارجية عن تقييم النتائج الإنسانية لسياساتها. فإذا كانت العقوبات تؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف العلاج أو صعوبة الحصول على بعض الأدوية أو تراجع فرص العمل أو إضعاف القدرة الشرائية للأسر، فإن تجاهل هذه النتائج باسم الضغط السياسي يمثل مشكلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها بمجرد القول إن العقوبات تستهدف الحكومة وليس الشعب.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات السياسية وضوحاً في السياسة الدولية: العقوبات التي يفترض أن تغير سلوك الحكومات قد تؤدي أحياناً إلى نتائج مختلفة تماماً. فعندما يشعر المواطن بأن بلاده تتعرض لعقاب خارجي، قد يتراجع اهتمامه بالخلافات السياسية الداخلية، ويصبح الخطاب القومي أكثر حضوراً، وقد تجد الحكومة نفسها قادرة على تقديم الأزمة باعتبارها مواجهة بين الدولة وخصومها الخارجيين. وفي هذه الحالة قد لا تؤدي العقوبات إلى إضعاف النظام السياسي كما يتوقع واضعوها، بل قد تمنحه فرصة لإعادة تنظيم الخطاب الداخلي حول فكرة التهديد الخارجي، وفي المقابل، تتحمل الطبقات الفقيرة والمتوسطة جانباً كبيراً من الكلفة الاقتصادية، بينما قد تمتلك الفئات الأكثر ارتباطاً بمراكز القوة وسائل أفضل للتكيف مع الأزمة. ولذلك فإن السؤال السياسي الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت العقوبات تؤلم، بل من الذي تؤلمه فعلاً، وما إذا كان الألم الاقتصادي يتحول إلى ضغط سياسي على صانع القرار أم إلى عبء اجتماعي يقع أساساً على المواطنين.

التجربة الدولية تؤكد أن العقوبات لا تعمل دائماً بالطريقة التي يتوقعها واضعوها. فقد تكون فعالة في بعض الحالات عندما تكون محددة الهدف، ومصحوبة بقنوات تفاوضية واضحة، وقابلة للرفع في حال تغير السلوك المطلوب، لكنها تصبح أكثر إشكالية عندما تتحول إلى سياسة مفتوحة بلا أفق سياسي واضح. فالعقوبات التي لا تحدد طريقاً للخروج قد تتحول إلى حالة دائمة من العقاب الاقتصادي، بينما تحتاج أي استراتيجية ضغط ناجحة إلى تحديد العلاقة بين الضغط والنتيجة السياسية. وإذا كانت الرسالة الموجهة إلى طهران هي أن العقوبات ستستمر بغض النظر عن نتائج المفاوضات، فإن ذلك يضعف الحافز على التفاوض، لأن الطرف المستهدف قد يصل إلى قناعة بأن تقديم التنازلات لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الضغط.

وفي المقابل، لا يمكن أن تكون إيران خارج دائرة المسؤولية. فالتعامل مع الملف الإيراني من منظور حقوقي وقانوني لا يعني تبرئة الحكومة الإيرانية من سياساتها الداخلية أو الخارجية، ولا يعني تجاهل الملفات المرتبطة بالحريات العامة أو حقوق الإنسان أو السياسة الإقليمية أو البرنامج النووي. فالدولة تتحمل مسؤولية حماية حقوق مواطنيها، وضمان سيادة القانون، وإدارة مواردها بما يخدم المجتمع، والالتزام بتعهداتها الدولية. كما أن الحكومة الإيرانية مطالبة بإدراك أن استخدام خطاب المقاومة والسيادة لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة المشكلات الداخلية، وأن مواجهة الضغوط الخارجية لا تعفي السلطة من مسؤوليتها تجاه شعبها. وبالمقابل، فإن مواجهة السياسات الإيرانية لا ينبغي أن تعني معاقبة المجتمع الإيراني بأكمله.

وهذا هو جوهر المشكلة: في كثير من الأحيان تختلط الدولة بالحكومة، والحكومة بالشعب، والقرار السياسي بالمواطن. بينما الواقع أن هذه كيانات مختلفة تماماً. المواطن الإيراني ليس هو الحكومة الإيرانية، كما أن المواطن الأمريكي ليس هو السياسة الأمريكية. المواطن لا يضع العقوبات، ولا يقرر البرنامج النووي، ولا يرسم السياسة الخارجية، ولا يحدد طبيعة التحالفات الإقليمية. ومع ذلك فإنه غالباً ما يكون أول من يتأثر بنتائج تلك القرارات. ومن هنا فإن أي سياسة دولية جادة يجب أن تميز بين استهداف مراكز القرار وبين تحميل المجتمع بأكمله ثمن الخلاف السياسي.

أما الحديث عن إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً، فيجب ألا يكون مجرد تكتيك إعلامي. الدبلوماسية الحقيقية تعني أن هناك استعداداً للوصول إلى تسوية، حتى لو كانت الطريق إليها طويلة ومعقدة. والمفاوضات الناجحة لا تقوم فقط على تبادل المطالب، وإنما تحتاج إلى بناء حد أدنى من الثقة، وتحديد المصالح المتبادلة، ووضع ضمانات واضحة، وتحديد ما الذي يمكن لكل طرف أن يقدمه وما الذي يريد الحصول عليه. وفي الحالة الإيرانية، فإن استمرار قنوات الحوار يمكن أن يكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن البديل عن التفاوض ليس بالضرورة اتفاقاً أفضل، بل قد يكون مزيداً من التصعيد، وزيادة احتمالات الخطأ في الحسابات، وارتفاع تكلفة المواجهة على المنطقة بأكملها.

وتكمن أهمية الدبلوماسية أيضاً في أنها تتيح معالجة الملفات المتعددة بصورة تدريجية بدلاً من محاولة حلها كلها دفعة واحدة. فالملف النووي، والأمن الإقليمي، والعقوبات، وأمن الملاحة والطاقة، والعلاقات الأمريكية الإيرانية، كلها ملفات مترابطة لكنها ليست بالضرورة ملفاً واحداً. وقد يكون من الممكن بناء تفاهمات جزئية حول بعض القضايا حتى مع استمرار الخلاف حول قضايا أخرى. فالسياسة الدولية ليست دائماً لعبة "كل شيء أو لا شيء"، والدول التي تمتلك خلافات عميقة تستطيع في بعض الأحيان الوصول إلى تفاهمات محدودة تمنع انهيار العلاقة بالكامل. وفي هذا السياق، فإن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة قد يكون بحد ذاته أداة لمنع سوء الفهم والتصعيد غير المقصود.

لكن الدبلوماسية لن تنجح إذا بقيت محكومة بمنطق القوة وحده. فالضغط قد يجلب الطرف الآخر إلى طاولة المفاوضات، لكنه لا يستطيع وحده بناء اتفاق مستقر. الاتفاقات الدولية تحتاج إلى درجة من الثقة وإلى شعور

الأطراف بأن مصالحها الأساسية لن تُستهدف بمجرد توقيع الاتفاق. وإذا كان كل اتفاق يمكن أن ينهار مع تغير الحكومة أو تغير الظروف السياسية، فإن الحافز على تقديم تنازلات يصبح ضعيفاً. ولهذا فإن أي تسوية مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة تحتاج، إلى جانب الشروط السياسية، إلى آليات واضحة للتحقق والتنفيذ والرفع التدريجي للعقوبات، بحيث لا يبقى الاتفاق مجرد إعلان سياسي قابل للانهيار عند أول أزمة.

وتبقى مسألة ازدواجية المعايير واحدة من أخطر القضايا التي تهدد مصداقية النظام الدولي. فالشعوب لا تنظر فقط إلى النصوص القانونية، بل تنظر إلى كيفية تطبيقها. وعندما ترى أن بعض الدول تواجه عقوبات وضغوطاً هائلة بسبب سياسات معينة، بينما تُعامل دول أخرى بصورة مختلفة رغم وجود أفعال أو سياسات مثيرة للجدل، فإن الثقة بالقانون الدولي تتراجع. المشكلة هنا ليست فقط في موقف دولة من إيران أو الولايات المتحدة، وإنما في صورة النظام الدولي ككل. فإذا كان القانون الدولي يريد أن يحتفظ بمكانته، فلا بد أن تكون قواعده قابلة للتطبيق بصورة متسقة، وأن تكون حقوق الإنسان معياراً ثابتاً لا يتغير بحسب التحالفات السياسية.

لقد أصبح مفهوم النظام الدولي القائم على القواعد من أكثر المفاهيم استخداماً في الخطاب السياسي المعاصر، لكن التحدي الحقيقي ليس في تكرار العبارة، بل في إثباتها عملياً. النظام القائم على القواعد لا يمكن أن يكون نظاماً يسمح بتطبيق القواعد عندما تكون ملائمة، وتجاهلها عندما تصبح مكلفة سياسياً. كما أن احترام القانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائياً، لأن الانتقائية تخلق شعوراً لدى الدول والشعوب بأن القوة هي المعيار الحقيقي، وأن القواعد ليست سوى غطاء للمصالح. وعندما يضعف الإيمان بالقواعد، تصبح احتمالات التصعيد أكبر، لأن الأطراف تبدأ في الاعتقاد بأن الأمن لا يمكن تحقيقه إلا عبر امتلاك مزيد من القوة والقدرة على الردع.

ومن هذه الزاوية، فإن الأزمة الإيرانية تمثل اختباراً حقيقياً للنظام الدولي. فهي تختبر قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع دولة قوية إقليمياً من دون دفع المنطقة نحو حرب شاملة، وتختبر قدرة الولايات المتحدة على استخدام الضغط من دون تحويل العقوبات إلى سياسة مفتوحة النهاية، وتختبر قدرة إيران على حماية مصالحها من دون دفع الأوضاع إلى مواجهة أوسع، كما تختبر قدرة المؤسسات الدولية على أداء دور الوسيط عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. وفي كل هذه الحالات، يبقى المدنيون هم الحلقة الأكثر هشاشة، لأنهم لا يملكون أدوات القرار ولا وسائل التأثير التي تملكها الحكومات والجيوش والمؤسسات المالية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح استمرار الأزمة هدفاً بحد ذاته. عندما تتحول العقوبات من وسيلة للوصول إلى تسوية إلى سياسة دائمة، وعندما يتحول التصعيد إلى لغة سياسية معتادة، وعندما يصبح التفاوض مجرد مرحلة مؤقتة بين جولة وأخرى من الضغوط، فإن المنطقة تدخل في دائرة استنزاف طويلة. هذه الدائرة لا تنتج بالضرورة انتصاراً لأحد، لكنها تنتج اقتصاداً أكثر هشاشة، ومجتمعات أكثر توتراً، وعلاقات دولية أكثر عدائية، وبيئة إقليمية أكثر قابلية للانفجار.

ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء مفهوم الضغط السياسي أو تجاهل المخاوف الأمنية التي تطرحها الدول بشأن إيران، وإنما إعادة تعريف الهدف من الضغط. إذا كان الهدف هو الوصول إلى اتفاق يضمن الأمن ويحد من المخاطر، فيجب أن تكون العقوبات جزءاً من مسار تفاوضي واضح، لا بديلاً عن التفاوض. وإذا كان الهدف هو تغيير سلوك الحكومة الإيرانية، فيجب أن يكون هناك معيار واضح لقياس هذا التغيير، وخطوات مقابلة يمكن أن تؤدي إلى تخفيف العقوبات. أما إذا كان الهدف غير المعلن هو إنهاك الدولة والمجتمع معاً، فإن ذلك يفتح الباب أمام أزمة أخلاقية وقانونية وسياسية أكبر بكثير من الخلاف الأصلي.

إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مواجهة جديدة تُضاف إلى قائمة أزمات الشرق الأوسط، بل يحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة التسوية السياسية. فالقوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام مستقر. والعقوبات قد تضغط على اقتصاد دولة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة اتفاق سياسي. والتهديد قد يدفع الخصم إلى التراجع في لحظة، لكنه قد يدفعه في لحظة أخرى إلى مزيد من التشدد. أما الدبلوماسية، رغم بطئها وصعوبتها، فهي تظل المسار الذي يسمح بتحويل الصراع من معركة مفتوحة إلى تفاوض حول المصالح.

القضية الإيرانية ليست مجرد خلاف حول العقوبات، وليست مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل هي صورة مصغرة للصراع الأوسع على شكل النظام الدولي نفسه: هل سيكون العالم محكوماً بمنطق القوة أم بمنطق القواعد؟ هل ستكون العقوبات أداة مؤقتة للوصول إلى تسوية أم وسيلة دائمة لإخضاع الخصوم؟ وهل تستطيع الدول أن تختلف سياسياً وأمنياً من دون أن تحول الشعوب إلى ساحات لتصفية الحسابات؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تخص إيران وحدها. إنها تخص النظام الدولي بأكمله. فحين تصبح الشعوب هي التي تدفع ثمن الخلافات بين الحكومات، يصبح القانون الدولي أمام اختبار حقيقي. وحين تُغلق أبواب

الدبلوماسية، لا يبقى أمام الأزمات سوى التصعيد. أما عندما تبقى قنوات الحوار مفتوحة، ويصبح الضغط مرتبطاً بمسار سياسي واضح، وتوضع حقوق المدنيين في قلب الحسابات، فإن فرص الوصول إلى تسوية تصبح أكبر.

المطلوب اليوم ليس مزيداً من العقوبات لمجرد إثبات القوة، ولا مزيداً من التصعيد لمجرد إرسال الرسائل، وإنما سياسة واقعية تجمع بين حماية الأمن واحترام القانون وتقليل الكلفة الإنسانية. فإيران ليست مجرد ملف على طاولة القوى الكبرى، والشعب الإيراني ليس رقماً في معادلة العقوبات، والمنطقة ليست مساحة مفتوحة لتجارب القوة. وإذا كان العالم يريد فعلاً منع الحرب، فعليه أن يدرك أن الطريق إلى السلام لا يبدأ دائماً من ساحات القتال، بل يمكن أن يبدأ من طاولة التفاوض، ومن الاعتراف بأن الخصوم السياسيين، مهما بلغت خلافاتهم، يبقون قادرين على الوصول إلى تسويات عندما تصبح كلفة الصراع أكبر من كلفة التنازل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح السياسة الخارجية ليس مقدار الألم الذي تستطيع دولة أن تسببه لخصمها، وإنما قدرتها على تحويل الضغط إلى حل، والخلاف إلى تفاوض، والتصعيد إلى تسوية، وحماية الإنسان من أن يصبح مرة أخرى الضحية الأسهل في صراعات لا يملك قرارها

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير