«لماذا يكرهوننا؟ .. والعالم يجيب: اسألوا هيروشيما وغزة وإيران»

كتب خالد نزال: في 11 سبتمبر 2001، انهار البرجان ليس فقط كمبنيين، بل كرمز لصورة أمريكا التي ظنت نفسها محصّنة. وسرعان ما خرج سؤال "لماذا يكرهوننا؟" صاغه فريد زكريا في نيوزويك، وركّز على "فشل" العرب الداخلي متجاهلًا الحقيقة الأكبر: أن الكراهية ليست لما تمثله أمريكا من قيم، بل لما تفعله. هنا يجب التفريق الجوهري: نحن لا نكره الشعب الأمريكي، بل نكره النظام الذي يسرق حريته ويورطه، واللوبي الصهيوني والحركات الدينية المتطرفة التي تسخّره. وهذا النظام واللوبي في أفول واضح، بدليل استيقاظ الشارع الأمريكي تدريجيًا.
هذا المقال هو الرد على سؤال أمريكا ونظرية فوكو ياما معًا وما يجري من تداعيات في الشرق الاوسط واستهدافاها لكل نظام لا يسير في فلكها .
الفصل الأول: الجذور — من سايكس-بيكو إلى بلفور
لم تبدأ القصة مع أمريكا. فاتفاقية سايكس-بيكو (1916) قسّمت المنطقة بالمشرط الاستعماري البريطاني-الفرنسي، ثم جاء وعد بلفور (1917) ليمنح "وطنًا قوميًا لليهود" في فلسطين متجاهلًا سكانها الأصليين. هاتان الوثيقتان شهادة ميلاد صراع لم ينتهِ، التقطت أمريكا رايته لاحقًا ضمن مشروع نخب لا مشروع شعوب.
الفصل الثاني: هيروشيما — إرهاب الدولة
في أغسطس 1945، ألقت أمريكا قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي رغم أن اليابان كانت تتفاوض على الاستسلام بالفعل. لم تكن القنابل ضرورية لهزيمة اليابان، بل كانت رسالة إرهاب إلى الاتحاد السوفيتي، رغم اقتراح مستشاري ترومان بتفجيرها في الصحراء. اختارت أمريكا المدنيين لتؤكد: نحن من يقرر من يحيا ومن يموت.
الفصل الثالث: نهاية التاريخ — أسطورة تبرير
أعلن فوكوياما (1992) انتصار الليبرالية ونهاية الصراعات، لكن نظريته كانت أيديولوجية تشرعن الهيمنة، واعتبرت العالم الإسلامي "استثناءً" غير صالح للديمقراطية. سبقه المسيري (1972) بنقد هذا الفكر. وقد تراجع فوكوياما نفسه لاحقًا معترفًا باحتمال "الانحلال السياسي". التاريخ لم ينتهِ — بل استمر يُكتب بدماء الشعوب.
الفصل الرابع: استراتيجية التفكيك
بعد الحرب الباردة، تحولت أمريكا إلى تفكيك المنطقة ومنع أي وحدة سياسية إسلامية عبر:
• دعم الحركات الانفصالية (كرد العراق في السبعينيات).
• تغذية الصراعات الطائفية (مشروع "التفكيك" من عهد كارتر).
• احتواء القومية العربية (مبدأ أيزنهاور).
النتيجة: مليون قتيل عراقي في ثلاث حروب، واحتلال أفغانستان 20 عامًا، وأكثر من 1700 غارة على اليمن، ومقتل مليوني شخص وتشريد 37 مليونًا في الشرق الأوسط حسب تقارير موثقة.
الفصل الخامس: إسرائيل — حجر الزاوية
منذ 1948، إسرائيل رأس حربة أمريكي لحماية مصالحها. في حرب غزة:
• 21.7 مليار دولار مساعدات عسكرية بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025.
• 17.9 مليار دولار في السنة الأولى وحدها — الأعلى تاريخيًا.
• إجمالي الإنفاق الأمريكي على المنطقة 31-34 مليار دولار.
خلاصة "اسرائيل لم تكن لتخوض حرب غزة دون الدعم الأمريكي"، و"شريك في الإبادة". لكن هذا دعم النظام واللوبي، لا الشعب.
الفصل السادس: الفيتو — صمت الضمائر
في 18 سبتمبر 2025، عُقدت الجلسة رقم 10,000 لمجلس الأمن. صوّتت 14 دولة لوقف إطلاق النار في غزة. الوحيدة المعترضة: الولايات المتحدة — للمرة السادسة. كلمات مندوب الجزائر كانت لائحة اتهام: "اغفروا لنا.. لأن هذا المجلس لم يستطع إنقاذ أطفالكم — أكثر من 18,000 طفل قتلتهم إسرائيل".
ومع ذلك، الاستطلاعات تظهر أن غالبية الشعب الأمريكي تؤيد وقف إطلاق النار.
الفصل السابع: الانقلاب على المؤسسات الدولية
• العراق 2003: غزو دون تفويض أممي — وصفه كوفي عنان بـ"غير القانوني".
• لبنان: خرق القرار 1701 برعاية أمريكية، واستهداف اليونيفيل.
• إيران — "مطرقة منتصف الليل": ضربات يونيو 2025 على منشآت نووية دون أي سند قانوني. خبراء الأمم المتحدة: "تنتهك أكثر القواعد الأساسية للنظام العالمي منذ 1945" و"تطبيع للعدوان العنيف".
الفصل الثامن: الشرق الأوسط الجديد — تفكيك ممنهج
مشروع يهدف لتقسيم الدول القوية إلى دويلات متناحرة. كشفه الكولونيل بيترز بخريطة 2006، وتجلى في عهد ترامب بخرائط تظهر غزة والضفة كأراضٍ إسرائيلية وتهديدات بمضيق هرمز. الهدف: منع أي مشروع سياسي إسلامي موحد، وفرض "فوضى بناءة".
لكن الشعوب بدأت تستفيق، والقوى الإقليمية تتحرر، واللوبي يفقد قبضته.
الفصل التاسع: أفول اللوبي والحركات الدينية
حركة المقاطعة (BDS)، الاحتجاجات الطلابية غير المسبوقة، الإعلام البديل، وكسر جدار الصمت — كلها مؤشرات على تآكل نفوذ اللوبي الصهيوني. الشعب الأمريكي يرى التناقض بين "الديمقراطية وحقوق الإنسان" وبين الإبادة الممولة بضرائبه. الحركات الدينية المتطرفة تفقد مصداقيتها، والصراع الحقيقي انكشف: شعوب تريد الحرية ضد أنظمة استعمارية تريد الهيمنة.
الخاتمة: الإجابة التي لا يريدون سماعها
نحن لا نكره الشعب الأمريكي — بل نكره النظام الذي يسرقه ويورطه. أمريكا تُكره لأنها:
• ألقت قنابل ذرية على مدن مأهولة بعد بدء مفاوضات الاستسلام.
• موّلت بـ21.7 مليار دولار آلة حرب تمحو غزة واستخدمت الفيتو ست مرات.
• ضربت إيران دون تفويض وأدانها خبراء الأمم المتحدة.
• مولت الحركات الانفصالية والطائفية لمنع الوحدة.
• ورثت سايكس-بيكو وبلفور وواصلت الحلم الاستعماري.
• انقلبت على مؤسساتها الدولية التي أسستها.
لكن البشائر تلوح: اللوبي يفقد قبضته، الشعب الأمريكي يستيقظ، الإعلام البديل ينتشر، والمقاومة تتصاعد. أما "نهاية التاريخ" فقد انتهت هي نفسها — فالتاريخ يُكتب كل يوم بدماء الشهداء وصمود الشعوب.
فلا تسألوا: "لماذا يكرهوننا؟"
بل اسألوا: "متى سنتوقف عن فعل ما يجعلهم يكرهوننا؟"
"الكراهية التي تتحدث عنها أمريكا ليست موجهة ضد الشعب الأمريكي، بل ضد النظام الذي يسرقه ويورطه. إنها ابنة شرعية لهيروشيما، وغزة، وإيران، وسايكس-بيكو، وبلفور، وانتهاك قرارات الأمم المتحدة. لكنها أيضًا بشير أفول هذا النظام، وبداية عصر جديد لا مكان فيه للهيمنة والاستعمار."
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



