يونس العموري يكتب لوطن: ما وراء القول الفصيح والصريح في حضرة الاقوال

وكان ان قال في حضرة الاقوال في غابر الازمان ، والازمان هنا لها علاقة ب الامس والغد وربما اليوم .. والقول الفصيح قد يكون صريح لما يُسمح في ظل خربشات معايير الكلام الصادر عن الباب العالي .. وكان القول هذه المرة عن الانتخابات، لكنه لم يكن عن الانتخابات وحدها، وهذه هي الحكاية التي فهمها البعض ولم يفهمها البعض الاخر، او ربما فهمها الجميع، لكن كل واحد فهم منها ما يناسب موقعه من الحكاية. فالانتخابات حين تذكر في بلادنا لا تظل في حدود الصندوق والورقة والمرشح والناخب، وانما تفتح ابوابا اخرى اكثر اتساعا، ابوابا على السلطة، وعلى الشرعية، وعلى من يملك حق رسم الطريق الى الغد، وعلى من سيكون له مقعد في الصف الاول حين تنتهي مرحلة ويبدأ الحديث عن مرحلة اخرى. ولهذا لم تمر الكلمات كما تمر الكلمات العابرة. كانت اقرب الى حجر القى في ماء راكد، لا لان الحجر كبير، بل لان الماء كان ينتظر منذ زمن شيئا يحركه. وما ان وقعت العبارة حتى ارتفعت دوائرها في كل اتجاه، وصار لكل دائرة تفسيرها، ولكل تفسير صاحبه، ولكل صاحب حسابه القديم والجديد.
قال صاحب المعادلات ما قاله، وكان يمكن للكلام ان يمر لو كان صاحبه رجلا عاديا، او لو كانت اللحظة عادية، او لو كان الحديث عن انتخابات في بلد لا تزال السلطة فيه مجرد وظيفة يتناوب عليها الناس كما يتناوبون على مقعد في مجلس بلدي. لكنه لم يكن كذلك. فصاحب القول من اولئك الذين جلسوا طويلا في مطبخ القرار، وعرفوا كيف تصنع القرارات قبل ان تصل الى موائد الناس، وعرفوا كيف تتحول الهمسة في الغرفة المغلقة الى بيان في اليوم التالي، وكيف يمكن لعبارة صغيرة ان تفتح طريقا لاسم، وان تغلق الطريق امام اسم اخر. ولهذا، فان من قرأ كلامه باعتباره حديثا عن الانتخابات فقط، ربما كان قد قرأ السطر الاول وترك بقية الصفحة. فالذي قيل عن الانتخابات كان، في وجه اخر، كلاما عن من يملك حق الحديث عن المرحلة القادمة. ومن يملك حق ان يكون حاضرا حين يبدأ الحديث الجدي عن اليوم الذي يلي اليوم. ومن يملك حق ان يقول للمتربع على العرش .. نحن هنا ايضا، ولسنا مجرد اسماء في قائمة طويلة من الذين ينتظرون اشارة من فوق. وهنا يصبح الكلام اكثر وضوحا. فثمة اصحاب مواقع يستطيعون ان يصمتوا سنوات، ثم يكتشفون ان الصمت لم يعد فضيلة حين يشعرون ان قطار المستقبل قد يتحرك من المحطة من دون ان يجدوا مقاعدهم داخله. وعندها لا يعود السؤال .. هل نؤيد الانتخابات ام نعارضها؟ بل يصبح .. من سيكتب قواعد اللعبة؟ ومن سيكون شريكا في كتابتها؟ ومن سيجد نفسه، حين تفتح ابواب المرحلة الجديدة، واقفا خارج القاعة يسال عن بطاقة الدخول؟ ولذلك كان في التصريحات شيء من الاعتراض، حتى لو لم يرد فيها اسم المتربع على العرش، وشيء من النقد، حتى لو لم ترفع الاصابع في وجه حاشية الباب العالي، وشيء من تسجيل الحضور، كما لو ان صاحب المعادلات يقول للذين يكثرون من الجلوس حول المائدة .. لا تجعلوا كثرة الجالسين توهمكم ان المائدة ملك لكم وحدكم.
وهذا ما التقطه الذين كانوا يريدون ان يلتقطوه. فمنهم من قرأ الكلام على انه محاولة للاقتراب من الشارع في لحظة بدأت فيها صورة المستقبل الفلسطيني تتشكل من جديد. ومنهم من قرأه على انه اعتراض على الطريقة التي تدار بها الامور داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالباب العالي. ومنهم من ذهب ابعد، فرأى فيه بداية معركة هادئة على ما بعد العرش، او على الاقل محاولة مبكرة لتثبيت المواقع قبل ان يصبح السؤال عن الخلافة سؤالا علنيا لا يستطيع احد ان يهرب منه. وهنا لا يعود ذكر الانتخابات بريئا تماما. فالانتخابات التشريعية اصبح لها موعد معلن في الثامن والعشرين من نوفمبر، فيما جرى الحديث عن انتخابات رئاسية في الربع الاول من العام المقبل. وفي الوقت نفسه، جرى ترتيب البيت الداخلي لحركة فتح عبر مؤتمرها الثامن وانتخابات لجنتها المركزية ومجلسها الثوري. وما معنى هذا كله؟ معناه ببساطة ان ساعة الرمل قد قلبت. ربما لم ينته الزمن القديم، لكنه لم يعد مطمئنا الى انه باق كما هو. وربما لم يبدأ الزمن الجديد بعد، لكنه صار يطرق الباب بصوت يسمعه من في الداخل والخارج. وعندما يشعر اصحاب القرار ان الزمن يتحرك، يبدأ كل واحد منهم في حساب خطواته. من يقترب؟ من يبتعد؟ من يعلن موقفا؟ من يترك موقفه مبهما؟ من يرفع صوته؟ من يختار الصمت؟ ومن يقرر ان الوقت قد حان ليقول للناس شيئا كان يؤجل قوله منذ سنوات؟ وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الكلمات اكثر اهمية من اصحابها. لان صاحب الموقع لا يقول فقط ما يريد ان يقوله، بل يقول ايضا ما يريد للناس ان يعرفوه عن موقعه. وهذه واحدة من اكثر لعب السياسة دهاء.
ان تقول .. انا مع الانتخابات، بينما يعرف من حولك انك تقول ايضا .. انا مع حقي في ان اكون جزءا من المرحلة القادمة. ان تنتقد طريقة ادارة المشهد، بينما لا تحتاج الى القول صراحة انك تعترض على من يدير المشهد. ان تتحدث عن المؤسسات، بينما الرسالة في مكان اخر .. لا يجوز ان يختصر مستقبل الحركة او السلطة او المشروع الوطني في دائرة ضيقة من المستشارين والاصدقاء والمقربين. وهنا تحديدا جاءت ردود الفعل. بعضها خرج من مؤيدين وجدوا في الكلام ما يشبه كسر حاجز الصمت، خصوصا اولئك الذين يشعرون ان المشهد السياسي الفلسطيني ظل زمنا طويلا محكوما بمعادلات ثابتة ووجوه ثابتة ودوائر قرار شبه مغلقة. وبعضها جاء من خصومه، وهؤلاء لم يروا في الامر بطولة سياسية، بل محاولة مبكرة لحجز مكان في الصف المقبل، او رفع سعر سياسي في سوق بدأ يستعد لمزاد الخلافة. وبين هؤلاء واولئك، كان هناك من قال .. صاحب المعادلات يريد موقعه، ومن حقه ان يريد موقعه، لكن السؤال ليس ماذا يريد صاحب المعادلات، بل ماذا تريد البلاد. وهذا سؤال جميل، لكنه في السياسة الفلسطينية ليس سهلا كما يبدو. لان من يريد موقعه يقول عادة انه يريد خدمة البلاد، ومن يريد البلاد يقول ان عليه ان يعرف اولا من يريد موقعه ومن يريد خدمتها. وبين الجملتين يمكن ان تضيع اجيال كاملة وهي تبحث عن الفارق بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية. ولعل صاحب المعادلات يعرف ذلك اكثر من غيره. فهو ليس وافدا جديدا على هذه اللعبة، ولا شخصا ظهر فجأة من خلف الستارة. هو واحد من الذين عرفوا كيف تمشي الامور، وكيف تصنع التحالفات، وكيف تتحرك الملفات، وكيف يقال الكلام في الغرف المغلقة بلغة، ثم يقال للناس بلغة اخرى.
ولهذا فان ظهوره بهذه النبرة في هذه اللحظة لا يمكن فصله عن اللحظة نفسها. فاللحظة تغيرت. والمتربع على العرش يقف امام مرحلة مختلفة عن كل المراحل السابقة. والحركة نفسها دخلت مؤتمرا وانتخابات داخلية، والسلطة دخلت حديث الانتخابات العامة، والمجلس الوطني على موعد انتخابي معلن، والرئاسة نفسها دخلت الى اجندة العام المقبل. كل ذلك يعني ان سؤال ( ماذا بعد؟ ) لم يعد ترفا سياسيا. لقد بدأ يتحول الى سؤال يومي داخل النخبة الفلسطينية. وصاحب الموقع الذي يتأخر في هذا السؤال قد يجد ان الاخرين اجابوا عنه نيابة عنه. وهذه، ربما، هي عقدة المسألة. فلا احد يحب ان يكون خارج الغرفة حين توزع الاوراق. ولا احد من صناع القرار يحب ان يستيقظ ذات صباح فيجد ان القرار الذي كان يشارك في صناعته صار يصنع من دونه. ومن هنا يمكن فهم النبرة. انها ليست بالضرورة قطيعة مع الباب العالي، وليست بالضرورة تمردا عليه، لكنها بالتأكيد ليست مجاملة له ايضا. هي نبرة تقول ..انا موجود. وصاحب القرار الذي يقول ( انا موجود ) في وقت كهذا لا يقولها عبثا. انه يذكر الجميع بماضيه، وبموقعه، وبما يملكه من اوراق، وبقدرته على الحركة، وبعلاقاته داخل الحركة وخارجها، وبقدرته على ان يكون طرفا في المعادلة لا متفرجا عليها. وقد يكون هذا هو الجزء الاهم في القصة كلها.
فالمعركة على الخلافة، اذا كانت قد بدأت فعلا، فلن تبدأ بالاعلان عن نفسها. لن يخرج احد ليقول .. بدأت المعركة. هذا النوع من المعارك لا يحب الضوء في بدايته. يبدا بعبارة هنا. وموقف هناك. وانتقاد محسوب. وتقارب محسوب اكثر. واسم يظهر في مناسبة. واسم يغيب عن اخرى. ومجموعة من الاصوات تقول فجاة ان المرحلة تحتاج الى دم جديد. ومجموعة اخرى تقول ان الخبرة لا تعوض. ثم يكتشف الناس بعد شهور ان المعركة كانت قد بدأت يوم قال احدهم جملة ظنها الجميع عابرة. ولذلك، فان قراءة التصريحات بوصفها مجرد اختلاف على الانتخابات قد تكون قراءة سطحية. الانتخابات هي الواجهة. اما خلف الواجهة، فهناك سؤال السلطة الفلسطينية، وسؤال فتح، وسؤال منظمة التحرير، وسؤال من يمكن ان يكون مقبولا داخل البيت وخارجه، وسؤال من يستطيع ان يمسك العصا من وسطها دون ان تكسر في يده. وهناك ايضا سؤال الباب العالي نفسه. ليس فقط بوصفه صاحب العرش اليوم، بل بوصفه الرجل الذي ما زال يمسك بخيوط كثيرة في الحركة والسلطة والمنظمة، في وقت كان فيه الحديث عن تجديد المؤسسات وترتيب المرحلة المقبلة حاضرا بقوة.
ولهذا، فان كل كلمة تخرج من صاحب موقع بهذا المستوى تصبح قابلة لان تكون رسالة مزدوجة. رسالة للناس. ورسالة لمن في الداخل. والرسالة الداخلية قد تكون احيانا اهم من الخارجية. لان الخارج يعرف ان صاحب المعادلات موجود. اما الداخل، فيحتاج بين وقت واخر الى تذكير. ومن الواضح ان التصريحات فعلت ذلك. اعادت اسمه الى واجهة النقاش. واعادت معه سؤال دوره. واعادت، في الوقت نفسه، سؤالا اكبر .. هل ستبقى صناعة القرار في الدائرة نفسها، ام ان المرحلة الجديدة ستفتح الباب امام صناع قرار اخرين يريدون ان يكونوا جزءا من مركزها؟ هنا تحديدا اختلف الناس. فالمؤيدون قالوا .. اخيرا تكلم صاحب قرار من داخل البيت بما يقوله كثيرون خارجه. والمنتقدون قالوا .. ليس الامر شجاعة، بل تموضع. والمشككون قالوا .. كلاهما قد يكون صحيحا. فالسياسي يستطيع ان ينتقد النظام لانه يريد اصلاحه، ويستطيع في الوقت ذاته ان ينتقده لانه يريد موقعا اكبر داخله. ولا يوجد في السياسة قانون يمنع اجتماع الغايتين. بل ربما تكون هذه هي السياسة نفسها. ان تحب البيت، وتريد مفتاحا من مفاتيحه. وان تختلف مع صاحبه، لكنك لا تريد مغادرته. وان تعترض على الحاشية، لا لانك تكره القصر، بل لانك ترى ان لك مكانا في صدره. وهذه هي المفارقة التي يجب الا نهرب منها.
فليس مطلوبا من صاحب المعادلات ان يكون قديسا كي يكون معارضا داخل بيته. وليس مطلوبا من خصومه ان يكونوا اشرارا كي يروا في خطابه بحثا عن موقع. الاثنان يمكن ان يكونا صحيحين. هو يعترض. وهو يتموضع. وهو يريد ان يكون صاحب قرار. وهو، في الوقت ذاته، يعرف ان القرار المقبل لن يصنعه شخص واحد. وهنا تكمن خطورة المرحلة. لان الخلافة، اذا دخلت السياسة من الباب الخلفي، لا تبقى خلف الباب طويلا. تجلس في الصالون. ثم تدخل غرفة الاجتماعات. ثم تصبح موضوعا في الهواتف. ثم تصبح همسا في الممرات. ثم تصبح فجاة حديثا علنيا. وما نشهده اليوم قد لا يكون سوى مرحلة الهمس. لكن الهمس في القصور القديمة له اذن قوية. وربما كانت التصريحات الاخيرة مجرد اختبار للهواء. هل سيهبط الغبار؟ هل ستتحرك المياه؟ هل سيخرج من يؤيد؟ هل سيخرج من يهاجم؟ هل ستلتزم حاشية الباب العالي الصمت؟ هل سيظهر اخرون من داخل فتح بعبارات مشابهة؟ هذه كلها اسئلة لا تجيب عنها التصريحات، لكنها تفسر لماذا اثارت كل هذا الاهتمام.
لان صاحب المعادلات لم يلق حجرا في ماء فارغ. لقد القاه في ماء تتحرك تحته تيارات كثيرة. والناس، في النهاية، لا يرون التيارات. يرون فقط الدوائر على السطح. ولذلك ربما كان من المبكر القول ان معركة الخلافة قد بدأت فعلا، لكن من الصعب ايضا القول انها لم تبدأ. فالخلافة لا تبدأ حين يعلنها اصحابها. تبدأ حين يبدأ اصحابها في حساب مواقعهم. وتبدأ حين يصبح لكل كلمة وزن زائد. وتبدأ حين لا يعود السياسي يسال فقط .. ماذا اقول؟ بل .. ماذا سيحدث اذا قلت؟ ومن سيقرأ كلامي؟ ومن سيخاف منه؟ ومن سيحتاج اليه؟ ومن سيقف خلفي اذا ارتفعت حرارة المعركة؟ ولهذا، ربما يكون القول الذي قيل في حضرة الاقوال اكثر من تصريح عن انتخابات. هو، في جوهره، اعلان حضور. والاعلان عن الحضور في السياسة ليس تفصيلا. ان تقول للناس انك موجود في لحظة يعاد فيها ترتيب الغرفة، فانت تقول شيئا اخر ايضا: لا ترتبوا الغرفة من دوني. وهذا، في تقديري، هو المعنى الاكثر وضوحا في الحكاية كلها.
اما الباب العالي وحاشيته، فهما يعرفان هذه اللغة جيدا. ويعرفان ان صاحب المعادلات لا يتحدث من خارج السياق، ولا من خارج التاريخ، ولا من خارج فتح، ولا من خارج دوائر صناعة القرار. ولذلك لن يكون الرد بالضرورة ردا مباشرا. قد يكون صمتا. وقد يكون تحركا. وقد يكون اعادة ترتيب لبعض المواقع. وقد يكون فتح ابواب لصناع قرار اخرين حتى لا يبدو ان هناك اسما واحدا فقط يطرق باب المرحلة الجديدة. وهكذا تبدأ لعبة الشطرنج. لا احد يحرك الملك اولا. الجميع يحرك البيادق. لكن كل لاعب يعرف في داخله ان اللعبة ليست على البيادق. اللعبة على الملك. والملك هنا ليس شخصا واحدا فقط. انه صورة المرحلة كلها. ومن سيكون عنوانها حين ينتهي الزمن الذي كان فيه عنوانها معروفا.
ولهذا، فان الانتخابات المقبلة قد تكون اكثر من انتخابات. وقد تكون، في جانب منها، ساحة مبكرة لقياس النفوذ، واختبار الشعبية، ووزن الاسماء، وقدرة كل طرف على جمع الاصوات والاصدقاء والحلفاء، وعلى انتاج صورة تقول للناس ان هذا الاسم او ذاك يستطيع ان يحمل المرحلة المقبلة. لكن المشكلة ان فلسطين ليست شركة تبحث عن مدير جديد. انها قضية وشعب واحتلال وانقسام وذاكرة ومشروع وطني مثقل بالاسئلة. ومن هنا، فان معركة المواقع مهما كانت حقيقية، ستظل ناقصة اذا لم تتحول الى معركة على الافكار ايضا. فليس كافيا ان يقول هذا صاحب المعادلات انه يريد دورا اكبر. ولا ان يقول اخر انه الاقدر. السؤال الذي سيلاحق الجميع هو: ماذا ستفعلون بهذا الدور؟ كيف ستنهون الانقسام؟ كيف ستعيدون الاعتبار للمؤسسات؟ كيف ستعيدون ثقة الناس؟ كيف ستديرون العلاقة مع العالم؟ كيف ستتعاملون مع الاحتلال؟ وكيف ستخرجون من ارث السنوات الطويلة دون ان تجروا الارث نفسه الى المرحلة الجديدة؟ هنا فقط تصبح الخلافة اكثر من خلاف على كرسي. وتصبح السياسة اكثر من معركة على مقعد. وتصبح الانتخابات اكثر من ورقة في صندوق.
اما اذا بقيت المسالة مجرد سباق اسماء الى مواقع، فسيكون من حق الناس ان تسال .. وما الفرق بين الغد والامس؟ ولعل هذا هو السؤال الذي يجب ان يبقى معلقا فوق كل هذه الضجة. ليس من سيخلف الباب العالي. بل ماذا سيخلف الباب العالي. هل سنرث الاشخاص انفسهم بثياب اخرى؟ ام سنرث مرحلة جديدة فعلا؟ فالتاريخ لا يسال دائما عن اسم من جلس على الكرسي. احيانا يسال عن شكل الكرسي بعد ان جلس. وربما لهذا كان القول فصيحا وصريحا لمن يسمع، لا لمن يكتفي بسماع الصوت. لان بعض التصريحات لا تعلن الحرب. انها فقط تضع السيف على الطاولة. وتترك للذين في الغرفة ان يفهموا. والذين في الغرفة، هذه المرة، فهموا. والذين خارجها فهموا ايضا. اما الانتخابات، فما زالت تمضي نحو موعدها. والرئاسة تقترب من موعدها الاخر. والاسماء التي ظلت طويلا تحت السطح بدأت تتحسس الضوء.
وهذا يعني ان معركة الغد، حتى لو لم تعلن بعد، قد تكون قد بدأت بالفعل. لا بالبنادق. ولا بالبيانات. ولا حتى بالمرشحين. بل بالكلمات. والكلمات حين تكون صادرة من صانع قرار يعرف دهاليز اللعبة، لا تكون مجرد كلمات. قد تكون، ببساطة، اول حجر يوضع في مكانه قبل بناء الطريق. او اول علامة على ان الطريق القديم لم يعد يكفي الجميع. وهنا فقط يصبح القول عن الانتخابات كلاما عن شيء اخر. عن موقع في الغد. عن صاحب معادلات يريد ان يكون في الصورة لا في الهامش. عن دائرة قرار لا تريد ان تتسع كثيرا. وعن مرحلة يبدو ان ابوابها بدأت تفتح، ولو قليلا. والسؤال ليس من سيعبر اولا. السؤال: من كان يقف عند الباب منذ سنوات، وينتظر اللحظة التي يقول فيها، دون ان يرفع صوته كثيرا: انا ايضا من اهل هذا القرار.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



