خالد فحل يكتب لوطن: نتنياهو يقرع طبول الحرب... عندما تصبح الحروب طريقًا للبقاء في السلطة

في إسرائيل، يصعب الفصل بين السياسة والأمن، وبين صناديق الاقتراع وساحات القتال. فكلما اقتربت حكومة بنيامين نتنياهو من استحقاق انتخابي أو واجهت أزمة داخلية تهدد بقاءها، يرتفع منسوب الخطاب العسكري، وتتصاعد التهديدات، وتُقرع طبول الحرب، وكأن الأمن أصبح الورقة الأخيرة التي يلجأ إليها السياسي عندما تضيق به الخيارات.
يواجه نتنياهو ضغوطًا متراكمة؛ فهناك انقسامات داخلية، وانتقادات لأداء حكومته، وأسئلة متزايدة حول مستقبل ائتلافه السياسي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التصعيد الأمني قادرًا على إعادة ترتيب أولويات الرأي العام، بحيث تتراجع الملفات السياسية والاقتصادية أمام الشعور بالخطر الخارجي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا اختار نتنياهو الهروب إلى الأمام، فأين ستكون الجبهة المقبلة؟
هل ستتجه إسرائيل إلى توسيع المواجهة مع إيران، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر إقليمية قد تجر المنطقة إلى صراع أوسع؟ أم أن القيادة الإسرائيلية ستعود إلى تصعيد واسع في قطاع غزة، معتبرة أن أهداف الحرب السابقة لم تتحقق بالكامل؟ أم أن الضفة الغربية ستكون ساحة التصعيد القادمة، في ظل التوتر المستمر، وتصاعد العمليات العسكرية، واتساع دائرة المواجهات؟
كل هذه الاحتمالات مطروحة في النقاشات السياسية والعسكرية، لكن لا يمكن الجزم بأي منها. فالقرار لا يرتبط بالحسابات العسكرية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالتوازنات الداخلية، والمواقف الدولية، وقدرة إسرائيل على تحمل تبعات أي مواجهة جديدة.
المواجهة مع إيران، إن وقعت، لن تكون مجرد حرب عابرة، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع تتداخل فيه أطراف عدة، وتنعكس آثاره على أمن المنطقة واقتصادها. أما العودة إلى حرب واسعة في غزة، فقد تعني استمرار دائرة العنف دون ضمان تحقيق نتائج مختلفة، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لإنهاء القتال.
وفي المقابل، تبقى الضفة الغربية ساحة شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب الواقع الأمني، بل لما تمثله من ثقل سياسي وديموغرافي. وأي تصعيد واسع فيها قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتجاوز آثارها حدود الأراضي الفلسطينية.
ورغم اختلاف السيناريوهات، يبقى القاسم المشترك بينها أن الحرب قد تمنح أي حكومة فرصة لتغيير أولويات الرأي العام أو كسب الوقت سياسيًا، لكنها لا تقدم حلولًا دائمة للأزمات الداخلية. فالحروب قد تؤجل الأسئلة، لكنها لا تلغيها، وقد توحد المجتمع مؤقتًا، لكنها لا تمحو الانقسامات التي تعود إلى الواجهة بمجرد أن تهدأ أصوات المدافع.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه من مكاسب عسكرية، بل أيضًا بما تتركه من خسائر إنسانية وسياسية واقتصادية. وما يدفعه المدنيون من أثمان يبقى أكبر من أي مكسب انتخابي أو حساب سياسي.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل تقود الحسابات السياسية إسرائيل إلى مواجهة جديدة، أم أن الضغوط الداخلية والدولية ستدفع نحو مسارات مختلفة؟ الإجابة ستتوقف على قرارات القيادة الإسرائيلية وتطورات المشهد الإقليمي، لكن المؤكد أن أي حرب جديدة لن تكون حدثًا محليًا، بل ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود الصراع لتطال المنطقة بأسرها.
قد تنجح الحرب في منح السياسيين وقتًا إضافيًا، لكنها لا تمنحهم إجابات دائمة. فالتاريخ يثبت أن أصوات المدافع قد تطغى مؤقتًا على أصوات الناخبين، لكنها لا تستطيع إسكاتها إلى الأبد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



