"إسرائيل الأوروبية"... كيف كان سيتصرف الاتحاد الأوروبي؟

24.05.2026 06:32 AM

كتب ناصر السهلي: لا يحتاج المرء إلى كثير من الخيال ليتصور كيف كان الاتحاد الأوروبي سيتعامل مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لو كانت جارة لإسكندنافيا، أو تقع على حدود بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي.

هذه الفرضية وحدها تكشف حجم الازدواجية التي تغرق فيها السياسات الأوروبية في تعاملها مع الانتهاكات الإسرائيلية، التي لم تعد تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل طاولت كل القيم التي تدّعي أوروبا الدفاع عنها.

فالتطرف الصهيوني-الديني المتصاعد، والذي لا يمكن فصله عن مجتمع تُغذيه الأساطير والخرافات، ويقبل، بل يؤيد في استطلاعات الرأي، الدعوات إلى التوحش وفناء شعب كامل فقط لأنه فلسطيني يطالب بحقوقه الوطنية والتاريخية، ما كان للبرلمان الأوروبي ولا للمفوضية الأوروبية أن يتعاملا معه بالبرود ذاته الذي يطبع الموقف من فلسطين منذ عقود.

لنتخيل فقط أن بنيامين نتنياهو يقود حكومة داخل أوروبا، وإلى جانبه هذا العته الأيديولوجي الذي يجسده إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وميري ريغيف ويوآف غالانت، وبقية دعاة الإبادة ومنع حتى الهواء عن غزة المحاصرة.

القياس هنا ممكن، بل واضح. فالقارة الأوروبية تمتلك سجلاً طويلاً في محاصرة كل من تصنفهم كـ"منتهكين للقيم الأوروبية". يورغ هايدر في النمسا حُوصِر سياسياً لأنه اعتُبر يمينياً متطرفاً، وقتل في حادث على دراجة هوائية، فيما واجه فيكتور أوربان على مدى سنوات طويلة ضغوطاً أوروبية هائلة، واتهامات بتقويض القضاء والإعلام واحتكار تعريف "الوطنية المجرية" في مواجهة "بيروقراطية بروكسل"، وهو بالمناسبة كان حليفا لنتنياهو.

وفي أنحاء أوروبا المختلفة، لا تزال أحزاب وحركات يمينية وشعبوية متطرفة تُعزل سياسياً وإعلامياً بسبب خطابها العنصري والاستعلائي ودعواتها لتطهير أوروبا ممن لا يُعتبرون "أوروبيين أصليين".

لكن المفارقة أن لا أوربان، ولا هايدر، ولا "البديل لأجل ألمانيا"، ولا "إخوة إيطاليا"، ولا حتى "النجوم الخمس"، خاضوا حروب إبادة أو مارسوا إرهاباً منظماً ضد شعب واقع تحت الاحتلال، كما تفعل إسرائيل اليوم.

ومع ذلك، يُحاصر هؤلاء سياسياً وإعلامياً داخل أوروبا، بينما تُعامل إسرائيل باعتبارها استثناءً دائماً فوق المساءلة.

لنتصور فقط أن إرهابيي الاستيطان في الضفة الغربية، برعاية بن غفير وسموتريتش ونتنياهو، كانوا جيراناً لجنوب الدنمارك على حدود ألمانيا. لنتصور أن دعاة التطهير العرقي والإعدام الميداني للأطفال والنساء والشيوخ هم قادة أحزاب أوروبية، وأنهم يشرفون على تعبئة أجيال كاملة بثقافة الكراهية والعنف تجاه شعب بعينه.

هل كانت أوروبا ستكتفي ببيانات "القلق"؟

بالتأكيد لا. أوروبا التي تعهدت بعد أهوال النازية والفاشية بأن ذلك "لن يتكرر أبداً"، كانت ستستدعي كل مؤسساتها القضائية والتشريعية والإعلامية لعزل هذا الكيان، تماماً كما فعلت مع روسيا منذ بداية الحرب الأوكرانية، حين جرى تجييش الرأي العام ضد روسيا كـ"شر مطلق" وفتح الحدود واستقبال ملايين اللاجئين الأوكرانيين تحت ذريعة أنهم "يشبهوننا".

وهنا تحديداً تكمن الفضيحة الأخلاقية.

فهذا المنطق القائم على "التشابه" يكشف احتقاراً ضمنياً لحياة الآخرين ممن "لا يشبهونهم". وإذا كان لدى أوروبا تفسير آخر لهذا التناقض الصارخ، فهي لم تقدمه حتى الآن، بينما تستمر بعض دولها في دعم الاحتلال بالسلاح والذخيرة وتقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي، مقابل حالة عربية مخجلة في النأي بنفسها عن جرائم إبادة قربهم.

تركيا، المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ عقود، يجري تفتيشها باستمرار بحثاً عن أي خرق يُثبت ابتعادها عن "القيم الأوروبية". وحتى جورجيا جُمّدت مفاوضات انضمامها بحجة تراجعها الديمقراطي.

لكن عندما تطالب إسبانيا وإيرلندا، وغيرهما، بفرض عقوبات على إسرائيل، تتباطأ أوروبا، بل تقف بعض حكوماتها سداً منيعاً حتى أمام معاقبة شخصيات صهيونية متطرفة، وكأن القضية مجرد تجاوزات فردية، لا مشروعاً استعمارياً ممنهجاً قائماً على العنف والتطهير والهيمنة.

لهذا تبدو أوروبا اليوم في حالة خسارة أخلاقية وسياسية متسارعة. فهي تواصل تسويق نفسها كحاملة لقيم عالمية، بينما تتعامل مع الحقوق بمنطق انتقائي لا يعترف فعلياً بعالمية الإنسان.

فالإنصات إلى توبيخ نتنياهو لبن غفير يبدو مهزلة سياسية كاملة، لأن بن غفير ليس سوى التعبير الأكثر فجاجة عن بنية أيديولوجية أعمق، تمتد من مئير كاهانا إلى عوفاديا يوسيف ورحبعام زئيفي، وصولاً إلى ثقافة "الموت للعرب" التي تُغرس في الأجيال منذ الطفولة.

ولو كانت إسرائيل بالفعل جزءاً من أوروبا، لا مستوطنة استعمارية متقدمة تخدم مصالح الغرب، لرأينا أحزابها وقادتها يُصنفون كحركات يمينية متطرفة تمارس الإرهاب والعنف المنظم، وتستخدم في ذلك الدبابات والطائرات والصواريخ لإبادة الشعوب من غزة إلى لبنان وسورية وإيران.

حينها فقط، كان مصيرهم السياسي سيشبه مصير يورغ هايدر وأوربان وبقية القوائم السوداء الأوروبية.

لكن يبدو أن العقل الأوروبي، رغم كل شعارات الحداثة وحقوق الإنسان، لم يغادر بالكامل منطقه الاستعماري القديم. فخارج ما يسمى اعتباطاً "الثقافة اليهودية-المسيحية"، تصبح قيمة الآخر أقل وزناً، ويغدو التسامح مع دعوات الإبادة والتطهير أمراً ممكناً، ما دام الضحايا "لا يشبهونهم".

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير