تفكيك سيناريو إعادة توظيف نجاد في إيران

كتبت هديل ياسين: هذه الرواية التي تتحدث عن وجود تصور أمريكي–إسرائيلي مزعوم لإعادة توظيف محمود أحمدي نجاد داخل معادلة الحكم في إيران تأتي في لحظة سياسية حساسة تتداخل فيها الحرب المباشرة مع إدارة الصراع من خلف الستار. ما يهم في مثل هذه الطروحات ليس فقط مضمونها الظاهري، بل البيئة التي تنتجها وطريقة التفكير التي تقف خلفها. فحين تتحدث وسائل إعلام عن سيناريوهات تتعلق بتغيير الحكم أو إعادة ترتيب القيادة داخل دولة مثل إيران، فنحن لا نتعامل مع خبر تقني بقدر ما نتعامل مع قراءة سياسية لموازين القوة، وغالباً ما تكون هذه القراءة أقرب إلى اختبار الاحتمالات منها إلى خطط جاهزة للتنفيذ. لذلك فإن تحليل هذه الرواية يحتاج إلى تفكيك بطيء للسياق، بدل التعامل معها كحدث منفصل عن بنية الصراع الإقليمي والدولي.
في السنوات الأخيرة، أصبح واضحاً أن فكرة تغيير الأنظمة لم تعد تعتمد على النموذج التقليدي القائم على التدخل العسكري المباشر، لأن هذا النموذج أثبت كلفته العالية ونتائجه غير المستقرة. بدلاً من ذلك، برزت مقاربات أكثر تعقيداً تعتمد على العمل داخل النظام نفسه، سواء عبر الضغط الاقتصادي أو استثمار الانقسامات الداخلية أو محاولة إعادة تشكيل النخب السياسية. هذا التحول لا يعني أن الهدف تغيّر، بل أن الأدوات أصبحت أكثر مرونة وأقل وضوحاً. وفي هذا الإطار، يمكن فهم لماذا تظهر أحياناً أسماء من داخل النظام نفسه في نقاشات تتعلق بمستقبل القيادة، حتى لو كانت هذه الأسماء مثيرة للجدل أو تحمل تاريخاً مرتبطاً بالسلطة القائمة.
عند التوقف عند اسم محمود أحمدي نجاد تحديداً، تظهر منذ البداية مشكلة تحليلية كبيرة. فالرجل ليس شخصية معارضة، ولم يكن يوماً خارج بنية النظام الإيراني، بل كان جزءاً أساسياً من مؤسساته في مرحلة مفصلية امتدت لثماني سنوات في الرئاسة. خلال تلك الفترة ارتبط اسمه بالملف النووي الإيراني، وبسياسات داخلية شديدة الحساسية، وبخطاب سياسي حاد تجاه الغرب وإسرائيل. هذا يعني أن موقعه السياسي لا يسمح بسهولة بإعادة تعريفه كشخصية انتقالية محايدة أو كبديل إصلاحي، لأن تاريخه نفسه جزء من بنية النظام الذي يُفترض أنه سيكون بديلاً عنه. في السياسة، الذاكرة السياسية للشخصية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر أساسي في تحديد قدرتها على لعب أدوار جديدة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فهم أي سيناريو يتعلق بإيران دون العودة إلى طبيعة النظام السياسي نفسه. إيران ليست دولة ذات مركز سلطة واحد يمكن تغييره عبر استبدال رأس الدولة. على العكس، هي نظام يقوم على توزيع معقد للسلطة بين مؤسسات متعددة، يتصدرها المرشد الأعلى، إلى جانب الحرس الثوري، ومؤسسات دينية، وأجهزة أمنية واقتصادية لها نفوذ واسع في القرار السياسي. هذا التداخل يجعل فكرة “تغيير القيادة” عبر شخصية واحدة فكرة مبسطة للغاية مقارنة بواقع أكثر تعقيداً. حتى منصب الرئاسة، رغم أهميته، لا يمثل مركز القرار النهائي، بل يعمل ضمن حدود مرسومة بدقة داخل البنية العامة للنظام.
من هنا، فإن أي تصور يعتمد على إعادة تقديم شخصية مثل أحمدي نجاد كبديل محتمل يتجاهل أن السلطة في إيران ليست فردية بل شبكية. بمعنى أن القرار السياسي لا يصنعه شخص واحد يمكن استبداله، بل مجموعة من مراكز القوة التي تتفاعل فيما بينها بشكل دائم. لذلك، حتى لو افترضنا وجود شخصية تمتلك قبولاً داخلياً أو خلافات مع بعض مؤسسات النظام، فإن ذلك لا يكفي لتحويلها إلى قائد مرحلة انتقالية. لأن الانتقال السياسي في مثل هذه الأنظمة لا يحدث عبر فراغ مفاجئ، بل عبر إعادة توزيع طويلة ومعقدة للنفوذ داخل الدولة.
في هذا السياق، تظهر أيضاً فكرة “الاستفادة من الانقسامات الداخلية”، وهي فكرة شائعة في التحليل السياسي الغربي تجاه الأنظمة المغلقة. تقوم هذه الفكرة على افتراض أن أي خلاف داخل النخبة يمكن تحويله إلى مدخل لتغيير أوسع. لكن الواقع السياسي غالباً ما يكون أكثر تعقيداً من ذلك. فالنخب داخل الأنظمة ليست مجرد أفراد منفصلين يمكن إعادة توجيههم، بل هي جزء من شبكة مصالح وبنى مؤسسية تجعل انتقالهم إلى معسكر خارجي أمراً غير بسيط. كثير من الخلافات داخل النظام تبقى ضمن إطار الصراع الداخلي ولا تتحول إلى قطيعة سياسية كاملة.
عند تطبيق هذا المنطق على حالة أحمدي نجاد، نجد أن الأمر أكثر تعقيداً. صحيح أنه دخل في خلافات مع بعض مراكز السلطة بعد انتهاء رئاسته، لكنه لم يخرج من البنية العامة للنظام. بل بقي ضمن الإطار السياسي الإيراني، حتى وإن كان على هامش بعض الدوائر. هذا النوع من الموقع السياسي لا يعني إمكانية استخدامه كأداة تغيير خارجي، بل يعني وجود اختلافات داخلية في إدارة السلطة. وفي السياسة، هذا فرق جوهري بين معارض للنظام وشخص مختلف مع النظام.
هناك جانب آخر في هذه الرواية يتعلق بفكرة صناعة البدائل السياسية، هذه الفكرة تظهر كثيراً في النقاشات الاستراتيجية حول الدول التي تعتبرها القوى الكبرى خصوماً. الفكرة تقوم على البحث عن شخصيات يمكن أن تلعب دوراً انتقالياً في مرحلة ما بعد التغيير. لكن هذه المقاربة غالباً ما تتجاهل أن القيادة السياسية لا تُصنع فقط عبر الدعم الخارجي أو عبر الترويج الإعلامي، بل عبر تراكم طويل من الشرعية الداخلية والقدرة على التحكم في مراكز القوة. من دون هذه العناصر، تبقى أي شخصية مجرد اسم مطروح في نقاشات نظرية.
حتى الحديث عن التواصل أو النقاش حول هذه السيناريوهات، إذا أخذناه في سياقه الطبيعي، لا يعني بالضرورة وجود خطة تنفيذية. في مراكز القرار الكبرى، يتم دائماً اختبار مجموعة واسعة من السيناريوهات لتقدير الاحتمالات المستقبلية. لكن هذا لا يعني أن كل سيناريو يتم تداوله يتحول إلى سياسة فعلية. كثير من هذه النقاشات يبقى في إطار التفكير الاستكشافي، الذي يهدف إلى فهم الخيارات وليس تنفيذها.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن مثل هذه الروايات تلعب دوراً في المجال الإعلامي والسياسي، حتى لو لم تكن دقيقة بالكامل. مجرد طرح فكرة وجود بدائل داخل النظام يمكن أن يُستخدم لإيصال رسائل سياسية أو نفسية، سواء للداخل الإيراني أو للخارج. هذا النوع من الخطاب يهدف أحياناً إلى خلق انطباع بأن النظام ليس متماسكاً بشكل كامل، أو أن هناك احتمالات لتغييرات قادمة. لكن فعالية هذا النوع من التأثير تعتمد على مدى قابلية الداخل للتأثر، وهو أمر لا يمكن افتراضه بشكل تلقائي.
المقارنة مع تجارب دول أخرى في المنطقة أو خارجها غالباً ما تكون مضللة إذا لم تؤخذ الخصوصية السياسية بعين الاعتبار. إيران ليست حالة يمكن إسقاط نماذج أخرى عليها بسهولة. فهي تمتلك نظاماً سياسياً يقوم على مزيج من الشرعية الدينية والثورية والمؤسسات الأمنية، وهذا المزيج يجعل عملية التغيير فيها مختلفة جذرياً عن دول تعتمد على أنظمة أكثر بساطة أو أقل تماسكاً مؤسسياً. لذلك فإن أي تصور يعتمد على نقل نموذج من دولة إلى أخرى دون مراعاة الفروق البنيوية يبقى تحليلاً ناقصاً.
هذه الرواية، بغض النظر عن دقتها، تكشف عن نمط تفكير أكثر مما تكشف عن خطة سياسية. هذا النمط يقوم على البحث عن نقاط ضعف داخل الأنظمة ومحاولة استثمارها، لكنه في الوقت نفسه يصطدم بواقع أن هذه الأنظمة ليست كيانات بسيطة يمكن إعادة تشكيلها عبر شخصيات فردية. الدولة الإيرانية، كما يظهر من بنيتها، ليست قائمة على فرد واحد، بل على شبكة معقدة من المؤسسات والتوازنات التي تجعل أي تغيير حقيقي مرهوناً بعوامل داخلية عميقة لا يمكن اختزالها في سيناريو واحد أو اسم واحد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


