فتح والنكبة: تجديد المشروع الوطني الفلسطيني

كتب: منيب رشيد المصري
في الذكرى الثامنة والسبعين لنكبة الشعب الفلسطيني، وفي ظل استمرار واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه المعاصر، ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، الحركة التي لم تكن يوماً مجرد إطار تنظيمي أو حزب سياسي عابر، بل شكلت منذ انطلاقتها عنواناً رئيسياً للهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة، ورافعة أساسية لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني. وفي لحظة تتعرض فيها غزة لحرب إبادة وتجويع وتهجير، وتتسع فيها سياسات الفصل العنصري والاستيطان، يكتسب انعقاد هذا المؤتمر بعداً وطنياً وتاريخياً يتجاوز الاعتبارات التنظيمية، ليغدو محطة لإعادة التقييم والتجديد وإعادة التموضع في قلب المشروع الوطني الفلسطيني.
وليس من قبيل الصدفة أن ينعقد هذا المؤتمر في ذكرى النكبة؛ فهذه الذكرى ليست حدثاً عابراً في الوعي الفلسطيني، بل الجرح المؤسس الذي ما زال مفتوحاً منذ عام 1948. غير أن الشعب الفلسطيني، الذي حُرم من أرضه وهُجّر من وطنه، لم يتعامل مع النكبة بوصفها نهاية التاريخ، بل بوصفها بداية مسار طويل من الكفاح من أجل الحرية والعودة وتقرير المصير والاستقلال. ومن هنا، فإن تزامن المؤتمر مع هذه الذكرى يحمل دلالة سياسية عميقة، مفادها أن آثار النكبة لن تبقى قدراً دائماً، وأن الشعب الفلسطيني سيواصل نضاله المشروع حتى إنهاء نتائجها واستعادة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف.
لقد ارتبطت حركة فتح عبر تاريخها الطويل بتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى، وبأسماء قادة مؤسسين صنعوا تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث، وفي مقدمتهم الشهيد الرمز ياسر عرفات، والشهيد خليل الوزير "أبو جهاد"، والشهيد صلاح خلف "أبو إياد"، إلى جانب كوكبة واسعة من المناضلين من مختلف أطياف الطيف السياسي والفكري الفلسطيني، الذين آمنوا بأن فلسطين تستحق التضحية، وأن الاحتلال مهما طال أمده إلى زوال. ولم تكن الحركة مجرد تعبير سياسي عن شعب تحت الاحتلال، بل تجسيداً لإرادة الفلسطيني في استعادة ذاته الوطنية وإعادة بناء حضوره السياسي بعد محاولات المحو والتفكيك الاستعماري.
وباعتباري شاهداً على البدايات الأولى لتأسيس هذه الحركة، منذ لقائي الأول مع الشهيدين خليل الوزير وياسر عرفات في مدينة الجزائر عام 1963، ومشاركتي لاحقاً في اللقاءات التشاورية الأولى إلى جانب عدد من القادة المؤسسين والمناضلين الذين أسسوا لبنية الحركة وكرّسوا حضورها الوطني، ثم في اللقاءات التي سعت عام 1969 إلى ترسيخ العلاقة الوطنية بين حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وتوحيد الرؤى بين القيادات الفلسطينية في إطار خدمة المشروع الوطني الفلسطيني، فإنني أؤمن أن حركة فتح ما زالت تمتلك من الإرث النضالي والخبرة التاريخية ما يؤهلها لإجراء مراجعة جادة ومسؤولة تعيد لها دورها الوطني الجامع في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ شعبنا.
إن انعقاد المؤتمر اليوم يجب ألا يُفهم بوصفه استحقاقاً تنظيمياً داخلياً أو تنافساً انتخابياً، بل بوصفه فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بالحركة، وتجديد أدواتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، بما يعزز وحدة الحركة والشعب ويحمي المشروع الوطني الفلسطيني من التآكل والانقسام والتهميش. فالعملية الانتخابية داخل الحركة ينبغي أن تُدار بروح وطنية مسؤولة، قائمة على الشراكة والنزاهة والتمثيل الحقيقي، بعيداً عن الإقصاء أو الحسابات الضيقة، لأن قوة فتح لم تكن يوماً في بنيتها التنظيمية وحدها، بل في قدرتها على احتضان مختلف الطاقات الوطنية الفلسطينية والانحياز لقضايا الناس وهمومهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم عن الجذور السياسية والتاريخية للمشروع الاستعماري الذي استهدف فلسطين منذ أكثر من قرن. فالحركة الصهيونية، التي تحالفت مع قوى الاستعمار التقليدي ومع تيارات المسيحية الصهيونية، كانت جزءاً من البنية التي أفضت إلى اتفاقية سايكس ـ بيكو ووعد بلفور، وأسست لمشروع استعماري استيطاني بالغ العنف والاستمرارية في التاريخ الحديث. غير أن التجربة التاريخية تؤكد أن المشاريع القائمة على الظلم والاقتلاع والتمييز العنصري لا يمكن أن تستمر، وأن مصيرها الحتمي هو الزوال مهما امتلكت من أدوات القوة والدعم.
إن النكبة ليست قدراً على الشعب الفلسطيني، بل هي وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي ما زال عاجزاً أو صامتاً أمام ما يتعرض له الفلسطينيون من جرائم حرب وإبادة جماعية وتهجير قسري ونظام فصل عنصري. وفي المقابل، فإن النكبة هي جريمة ليس فقط بحق الشعب الفلسطيني وبحق كل محبي السلام والحق والعدل لا بل هي جريمة ضد الإنسانية جمعاء.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم عن الجذور السياسية والتاريخية للمشروع الاستعماري الذي استهدف فلسطين منذ أكثر من قرن إضافة ليس فقط فلسطين وإنما كل المنطقة العربية وحتى دول الإقليم.
إنني مؤمن تماماً بأنه وبعد كل هذه الأفعال التي قامت بها الحركة الصهيونية وبخاصة في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة هي أفعال تؤشر على افلاس هذه الحركة وبداية انهيار فكرها العنصري.
ومن هنا، فإن السلام الحقيقي في هذه المنطقة، بل والاستقرار العالمي أيضاً، لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب أو الإبادة أو تكريس الاحتلال، وإنما عبر الاعتراف الكامل بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتأسيس دولته المستقلة ذات السيادة، التي ستعيش بأمن وسلام إلى جانب جيرانها في إطار قائم على العدالة والاحترام المتبادل والحقوق المتساوية. فالسلام الذي يُبنى على إنكار حقوق الشعوب ليس سلاماً، بل هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وصولا إلى عالم يسوده الحق والعدالة وخالٍ من الحروب والأوبئة والحدود.
ومع ذلك، فإن الشعب الفلسطيني أثبت عبر العقود أنه يشبه طائر العنقاء؛ فكلما ظنّ الاحتلال أنه نجح في كسر إرادته أو إنهاء حضوره، خرج من بين الركام أكثر تمسكاً بحقوقه وأكثر إيماناً بعدالة قضيته. فمن مخيمات اللجوء، ومن تحت الأنقاض، ومن السجون والحصار والحروب، واصل الفلسطينيون كتابة روايتهم الوطنية والدفاع عن حقهم في الحياة والحرية والكرامة، وصولاً إلى عالم يسوده الحق والعدالة وخالٍ من الحروب والأوبئة والحدود.
ولهذا، فإن المطلوب من مؤتمر فتح اليوم أن يرتقي إلى مستوى هذه التضحيات، وأن يقدم رؤية وطنية جامعة تعيد الاعتبار لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني، وتؤكد التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. كما أن الوفاء الحقيقي لتاريخ الحركة وشهدائها لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالقدرة على تجديد الحركة من الداخل، واستعادة ثقة الجماهير، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإنهاء حالة الانقسام والتفكك التي أضعفت الموقف الفلسطيني وأثرت سلباً على مكانة القضية الفلسطينية عربياً ودولياً.
إن حركة فتح، بتاريخها ورمزيتها وتضحياتها، ما زالت قادرة على النهوض واستعادة دورها الوطني الجامع، لأن الحركات العظيمة لا تُقاس فقط بتاريخها، بل بقدرتها على التجدد والاستجابة لتحولات شعبها وتحديات عصرها. وستبقى فلسطين، رغم الألم والجراح، قضية حرية وعدالة إنسانية، وسيبقى الشعب الفلسطيني مؤمناً بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا يمكن أن تُهزم مهما طال الزمن.
المجد للشهداء، والحرية للأسرى، والشفاء للجرحى، والنصر لفلسطين.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


