من وهم الدولة إلى واقع الإبادة… السقوط الكبير لمسار أوسلو

13.05.2026 06:52 AM

كتب إسماعيل الريماوي: بينما تمضي إسرائيل بخطوات متسارعة نحو دفن اتفاق أوسلو وإعلان شهادة وفاته سياسياً وقانونياً عبر مشاريع قوانين في الكنيست تنهي الاعتراف بكل ما ترتب عليه، لا تزال السلطة تعيش حالة إنكار سياسي عميق، وكأنها ترفض رؤية الحقيقة التي باتت إسرائيل نفسها تعلنها بلا مواربة، فالمشروع الصهيوني لم يعد يرى في أوسلو سوى مرحلة مؤقتة استُخدمت لإدارة الفلسطينيين أمنياً وتوسيع الاستيطان وشراء الوقت، قبل الانتقال إلى مرحلة الحسم بالقوة والضم والإبادة وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بالكامل.

وفي ذروة المجازر التي تتعرض لها غزة، وبينما كانت دماء الأطفال تحت الركام تصرخ في وجه العالم، انشغلت السلطة بمحاولة إرضاء إسرائيل والولايات المتحدة حتى لو كان الثمن سياسياً وأخلاقياً ووطنياً كارثياً، الحديث عن ممارسة ضغوط على جنوب أفريقيا لسحب دعوى الإبادة الجماعية أمام المحكمة الجنائية الدولية لم يكن مجرد موقف سياسي ، بل كشف حجم الهوة بين شعب يُذبح يومياً وبين سلطة ما زالت تراهن على رضا الاحتلال حتى وهو يعلن صراحة أنه يريد إنهاء وجودها السياسي نفسه.
الأخطر من ذلك أن أي محاولة للتخفيف عن نتنياهو وحكومته المتطرفة من تهمة الإبادة لا تعني فقط التغطية على الجرائم الحالية، بل تمنح إسرائيل ضوءاً أخضر للانتقال إلى ما هو أبعد وأخطر، فحين يفلت المجرم من العقاب، تتحول الإبادة إلى أداة سياسية طبيعية في العقل الاستعماري، ويتحول التهجير والتجويع والتطهير العرقي إلى سياسات قابلة للتكرار والتوسع، إسرائيل لا تخوض حرباً عسكرية فقط، بل تعمل على إعادة هندسة القضية الفلسطينية بالكامل: أرضاً وسكاناً ووعياً وتمثيلاً سياسياً.
والمفارقة القاسية أن السلطة التي وُلدت من رحم أوسلو تبدو اليوم أكثر تمسكاً بجثة الاتفاق من صانعيه الإسرائيليين أنفسهم، إسرائيل تريد سلطة بلا سياسة، وبلا سيادة، وبلا قدرة على الاعتراض، مجرد جهاز وظيفي يدير السكان تحت سقف الاحتلال، لكن حتى هذا الدور لم يعد كافياً بالنسبة لليمين الإسرائيلي الذي يرى أن اللحظة التاريخية الحالية، في ظل الصمت العربي والتواطؤ الدولي، فرصة لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً.

ما يجري اليوم ليس خلافاً سياسياً حول مفاوضات متعثرة أو اتفاق فقد صلاحيته، بل لحظة انهيار كاملة لوهم التسوية الذي استمر لعقود، غزة تحت النار والجوع كشفت الحقيقة العارية: إسرائيل لم تكن تريد سلاماً يوماً، بل أرادت فلسطينيين منزوعي الإرادة والسيادة، فيما أثبتت الحرب أن المشروع الصهيوني كلما شعر بالأمان من المحاسبة اتجه نحو مستويات أكثر وحشية من القتل والتدمير.
ولكن على ما يبدو ان المشهد الفلسطيني الرسمي وكأنه يدفن ما تبقى من شرعيته الأخلاقية والسياسية بيده الأخرى، عبر الاستمرار في الرهان على من لا يرى في الفلسطيني إلا عقبة يجب إزالتها، لا شريكاً يمكن التعايش معه.
على أن ما يشغل جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية الفلسطينية لم يعد حماية المشروع الوطني أو الدفاع عن الشعب، بل حماية الكراسي والمناصب والامتيازات والمصالح الضيقة التي تحولت مع الوقت إلى غاية بحد ذاتها، فبينما تعيد إسرائيل رسم المنطقة بالنار والدم، لا يزال البعض يتصرف بعقلية السلطة لا بعقلية التحرر، وكأن الخطر الحقيقي ليس ضياع فلسطين، بل ضياع النفوذ والمكانة والامتيازات المرتبطة ببقاء الواقع القائم.
لقد كشفت حرب غزة حجم الانفصال بين شعب يدفع ثمن وجوده دماً وحصاراً وتشريداً، وبين سلطة تخشى على معادلاتها السياسية أكثر مما تخشى على القضية نفسها، وحين تصبح حسابات البقاء في المنصب أهم من دماء الأطفال تحت الركام، تتحول السلطة من أداة يفترض أن تخدم الشعب إلى عبء ثقيل على مشروعه الوطني، أما إسرائيل، فهي تدرك هذه الحقيقة جيداً، وتعرف أن الانشغال بالمصالح الفردية والصراعات الداخلية هو أحد أكبر الأسلحة التي تضمن استمرار الاحتلال وتصفية القضية الفلسطينية بصمت.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير