بالغاز والمياه.. "تمكن " إسرائيل نفسها في المنطقة

21.02.2018 05:32 PM

رام الله - وطن للانباء -  ترجمة خاصة  قامت إسرائيل وتركيا، في أوائل العام 2004، وبعد أكثر من أربع سنوات من المفاوضات الشاقة، بتوقيع اتفاقية تقوم تركيا بموجبها بتزويد إسرائيل بمليار متر مكعب من المياه، من نهر "مانافاغات" في تركيا، على ان يستمر هذا التزويد على مدى (20) عاما.

وفي سبيل توقيع الاتفاقية، تمت مناقشة العديد الأفكار "الإبداعية"، من اجل نقل المياه التركية الى إسرائيل. شمل ذلك أفكارا مثل ضخ المياه في بالونات مطاطية عملاقة، وربطها معا، وسحبها إلى عسقلان. كما شملت النقاشات خيارا اخر، هو ضخ المياه في ناقلات نفط محوّلة (أي ناقلات نفط مع خزانات خاصة للمياه)، ونقل المياه إلى إسرائيل.
واعتبر رئيس وزراء الاحتلال في ذلك الوقت، ارييل شارون، الاتفاق بمثابة "الصفقة المربحة" للطرفين. فإسرائيل ستتمكن من الحد من نقص المياه لديها، فيما ستقوم تركيا بتفعيل منشأة خاصة بها على نهر "مانافاغات" لتصدير المياه. اما الفائدة المشتركة بين البلدين، فهي ان اتفاق المياه أعاد دفء العلاقات بين البلدين الصديقين.

وكانت الفائدة الأخيرة (أي العلاقات بين البلدين) هي السبب الذي دعا وزارة الخارجية الإسرائيلية الى تزكية الاتفاقية، على الرغم من ان وزارة المالية عارضتها بشدة، نظرا لارتفاع ثمن هذه المياه، الى الحد الذي بلغت فيه ثمنا اعلى من تكلفة عملية تحلية المياه. ولكن وزارة الخارجية، ومكتب رئيس الوزراء، ارتأيا ان وراء الاتفاقية شيء أكبر من مجرد المياه و"الشواكل"، وهو: ان الاتفاق سيفضي الى تعزيز العلاقات الاستراتيجية لإسرائيل مع واحدة من أكثر الدول أهمية في الشرق الأوسط. وقال رئيس وزراء الاحتلال آنذاك، والذي وضع اللمسات النهائية على الاتفاقية مع الاتراك، "ان هذه القضية ليست قضية اقتصادية فحسب، بل انها قضية استراتيجية وسياسية بامتياز".

وفي تطور لاحق، تخلى الطرفان عن الاتفاقية في العام 2006. ويرجع ذلك، بشكل جزئي، الى أسباب فنية، وهي عدم وجود وسيلة رخيصة وفعالة لنقل المياه. والسبب الاخر للإلغاء يكمن، جزئيا أيضا، بوجود رجب طيب أردوغان في سلم القيادة التركية، حيث كان رئيسا للوزراء آنذاك، وكانت رياح التغيير في العلاقات بين البلدين تهب من حين الى اخر.

وترى إسرائيل انه وعلى الرغم من الغاء الاتفاقية، الا ان المبدأ الذي قامت على أساسه، هو مبدأ قوي، وهو: انه كلما كانت علاقات إسرائيل مع الدول المجاورة جيدة، فهو الأفضل.

تجدر الإشارة الى انه وحتى أوائل العام 2000، كانت تجارة الأسلحة بين البلدين هي المحرك الأساس في العلاقة الإسرائيلية-التركية. وكانت الفكرة وراء استيراد المياه تكمن في تنويع العلاقات المشتركة، وإعطائها عنصر تقوية إضافي، وهو العنصر الاقتصادي، الذي يعتبره الطرفان مصلحة لكليهما.

وعلى الرغم من أن المشروع الإسرائيلي-التركي حول المياه لم ينجح، الا ان إسرائيل ترى املا كبيرا في صفقة الغاز الطبيعي مع مصر والتي تبلغ (15) مليار دولار، حيث ترى إسرائيل بانها ستعزز، وبشكل كبير جدا، العلاقات بين البلدين، وخصوصا ان العلاقة الحالية تقوم على العنصر الأمني بشكل كبير.

لا ترى إسرائيل في هذه الصفقة عملية لبيع الغاز الى مصر فحسب، ولا بكونها ستزيد الإيرادات الضريبية في إسرائيل فقط، ولا في إمكانية تصدير الغاز الإسرائيلي الى أوروبا عبر مصر. بل ترى فيها وسيلة وثيقة جدا لربط البلدين، وبطريقة يصعب أن يمزقها أحد، لأنه في حال تم المساس بها، فان المصالح الاقتصادية للبلدين ستكون على محك صعب.

ومن المعروف ان السلام بين إسرائيل ومصر، مثلما هو الحال مع سلام إسرائيل والأردن، ما هو الا سلام بين الحكومات. فالحكومات والجيش والمخابرات تتعاون فيما بينها بشكل وثيق، غير ان مشاعر العداء تجاه إسرائيل لا يمكن ازالتها من شوارع القاهرة وعمان. ولهذا، تدرك إسرائيل ان هذه الصفقة لن تغير العداء العام تجاهها، ولكنها ستساعد على إضفاء الشرعية على العلاقات مع الدول المجاورة وخصوصا مصر والأردن.

قامت إسرائيل بتوقيع هذه الصفقة الهائلة مع مصر منذ يومين. وقامت قبل عامين بتوقيع اتفاقية مماثلة بقيمة (10) مليار دولار مع الأردن لبيعه الغاز الطبيعي الإسرائيلي. ولا يعني هذا التعاون بأي شكل من الأشكال أن الدول العربية الأخرى-وتحديدا دول الخليج-تنتظر دورها في الصف لتوقيع صفقات اقتصادية مماثلة مع إسرائيل.

ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق يبعث برسالة مفادها أن التعامل مع إسرائيل علنا هو أمر مقبول، بل ومفيد، لأنه يثبت ان اتفاقيات السلام تنعكس في منافع اقتصادية على كل الأطراف، وفق زعم الكاتب.

ترجمة: ناصر العيسة، عن ذي جيروزالم بوست

تصميم وتطوير