هل ستتمكن إسرائيل من نقل المعركة إلى ساحة إيران مباشرة؟

ترجمة خاصة-وطن للأنباء: وصفت الأجواء السياسية التي أعقبت اسقاط المقاتلة الإسرائيلية، بأنها بداية مرحلة جديدة، وجدية، في المواجهة الباردة أحيانا، والساخنة أحيانا أخرى، والعلنية أحيانا، والسرية في أحيان اخرى. وللمرة الأولى، شنت القوات الإيرانية هجوما مباشرا على إسرائيل، من خلال ارسال طائرة مسيرة فوق دولة الاحتلال، انطلاقا من سوريا عبر الحدود. ثم أعقبت ذلك بإطلاق الصاروخ المضاد للطائرات الذي أسقط الطائرة الإسرائيلية، تلك التي قامت بمهمة انتقامية لإطلاق طائرة الاستطلاع الإيرانية في الأجواء الاسرائيلية.
وكانت الأحداث كبيرة وساخنة هذه المرة، بسبب التمكن من إسقاط الطائرة الإسرائيلية. وهو مهم لأنه أول حدث من نوعه منذ عقود، ولأنه يدلل على وجود موطئ قدم لإيران، وبشكل متزايد، في المسرح السوري. وهو تطور تعارضه إسرائيل بشدة، وتعهدت بمنعه بأي ثمن. وعموما، تشير تصرفات إيران، وبالذات في الفترة الأخيرة، إلى أنها تشعر بثقة، وجرأة كافية، لاستخدام قواها لإيذاء الدولة العبرية.
ووفقا لما ذكره الكولونيل يفتاح شابير، الضابط في سلاح الجو الإسرائيلي، والرئيس السابق "لمشروع التوازن العسكري" في معهد إسرائيل للدراسات الأمنية، فان هذا الحادث يشكل تحولا استراتيجيا كبيرا جدا. هذا لأنها المرة الأولى التي يشارك فيها الإيرانيون، في عمل عسكري صريح ضد إسرائيل، بينما اعتادوا في الأوقات السابقة على القيام بذلك من خلال "وكلاء" إيران فقط.
ومن ناحية أخرى، لم تكن الحادثة الأخيرة هي المرة الاولى التي تقوم فيها اسرائيل بضرب منشات إيرانية بشكل مباشر. ففي شهر كانون الأول 2017، قالت تقارير ان جيش الاحتلال دمر منشأة عسكرية تقوم إيران بإنشائها في منطقة الكسوة، الى الجنوب من العاصمة السورية. كما أدت ضربة جوية إسرائيلية في العام 2015، الى مقتل (6) جنود إيرانيين على الأقل، في مرتفعات الجولان السورية، بمن فيهم ضابط برتبة "جنرال" في الحرس الثوري الإيراني. واستهدفت إسرائيل أيضا جهاد مغنية، نجل مسؤول العمليات السابق في حزب الله، عماد مغنية. وكان مغنية نفسه قد قتل في انفجار سيارة مفخخة في دمشق في العام 2008.
فضلا عن ذلك، تورط جهاز "الموساد" الإسرائيلي في عمليات اغتيال، على الأراضي الإيرانية، لعدد من خيرة العلماء النوويين الإيرانيين. كما قامت المخابرات الإسرائيلية والأمريكية، بنشر فيروس الكمبيوتر "ستوكس نت"، الذي ألحق دمارا كبيرا بالمنشآت النووية الإيرانية لفترة طوية، وبطريقة سرية وغير معروفة، الى ان تمكن الإيرانيون من اكتشافها في العام 2010.
وبينما تكرر المستويات السياسية والعسكرية في إسرائيل قولها انها لا تسعى إلى التصعيد، الا انها حذرت من تجاوز ما يسمى "الخطوط الحمراء"، وهي نقل الأسلحة المتقدمة إلى حزب الله في لبنان. وعلى الرغم من أن جيش الاحتلال نفذ أكثر من (100) ضربة خارج الحدود، على مدى الأشهر ال (18) الماضية، الا ان إيران تمكنت من انشاء بعض المنشآت في لبنان. وفعلا بدأت بإنشاء مصانع تحت الأرض، لتصنيع الصواريخ بعيدة المدى، بحيث تسمح لحزب الله باستهداف البنية التحتية الإسرائيلية المهمة، وبدقة كبيرة، في اية حرب مستقبلية، وفق الكاتب.
وفي الوقت الذي لا يبدو فيه أن يؤدي حادث واحد، كإسقاط الطائرة، إلى تغييرات جذرية في حسابات التصرفات والردود الإسرائيلية تجاه إيران، فمن الممكن ان يتبنى الاحتلال في نهاية المطاف استراتيجية لنقل المعركة مباشرة إلى العمق الإيراني، وهو الخيار المفضل لدى إسرائيل.
ولتحقيق هذه الاستراتيجية، يتفق معظم الخبراء أن عملية عسكرية واسعة النطاق، لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، هو خيار ليس على جدول الاعمال حاليا. ولكن الجميع متفق على ان البرنامج النووي الإيراني هو أكبر المخاطر، وان إسرائيل يجب الا تتركه وشأنه.
من المفترض ان التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني، في العام 2015، أنهى المخططات الاسرائيلية للقيام بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. فالولايات المتحدة، وروسيا والصين والدول الأوروبية متمسكة بالاتفاق، وتحذر من التداعيات السياسية والعسكرية لأي عمل عسكري ضد إيران. لأنه ليس من المتوقع ان تبقى ايران صامتة دون رد فعل، مثل الردود السابقة عند مهاجمة إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في العام 1982، وقصفها للمنشاة النووية في دير الزور بسوريا في العام 2007.
على الجانب الاخر، ومنذ أن تم التوقيع على الاتفاق النووي، عمدت إيران إلى تعميق وتنويع دخولها إلى لبنان وسوريا وقطاع غزة، وفق الكاتب. علما ان طبيعة هذه التدخلات قد تفتح الباب امام إسرائيل للتذرع بوجود خطر، كي تستعمله لاستهداف البنية النووية الإيرانية، مما قد يتسبب بإشعال حرب على الجبهات الثلاث المذكورة (أي لبنان وسوريا وغزة).
وفي حال قبلت إسرائيل بمبدأ ضبط النفس، وامتنعت عن المبادرة الى أي هجوم عسكري، فإنها ستتمسك بطريقة تفكير الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حيال الاتفاق النووي مع إيران. وهي الانسحاب الأمريكي التام من الاتفاق، وممارسة الضغط والتشجيع المتواصل للأمريكيين كي يقوموا بإلغاء الاتفاق، كي تخرج من الالتزام القانوني، والاتيان بالتحركات التي تريدها.
ويشجع رئيس الموساد السابق، داني ياتوم، هذا التوجه. وهو ان تنظر إسرائيل في جميع الاحتمالات، بما في الاستهداف المباشر. لكنه يشجع الخيار الاكثر تفضيلا لديه، وهو أن تستخدم إسرائيل وكلاء عنها لمهاجمة إيران، واحباط برنامجها النووي.
ويمكن ان يشمل ذلك تعبئة "حركة مجاهدي خلق" الإيرانية، على سبيل المثال. ويعتقد ان هذه الحركة نفذت عمليات قتل العلماء النوويين الإيرانيين لصالح إسرائيل. ومن المتوقع ان إسرائيل قدمت، على مدى عدة سنوات، التمويل، والتدريب، والسلاح، إلى "حركة مجاهدي خلق" الموجودة في المنفى، وتناهض النظام الإيراني من الخارج.
تتخذ "مجاهدي خلق" من باريس مقرا لها، وتحافظ على وجودها في العراق، وتوجد بصورة سرية في إيران. وقد اتهمت بإثارة الاضطرابات، بما في ذلك الاحتجاجات الاخيرة. علما ان الولايات المتحدة قامت مؤخرا برفع اسم "مجاهدي خلق" من على قائمة المؤسسات "الإرهابية"، وفق تعبير الكاتب. وتشير بعض التقارير الى أن للحركة صلات بالسعودية، وقد تكون أيضا مصدرا إضافيا لمعلومات الاستخبارات الإسرائيلية، حول الداخل الإيراني.
إنها لعبة غامضة بلا شك، حيث يمكن ان تكون "مجاهدي خلق"، احدى المجموعات التي تستخدمها إسرائيل لتسريب رسائلها الخبيثة إلى الجماهير الإيرانية، من قبيل شعار "تل ابيب ليست عدوك". وفعلا كان هذا واحدا من الشعارات التي ملأت الشوارع خلال المظاهرات التي جرت خلال شهر شباط 2018. وقال ياتوم "من الأفضل لإسرائيل مخاطبة الشعب الإيراني مباشرة، حيث يمكن ذلك من خلال وسائل الاعلام الاجتماعي التي تصل الى الملايين بكل اريحية".
ويضيف انه لا يبدو ان الشباب الإيراني هدأ نهائيا، ولا يبد انه اقتنع بكلام حكومته. أرى ان الشباب الإيراني يسعى الى الخروج الى هامش الحرية بأسرع وقت ممكن مهما كلف الثمن، وفق الكاتب. فهم يريدون الخروج من التطرف، ويريدون الإنترنت، ويريدون ان يتمكن الرجال والنساء من الالتقاء علنا وبدون قيود.
وختم ياتوم بالقول "لا يمكن ان نمنع أنفسنا من اتخاذ اجراءات لتدمير المصانع الإيرانية في لبنان، فنحن نرى عشرات الالاف من الصواريخ تزداد مع الوقت في ايدي حزب الله".
ترجمة: ناصر العيسة، عن: ذي جيروزالم بوست


