عدنان رمضان يكتب لـوطن: ترامب- انكفاءه وطنية امريكية تجاه العولمة وفلسطينيا المواجهة هي الخيار

14.11.2016 10:40 AM

منذ اللحظة التي أعلن فيها فوز ترامب على ممثلة  المؤسسة الرسمية الامريكية هيلاري كلينتون لم تتوقف التحليلات  ومحاولات التفسير  والتكرار والإعادة  مما يعبر عن صدمة او تخوف من تحولات غير محسوبة وغير اعتيادية قد تطرأ على السياسة الامريكية  وكذلك على استقرارها الداخلي فهذه النتيجة ليست بعيدة عن رغبات عميقة بالتغير مع فقدان للاتجاه والبوصلة  مما يزيد من اهمية عمليات الاحتجاج التي بدات والتي لن تتوقف بهدوء وبساطة، وعلى الاغلب ستتعاظم خاصة في المدن الامريكية الكبرى  وتتصاعد هذه الخلخلة والاهتزارازات المجتمعية الداخلية مع كل خطوة فيها اقتراب لترامب من تطبيق وعوده وسياساته ، والتي لا بد ان تتعقلن جزئيا نتيجة وجوده في سدة الحكم،  ومع ذلك فإن امريكا هي اكبر دولة في العالم على كثير من المستويات ، ولا بد لتحول نوعي من هذا القبيل ان يترك اثارا على المستويات العالمية وهنا لا بد ان نسجل بعض الملاحظات  التي اعتقد انها تشكل مؤشرات هامة على ما قد يحدث في المستقبل القريب

ان امريكيا دولة مؤسسات وبنى سياسية واقتصادية ومجتمع مدني  عميقة وليس من السهل  ان يتم تجاهل حضورهم واثرهم  في السياسات  العامة داخليا وخارجيا للولايات المتحدة من قبل اي رئيس منتخب مهما كانت ارائه 

ترامب هو رئيس امريكي فريد من نوعه كونه من خارج المؤسسة السياسية الامريكية ولم يسبق له ان خاض تجربة الحكم في بنية سياسية  لكنه شخصية هامة ومؤثرة في الحياة الامريكية و اسس شركة استثمارية ناجحة راسمالها بالمليارات.

ان الرئيس الامريكي الجديد اعلن صراحة عن وعود تتعارض مع السياسات التقليدية للولايات المتحدة وعلى راسها:

1.   الموقف من الناتو الذي هو احد اعمدة السياسة الخارجية الامريكية واحد اهم رموز القوة المعولمة ووعوده بالعمل لصالح تعزيز بنية الجيش الامريكي  .

2.  موقفه من سياسات روسيا واحترامه الشديد للمنهج والسياسات التي يتبعها بوتين  وتقاربه مع بعض الشخصيات المثيرة للجدل وخاصة من اليمين المتطرف الصاعد في اكثر من بلد غربي .

3. التخلي عن سياسة امريكا كشرطي للعالم واستبدالها  بمحاربة الإرهاب الاسلامي والتعامل مع القضايا الخارجية في اطار من قاعدة لا خدمات دون مقابل وهذا  في اطار تصريحاته ووعوده ينطبق على الخليج والسعودية اكثر من غيرهم .

4.   وعوده بإعادة الاستثمارات الامريكية في بقاع العالم للاستثمار والعمل على المستوى الوطني لرفاهية المواطن الامريكي  وهو يقصد الامريكي الابيض ومحاربته لمؤسسات العولمة والتجارة الدولية التي تستفيد منها الصين اكثر من غيرها حسب قناعاته  وكذلك وعوده من الانسحاب من  المعاهدات الدولية المتعلقة بالمناخ "اتفاقية باريس " .

5.  وعوده العنصرية  المرتبطة بمحاربة الهجرة و المهاجرين وموقفه من المسلمين والاقليات المختلفة في امريكا ورغبته بإنشاء جدر واجراءات لحماية وعزل امريكا وهويتها من الاثار السلبية  لانفتاحها العالمي .

6. تصريحاته المتكررة  الداعمة لاسرائيل ويهودية الدولة وعاصمتها الموحدة في القدس  على اعتبار انها جزء من الثقافة والامتداد الامريكي في المنطقة ومطالبته للفلسطينيين بوقف الإرهاب والتفاوض المباشر .

ان هذه التغيرات الكبرى عادة ما تترافق مع زيادة في حدة حالة الاستقطاب والانقسامات التي قد ترافقها احداث عنف وذلك مرتبط اكثر بمدى قوة او ضعف البنية السياسية ،واجهزتها وهياكلها الموحدة، ومدى حدة التحريض في االماكينة الاعلامية وكذلك درجة عدم الرضا والإحباطبين مكونات المجتمع الامريكي  وانتشار السلاح بين الاطراف المتصارعة. 

ملاحظة اخرى مهمة على هذا التحول مرتبطة بتراجع  كبير في قدرة الولايات المتحدة على القيام بالدور الذي تدعي القيام به تجاه حقوق الانسان وملفات لها علاقة بالمساواة  فلا يمكن ان يتم قبول شخصية مثل ترامب كمدافع عن حقوق الانسان.

اذا العالم مقبل على تغيرات وارتدادات لهزة عالمية احدثتها تغيرات كبرى من قبيل  عولمة الإرهاب،وما سمي بالربيع العربي وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي، وعودة بعض القوى العالمية للصعود والاهم هذه الانكفاءه الامريكية  نحو ذاتها الوطنية  مقابل  قيادتها  في العقود الاخيرة للعولمة والهيمنة واحادية القطبية .

الحديث عن مرحلة التغيرات الكبرى يدور منذ زمن ومناطق مثل المنطقة العربية على درجة عالية من الحساسية والقابلية للتاثر  بهذه المتغيرات لاسباب عديدة لا يجهلها معظمنا ، لكن للاسف لم  يتم تطوير اي سياسات للمواجهة  سوى من قبل البعض ونحن في فلسطين وضعنا رأسنا في الرمال في التعامل مع هذه المتغيرات وتلهينا بأمور في احسن الاحوال نستطيع ان نقول عنها انها اخرجتنا من ساحة الفعل والتاثير ولا تنتمي الى هذه المرحلة من التغيرات الكبرى على المستوى العالمي .

امريكا لم تكن يوما صديقتنا وسياساتها كانت منحازة بشكل واضح الى الكيان الاسرائيلي حتى لو امدتنا ببعض الاموال  المسمومة من اجل تحقيق اجندتها في التطويع ،  امريكا الرسمية وعلى المدى المنظور لن  تكون غير الحليف الاول لاسرائيل  فامريكا كانت ولا زالت من اشد المعادين  لحقوقنا ومطالبنا وكفاحنا

ان محاولات استرضاء امريكا الجديدة في ظل هذا الرئيس الذي لا يخفي عنصريته وعداءه لنا ودعمه لبرنامج اشد غلاة المتطرفين الصهاينة لن تجدي نفعا ولن تساهم في عزة وكرامة الفلسطيني بل ستزيد من امتهانه بينما سياسة المواجهة ستكون اكثر  فائدة وتعبيرا عن موقف اكثر انسجاما و حالة طبيعة  للشعب الفلسطيني ، فلماذا لا يتم الإعلان الصريح عن رفض اي دور امريكي  في اي جهود سياسية  تخصنا ، خاصة في ظل هذا الرئيس الجديد.

فلماذا لا يتم التصعيد الدبلوماسي  والعمل على اعادة وعي الجمهور العربي والفلسطيني ان امريكا الرسمية هي عدو وليست محايدة او صديق ؟  ولماذا يتم التخلي عن اتفاقيات اوسلو  او تجاوزها  بعد ان تخلت عنها اسرائيل والراعي الامريكي  وتجاوزتها حقائق الواقع .

لماذا لا يتم التخلي عن استراتيجية حل الدولتين  وتبني استراتيجيات جديدة  مستندة ومنطلقة من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني مع اخذ كل هذه المتغيرات بعين الاعتبار.

الكثير من المتظاهرين والمحتجين  في الشوارع الامريكية الان هم من حركة وول ستريت ومن الداعمين للحقوق الفلسطينية  فلنوثق صلاتنا بهم  وان نسهل الامور عليهم ونصعبها على رئيسهم الجديد حتى بامكانياتنا المتواضعة وخاصة على المستوى الشعبي.

نعم امريكا دولة كبرى بل امبراطورية عظمى لكنها  هربت من اكثر مكان في العالم عندما واجهتها الشعوب الحرة والارادات المقاتلة وهي لا زالت تتخبط في بعض البقاع وما  تعيشه من تحولات  ليس بعيدا هن نتائج هذه التدخلات والاهم ان القاعدة الاساسية في استراتيجية المواجهة هي ان من يعيش في المنطقة هو لاعب اساسي او اللاعب الاساسي في  تحديد مسارات تطورها مهما عظمت التدخلات الخارجية  والتجربة القريبة خير  دليل  فهل ان لنا  نحن الفلسطينيين ان نعود الى مكاننا الطبيعي  وهو خندق المواجهة  .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير