عدنان رمضان يكتب لوطن: في ذكرى احداث جسام- هل من مراجعة؟

في هذه الايام نعيش ذكرى احداث جسام كثيرة ومؤثرة ولا زلنا نعيش ونعاني اثارها الهائلة على منطقتنا العربية عموما لكن ايضا على حياتنا الشخصية كافراد ودون استثناء، لقد تجاوزنا الذكرى المئوية لاتفاقية وتفاهمات سايكس بيكو السرية في حينه و التي وقعت بين فرنسا وبريطانيا وبرعاية روسيا القيصرية في العام 1916 لتقسيم الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا إلى ان تم فضحها بعد ثورة البلاشفة الشيوعيين في روسيا، ومن جهة اخرى ستمر علينا الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم الذي قدمته بريطانيا إلى المرابي اليهودي الكبير روتشيلد ومنه إلى الحركة الصهيونية لاقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
في العام القادم ايضا يكون قد مر سبعة عقود على تقسيم فلسطين وعلى النكبة الفلسطينية والتهجير القسري وانشاء دولة اسرائيل التي زرعت كاكبر مشروع احلالي تمييزي عنصري على حساب فلسطين واهلها وهي مستمرة منذ ذلك الوقت في ممارساتها المجرمة بحق شعبنا الفلسطيني والشعوب العربية المختلفة وكذلك خمسين عاما على الاحتلال الاسرائيلي وهي المناسبة التي يحب الكثيرين ترديدها على اعتبار انها وبشبه اجماع عالمي تشكل محطة يجب التوقف عندها للتاكيد على دم شرعية احتلال الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.
ليس بعيدا عنا ايضا ذكرى حادثة البوعزيزي التونسي التي اطلقت ما سمي "الربيع العربي" الذي تحول لاسباب عديدة ذاتية وخارجية إلى فشل ذريع وكابوس مستمر حتى ان حاثة "طحن امو" التي حدثت قبل ايام في المغرب ، تمر حادثة طحن بائع السمك المغربي على يد رجال الامن دون ان تشكل اية علامة فارقة في الحركات الشعبية أو الاحتجاجية أو صيغ العمل السياسي والقانوني ولتؤشر إلى حالة الاحباط والخوف والتردد الجماهيري من جانب ووضع الحريات في المنطقة باكملها من جانب اخر.
هذه الاحداث وما بينهما من انشاء الدول العربية الوطنية وما سمي الاستقلال شكلت سلسة متصلة ومتبادلة التاثير من الوقائع التاريخية التي ساهمت بشكل كبير في صناعة كثير من الوقائع المرة التي عرقلت تطور المنطقة وشوهت البنى الناتجة عنها مما ساهم في المساس بقضايا الهوية والاستقلال وايضا بالانظمة السياسية والطبقات الحاكمة إلى الفشل الذريع في التنمية والبناء وقد تكون عوامل التاثير و التغيير التي رافقتن مسارات تطور منطقتنا في هذا القرن في اغلبها خارجية وتستجيب لاجندات اصحابها الا ان عوامل الفشل في اغلبها ذاتي وداخلي ونحتاج إلى اعتراف صريح بذلك لنتخطى لوم الاخرين بمناسبة أو من دونها.
هناك الكثير من القضايا التي تستحق التوقف الكبير والعميق لاستخلاص العبر والدروس ولكننا هنا نورد بعضها أو ما اعتقد انه مهم وملفا للانتباه ويشكل تحديا أو مؤشرا على عدم وجود توجهات جدية للخروج من حالة الاستعصاء، والإشارة ايضا إلى ان هذه المناسبات كما الذكرى المئوية لتفاهمات سايكس بيكو لا ولم يتم التعامل معها كمحطة للمراجعة أو التفكر أو اية جهود حتى توعوية أو تعليمية على الساحات المختلفة مما يعطي انطباعا بعدمية هذه المنطقة التي اتمنى ان اكون مخطئا في وصفهها بهذا الوصف الخطير.
القضية الاولى :-هي التيارات الفكرية التي سادت في المنطقة إلى جانب الوجود المستمر والقوي والاكثر ثباتا للتيار التقليدي والذي لم يقدم رؤية لعملية التغيير والتقدم بل كان الاستقرار والثبات ومقاومة التغيير هو الخيار الدائم لديه، بينما ظهرت تيارات التغيير الثلاث التي روجت وعملت على تغيير هذا الواقع المازوم ... هذه التيارات هي التيار الإسلامي والاسلام السياسي والتيار القومي والتيار الماركسي، وما ميز هذه التيارات حسب اعتقادي هو ليس فشلها في تنفيذ برامج التغيير فحسب، بل كونها تيارات فكرية لم ترتقي إلى مستوى التحديات والى مستوى انتاج فكري حقيقي... فالتيار والفكر الإسلامي لا زال يقف عند الاسئلة والاجابات نفسها التي طرحت قبل الف عام ولم يجاوزها بل زاد الطين بله وتداخلت لديه بنى المجتمع والسلطة والدين في كتلة هائلة وحائط صد منيع لتمنع اية اختراقات أو تطور يمهد لبناء فكري جدي ومتجدد ومنهجا يبنى عليه في مجال الإصلاح، اما التيار القومي والماركسي فكان في اطروحاته الفكرية اقرب ما يكون إلى الصدى والترجمات ومحاولات النسخ منه إلى الابداع والابتكار والتطوير، وكانت النسخ التطبيقية منه في اغلبها اسوا بكثير من كونها صدى فحسب، بل كانت مثار تساؤلات خطيرة في حقيقة كونها تمثل هذا الفكر أو انها تتلفع بعباءته لتخفي نمطا تقليديا اكثر تخلفا ورسوخا، وحتى الان وعلى ما اعلم فانه وباستثناء مركز دراسات الوحدة العربية وبعض المحاولات الاخرى المحدودة لازال الجهد الدراسي الجدي القادر على انتاج وتقديم مساهمات فلسفية وفكرية عربية تؤسس لعملية تحرر ونهوض لا تزال شبه معدومة.
القضية الثانية :-هي الضعف الملفت للانتباه لحركة الإنتاج العلمي حيث لم لم تساهم المنطقة في هذا القرن بحد ادنى في الإنتاج والانجازات العلمية الانسانية، ولا زالت معاهدنا وجامعاتنا ومراكزنا العلمية هي جزء من هيكل شكلي ان وجد أو مراكز نقل وترجمة في احسن الاحوال، ولم تنتج لنا هذه المؤسسات سيارة عربية الإنتاج أو تسهل على الانسانية بعلاج أو اكتشاف نستطيع ان نفاخر به بالرغم من بزوغ عدد جيد من الاسماء العربية في سياقات الاعتراب والعمل العلمي في المؤسسات العلمية الغربية فكيف ننظر إلى هذا الامر؟ وهل هو حاضر في تفكير اكاديميينا وعلمائنا والقائمون على الامر في هذه البلدان وهل هو امر اصلا يستحق ان نفكر ونتفكر فيه من اصله.
القضية الثالثة :-معضلة فشل التنمية فلا زالت هذه البلدان وحتى وفقا لمؤشرات التنمية الاجتماعية الكلاسيكية إذاتمت دراستها بجدية سنجد ان الامر الواضح فيها هو التراجع أو عدم التقدم برغم بعض الارقام الخادعة المتاتية عن الإنتاج الريعي ونفط العرب المهدور فالمؤشرات صادمة، حيث ترينا ان معدلات الامية ونقصد بها عدم القدرة على القراءة والكتابة في بلدان عربية عريقة وعديدة تتخطى ثلث السكان، اما مؤشرات الفقر فحدث ولا حرج وتتفاقم بدلا ان تتقلص ويترافق ذلك مع زيادة حدة الانقسام الطبقي وانتشار الانماط الاستهلاكية على كافة المستويات المادية والمعنوية والتدهور الخطير الصحة والحالة الاجتماعية عموما.
اما المعضلة الرابعة :-والاخطر فهي فشل الدولة وفشل الثورة ،فالدول العربية المتعددة والتي استقلت على مدى القرن الماضي في الفترة الممتدة ما بين خمسين إلى مئة عام، حيث لم تنجح ليس في التصدي للمهام التي توقعتها الشعوب بل عجزت عن بناء هياكل دول قادرة على الثبات في وجه الازمات والرياح بل اعتمدت في بقائها على التلاعب على وتر البنى الاولية مثل القبيلة والطافة والملة ...اي ان هذه الدول لم تنجح في بناء جهاز حقيقي للدولة الحديثة بالمعني الحرفي وفشلت في القيام بابسط المهام الموكلة اليها ،وكانت اداة قمع وتسلط واحتكار للعنف المضروب على ابنائها هذه الدولة قدمت كافة المبررات للثورة عليها والعمل من اجل تغييرها، لكن المصيبة الكبرى ان الثورات العربية لم تكن في جوهرها وفي اغلب الاوقات اكثر من طموح لتغيير شكلي لجهة ومسميات السلطة والحكم، وفشلت الثورات - كما فشلت الدول - بالالوان المختلفة من ان تقدم نموذج واحد من النجاح قادر على الثبات والتفاعل مع المعضلات سابقة الذكر بنجاح نسبي أو واضح، ومن جهة اخرى فان فشل هذه الثورات سابقا مضافا اليه ما الت اليه البلدان العربية في الخمس سنوات الاخيرة يطرح تساؤلات عن معنى الثورة وشروطها وعلاقتها بالدولة والفكر والفلسفة والعقل الجمعي وانماط المشاركة التي توفرها للناس.. فالثورة في اسوا مظاهرها عندما تكون تبديل شكلي للسلطة وللطبقات الحاكمة.
إذا نظرنا إلى هذه القضايا التي تحتاج إلى جهود كبيرة من المراجعة والدراسة والى جيوش من العاملين المتخصصين والمخلصين والمناهج الموضوعية من الفاعلين المختلفين لتقديم خلاصات وتاسيس معرفي عربي واضح للاجابة على هذه التحديات والتاسيس لحالة فكرية وعملية لحل هذه المعضلات فليس لدينا خيارات كثيرة أو حتى خيار اخر وحيد وفرصنا تتبدد وتضيق وتتلاشى مع مرور الوقت، لا يمكن ان نستمر بان نحيي المناسبات بن نلقى بعض خطابات التالم وجلد الذات ،او الوعيد وتنتهي المسالة وكاننا في مسلسل تلفزيوني لا يعنينا سوى بمقدار اكبر من التسلية أو كانها موجودة لتعبئة صورة زائفة من الوجود سرعان ما تزول.
لقد سالت دماء كثيرة ولا زالت تسيل وملايين العرب قضوا على مذبح هذه التحديات، الام مرارات وماسي وغصات عديدة تجرعها اجدادنا وابائنا ولا زلنا نتجرعها في سبيل مخرج كريم من التأزم المستعصي وفي سبيل حياة حرة وكريمة وكرامة وسيادة ومتسع في حياة ما فتئت تضيق ولتكن هذه المناسبات محطة وفرصة ل وقفات جدية وحقيقية من كافة الجهات القادرة على المساهمة أكانت سلطات أو احزاب مؤسسات وجامعات واكاديميين وباحثين ونشطاء وافراد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



