خالد بطراوي يكتب لوطن: من أين تؤكل الكتف

قالت العرب " فلان .. يعرف من أين تؤكل الكتف" وكانوا بذلك يقصدون تشبيه المتبصر والمحنك والواعي بشؤون الحياة بذلك الخبير في أكل اللحوم. اذا فالمصطلح بالأصل كان في المديح وليس في الهجاء.
أيامنا هذه عندما يغمز لك صديقك بالقول بأن أحدهم "يعرف من أين تؤكل الكتف " ... فهو بذلك يقصد أنه اما أصبح مسؤولا أو مديرا أو مليونيرا أو ما شابه، فقد استغل الفرصة وربما تذلل لها وقبّل مؤخرات من هم أعلى منه مرتبة ليحصل على مراده.
أذا تحول المصطلح من المديح الى القدح والذم والتشهير ، فان قلت ذلك علانية، تجد نفسك تحاكم أمام القضاء بهذه التهمة وربما تقضي عقوبة بالسجن أو يفرض عليك غرامة أو بكلتا العقوبين مع اعتذار في الصحف.
كم هو عدد الذين عرفوا حقا من أين تؤكل الكتف في مجتمعاتنا، وربما في البشرية جمعاء، هل أكلوا الكتف بفعل ذكائهم أم لا؟ لماذا تأكل الشعوب الحصرم .. بينما يتنعمون هم بعصائر الفاكهة الطبيعية الطازجة؟
لماذا يزدان صدر قائد عسكري بالنياشين بينما من خاض المعركة هم جنود بالكاد حصلوا على اجازة بعدها للقاء عائلاتهم.
هناك المبدعون الحقيقيون .. أغلبهم مسحوقون لأنهم يعملون لأجل فكرة ولأجل العموم .. لكنهم لا بد وأن يجدوا من يتسلق ابداعهم وينسبه اليه، ويتقدم ويتقدم في الحياة العامة ويكون بذلك قد عرف من أين تؤكل الكتف.
من بين المبدعين من يعي هذه الحقيقة ولا يهمه الا أن تنجح الفكرة بغض النظر عن الذي سيحملها، فهذا المبدع لا يبحث عن المأثرة الفردية ولا عن " السبق الصحفي" ولا يهمه مطلقا أن يرتدي حلّة نظيفة وحذاءا ملمعا أمام عدسات الكاميرات ووسائل الاعلام ولكن الذي يهمه نجاح الفكرة والابداع.
وهناك مبدعون حقيقيون يبدعون لكنهم يتذمرون ولا يفعلون شيئا لجعل حالة التذمر التي يعيشونها قذيفة في وجه المتسلقين والعارفين من أين تؤكل الكتف.
وهناك مبدعون حقيقيون يهمهم أيضا البعد الذاتي في أن ينسب ابداعهم لهم ويبذلون قصارى جهدهم لأجل ذلك وكل الاحترام لهم شريطة أن لا يسعوا الى اقصاء غيرهم من المبدعين أو النظر اليهم نظرة دونية.
وفي المقابل، أكلي الكتف أنواع. نوع يعرف جيدا أنه أكل الكتف تسلقا على أكتاف غيره ولا يبالي مطلقا بل يمارس فكرا تسلطيا قمعيا استبداديا اقصائيا، وبالطبع فهذا النوع هو الغالب اذ أنه طالما رضي بالتسلق فلن يتأخر في الحافظ عليه بشتى الوسائل.
ونوع يدرك وقد أكل الكتف فقد حرم غيره من المرق على الأقل، فيفضل أن يكتفي بذلك لا أن يصعّد ويدرك في داخله أن المبدع الحقيقي أفضل منه بملايين المرات وربما يظهر احتراما له، لكن هذا النوع لا يشكل السواد الأعظم من آكلي الكتف.
ولا أشد ذلا من أن ترى شخصا يعرف من أين تؤكل الكتف يقبل يد طفل فقط لأنه ابن أحد المسؤولين أو من أبناء البلاط فيما المبدع الحقيقي يقبل أيدي أطفال الفقراء طواعية. ويتفنن بعضهم في تقبيل أيادي أطفال المسؤولين لدرجة الانحناء بطريقة ذليلة تشعرنا نحن بالرغبة في التقيؤ.
ومما لا شك فيه أن المسؤولين يصفقون لهؤلاء الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، فهم يريديون من يقبل أحذيتهم ويقول لهم " حاضر سيدي" وينفذون الأوامر على نمط " نفذ ولا تناقش".
لقد ضحى مناضلون بحياتهم كي يقولوا كلمتهم قبل اعدامهم والقائمة تطول في عالمنا العربي ... لم يعدمهم قادة الأنظمة الا لأنهم قالوا رأيا ومارسوا فعلا لأجل الفقراء والمسحوقين.
لكن، أيها الأحبة .. حتى أولئك الذين نوصفهم ذما بأنهم من بين أولئك الذين عرفوا ويعرفون من أين تؤكل الكتف .. فهم فعلا لا يعرفون من أين تؤكل كتف الذبيحة.
ما أن يضعوا المناسف أمامهم، ينظرون الى اللحم ولا يأبهون للأرز، يتناولون اللحم بأيديهم الخائنة ويأكلون كيفما اتفق مبررين أن ذلك جزء من التراث الشعبي، فيأكلون كتف الذبيحة من الأعلى فيسيل المرق.
الحقيقة أن أكل الكتف يجب أن يتم من أسفل الى أعلى، عندما ينسلخ اللحم أسفل الكتف عن العظم ( كالانسلاخ الطبقي لمن رضي لنفسه التسلق) وتبقى طبقات اللحم العليا حافظة للمرق الثابت في مكانه فوق العظم وكلما ارتفع آكل الكتف الى الأعلى كلما انسكب المرق على اللحم لإكسابه ليونة ومذاقا مميزا.
لا بد من الاشارة الى حقيقة أخرى أيها الأحبة، نحن في عائلتنا لا نشتري اللحوم الا قليلا قليلا ونشتريها بشكل خاص عند حضور ولدنا الطالب الجامعي من السفر في عطلته الصيفية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



