خالد بطراوي يكتب لـوطن: "كوكتيل"

10.10.2016 09:01 AM

أذكر مطلع سبعينات القرن المنصرم عندما كنا نذهب لمركز المدينة وكان عدد المحلات التجارية قليلا جدا، كنا لا نجد نحن الصغار الا أصابع البوظة التي كنا نسميها " أسكيمو" اقتباسا عن الأكبر منا سنا في اشارة الى المنطقة المتجمدة على الكرة الأرضية " ألاسكا " حيث شعب " الأسكيمو".

الى أن مررنا ذات يوم برفقة الوالدة -رحمها الله- ووجدنا طابورا من الناس أمام محل، وأكتشفنا أنه يروج بالمجان لعصير الفواكه، وقفنا مع الطابور وكنت أشاهد بأم عيني كما يقولون كيف كان صاحب المحل يخلط بماكنة خلط صغير التفاح والموز مع الحليب ويقدمه لنا في كؤوس زجاجية صغيرة، وعندما تذوقته أعجبني لدرجة أنني كنت أطلب كلما ذهبنا الى مركز المدينة من والدتي أن تشتري لي الكوكتيل.

وبصراحة، نحن نعيش هذا الأيام كوكتيلا من نوع مختلف ... مظاهرة تؤيد الرئيس في رام الله تحظى بالاحترام والتقدير، في مقابل مظاهر تعارضه تحظى بالبهدلة والتشريح، مظاهر تعارض الرئيس في غزّة تحظى بالاحترام والتقدير في مقابل أي تحرك لتأييد الرئيس في غزة يلقى قمعا وتنكيلا.

كوكتيل انتخابات الهيئات المحلية ... تحدد الموعد .. تشكلت القوائم على أسس كوكتيلية غريبة عجيبة .. أوقفت محكمة العدل العليا مؤقتا الانتخابات، عادت وأقرتها في الضفة الغربية دون قطاع غزة وغابت القدس.

قيادي بارز في فصيل سياسي يقدم أوراق وأدلة بحق رأس الهرم القضائي، يهب المؤيد والمعارض وتعقد حلقات الصحافة وتكثر الفتاوى.

كوكتيل المشاركة في جنازة شمعون بيرس بين المؤيد والمعارض والبيانات الاستنكارية النارية، ورد الفعل التهديدي المعارض لها بالضرب بما أسموه " بيد من حديد" يقول لك الى أين نسير؟

أحداث جسام عصفت بنابلس وبلدتها القديمة خلفت عائلات ثكلى لا نستطيع معها الا أن نشرب القهوة السادة، ونرفض كوكتيل الدم والدمار والذكريات المؤلمة.

كوكتيل يتبعة كوكتيل .. ننسى طعم الكوكتيل الأول بأول رشفة للكوكتيل الثاني وهكذا دواليك...

وفي حقيقة الأمر، نحن لسنا جاهزون لأي شىء...

نتشدق كما باقي المجتمعات العربية بقناعتنا بأهمية تطبيق حرية الرأي والرأي الآخر ولا نطبقها ... نشدد على استقلال القضاء وسيادة القانون ... وربما ينتهكه القانونيون قبل غيرهم ...

السؤال المطروح .. وكيف السبيل فعلا لأن يكون كوكتيلنا مخلوطا بطعم لذيذ ومن كافة أنواع الفاكهة ودون مواد اضافية أو ملونات كيماوية؟

من وجهة نظري أن ذلك لن يتأتى بسهولة ولن يكون سريعا ... ولا نريد أن نعلق كل شىء على شماعة الاحتلال الذي من دون شك له دور بشكل مباشر أو غير مباشر في تأجيج التناقضات ... لكن الأساس هو الشأن الداخلي الفلسطيني .. كيف ننهض بوعينا ونجعل من النسيج المجتمعي الفلسطيني نسيجا يستوعب كل الآراء واختلاف وجهات النظر ...

ذلك يبدأ أول ما يبدأ بالاسرة فالمجتمع وبشكل خاص في العملية التربوية لخلق جيل جديد يؤمن وأقول يؤمن بالمجتمع المدني وحقوق الانسان وسيادة القانون واستقلال القضاء والرأي والرأي الآخر ويبتعد بشكل كامل عن ذهنية القبيلة والفصيل ومعاهم معاهم وعليهم عليهم.

هل أكره الكوكتيل؟ لا أدري صدقا ... لكنني في مركز المدينة كلما مررت ... أتذكر يدي ممسكة بيد والدتي رحمها الله نعرج على بائع العصير الذي كان يخلط الفاكهة ليقدمها لنا كوكتيلا بواسطة أولى خلاطات الفواكة وأذكر الدعاية التي كان التلفزيون الاردني يبثها لخلاطات مولينكس والتي كانت تقول في احدى مقاطعها " صارت حرة ست البيت بفضل مولينكس"ولا أعرف ما علاقة حرية المرأة بهذه الخلاطة تماما كما لم أكن أعرف علاقة " القهوة السادة بالصراع الطبقي".

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير