خالد بطراوي يكتب لوطن: معمر عرابي.. تباً لك

رام الله: كتب صديقي الاعلامي معمر عرابي على صفحته عبارة استوقفتني كثيرا تقول " الوطن الذي يدفعك للهجرة منه هو وطن عاق".
قلت يا ولد يا خالد ما الذي يقصده هذا العرابي الذي شق طريقه بصعوبة من أزقة مخيم الجلزون وهل فعلا يدفعنا الوطن للهجرة وهل الوطن هو العاق أم الانسان. كما وتبادر الى ذهني سؤال هل تعتبر الحالة العامة التي تسود الوطن أي وطن سببا للهجرة؟
كيف لي مثلا أنا الجالس في بيتي مطمئنا وبهدوء أن أكتب مثلا لشعبنا العربي السوري العظيم قائلا لهم اصمدوا في أوطانكم لا تهاجروا وهم يتعرضون للابادة الجماعية الرسمية وغير الرسمية؟ كيف لي أيضا أن أطلب من شبابنا وشاباتنا في قطاع غزة الذين يعتبرون مجرد زيادرة مدينة رام الله كمن زار باريس أن يصمدوا هناك ولا يوجد أية بارقة لجيش العاطلين عن العمل للعمل بمرتب أو دخل يصل الى الف شيكل شهريا وكيف لي أن أطلب من شعبنا البطل في العراق أن يصمدوا ولا يغادروا الوطن وأنا أراهم يتقطعون أشلاءا في تفجيرات تحصل في الأسواق العامة وتحديدا فترة الازدحام والمناسبات الدينية؟
قبل سنوات عندما عاد من عاد الى أرض الوطن من أبناء شعبنا الفلسطيني كان من بينهم المؤرخ والكاتب ابن قرية النبي صالح نمر سرحان – أطال الله في عمره – وكتب في صحيفة الأيام مقالة تقول أن " الوطن يفتح ذراعيه؟" فهل فعلا يفعل الوطن ذلك؟ وهل ما زال هذا الباحث المتمرس في التراث الشعبي الفلسطيني على قناعة بأن الوطن فعلا يفتح ذراعيه؟
عام 1984 عدت الى أرض الوطن بعد أن تخرجت مهندسا وكنت قد غبت لست سنوات متواصلة دون أن أعود مرة واحدة خوفا من أن أمنع من السفر وأخسر دراستي الجامعية وكان هذا هو حال مئات من أمثالي الطلبة وقتها، كنت آنذاك مصرا على العودة الى أرض الوطن وأنا أعلم أنني سأغيب لبعض الوقت في غياهب سجون عربية واحتلالية وهذا قد حصل ولكنني عدت كما غيري ولدينا كامل الاستعداد لخوض هذه التجربة.
الان، نتناقش زوجتي وأنا من أننا لن ننزعج مطلقا لو بقي أولادنا الجامعيين في الخارج ونقول في قرارة أنفسنا ... تبا لنا .. لقد اختزلنا أحلامنا وحصرناها فقط في اطار أسرتنا المصغرة، كيف لا وابنتي التي تعمل موظفة تتقاضى راتبا شهريا لا يكفيها أجرة منزل فيما لو انفصلت عنا وتزوجت شابا لن يكون راتبه أفضل من راتبها.
يا معمر يا عرابي جملة واحدة كتبتها كانت كما قالت شاعرتنا الفلسطينية ليلى علوش " بهار على الجرح المفتوح" تستوجب عليها أن أشتمك وأقول " تبا لك" وهي شتيمة مؤدبة جدا جدا.
الوطن ليس عاقا .. ان السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد ... ساسة البلد من أقصى اليمين الى أقصى اليسار يحولون البلد الى متلقي للخدمات ويطورون قطاع الخدمات ولا يشجعون قطاع الانتاج... ورأس المال جبان ... لا يغامر ويبحث عن الربح السريع من خلال شركات الخدمات والبنوك وشركات المعلوماتية فتجد نفسك تغرق في الفواتير الى أن يأتي يوما سيعبئون لك الأوكسجين الذي تتنفسه في زجاجات تحمل علامات تجارية. ولا أحد يهتم مطلقا باستيعاب أن التنمية التي نحتاجها هي ما خلص اليه مؤتمر الملتقى العربي الفكري بالقدس أواسط الثمانينات بأنها " التنمية من أجل الصمود المقاوم".
جيل الشباب تتفشى البطالة داخله رغم وجود كفاءات ... فشلنا نحن الجيل الأكبر في أن نوفر لهم الأجواء المريحة لاطلاق طاقاتهم وابداعاتهم ولهم حق علينا أن نعتذر منهم وبالمشبرح ... نحن من يدفعكم للهجرة.
الظلاميون هم العاقون للدين وللوطن ... يذبحونك كما الخراف ويكبرون وهم يحزون رقبتك بل ويتفنون في بعض البلدان وعلى منابر المساجد وحلقات الدروس الدينية في شرح طريقة الذبح الحلال .. فكيف لا يهاجر أبناء الوطن يا معمر يا عرابي؟
ما زلنا حتى يومنا هذا يا معمر يا عرابي ... أيها المنطلق من أزقة مخيم الجلزون حيث أول تنظيم قاوم الاحتلال مباشرة عام 1967 تحت اسم " منظمة باطن الأرض" نناقش هل اسم المرأة عورة؟ فكيف لشاباتنا أن لا يفكروا بالهجرة والهروب؟
ذات يوم كتبت الشاعرة الكويتية ميسون السويدان ابنة الداعية الإسلامي الكويتي المعروف د. طارق السويدان تغريدة على شبكة التواصل الاجتماعي " تويتر" قالت فيها " انها تتيه في شوارع مكة تبحث عن الله... ولم تجده في الحرم..
عندها ثارت ثائرة "جهابذة" الاسلام لكنها تصدت لآصحاب العقول الجاهلة وقالت وباصرار " أتظنونني سأسكت عنكم يا مكفّرون؟؟ لا والله لن أسكت.. لم أتمسّك بديني كل هذه السنين في الغرب حتى يأتي "المسلمون" ليسلبوني إياه ، لقد عدنا والله إلى الجاهلية،أنتم تعذّبون المسلمين بالشتم حتى تخرجوهم من دينهم..وأنا والله لن أخرج من دين الله ولو كره المكفرون ... هذا الدين الذي تدافعون عنه ليس بديني هذا صحيح. أنا ديني الإسلام والرحمة وأنتم دينكم التكفير والنَّقمة. لم أذهب إلى مكة لأرى من يدَّعي أنَّه يمثِّل الدين يضرب أرجل النساء بالعصا ويهشّهن كالغنم..أنا لست بعيراً بيد راعٍ أنا إنسانة جاءت لتلقى ربها .. لم أذهب إلى مكة كي أرى متاجر إسرائيل على بُعد خطوات من بيت الله الحرام. .. لم أذهب إلى مكة لأرى آلاف الفقراء المساكين يقفون بين يدي الله بأثوابهم البالية فيجبرهم الإمام أن يدعوا للملوك والسلاطين الذين لا يصلّون أصلاً. ... لم أذهب إلى مكة ليبكي قلبي لما فعلتموه بهذه المدينة الطاهرة..بالمسجد الحرام، ذهبت إليها بحثاً عن الله..فلم أجدْه عندكم..نعم، ما وجدته إلا بقلبي. لو أنّي بحثت عن الله في مكّة..أو في مذهبكم التكفيري العنيف الملطّخ بالدماء لكَفرتُ من زمان…هذا صحيح.. فالحمد لله أنّي لم أبحث عنه إلا بقلبي ... إن لم يسعنا الإسلام جميعاً - فاذهبوا أنتم. أنا هنا في رحاب الله باقية. مسلمة أنا لن أتخلّى عن ديني ولو قاتلتموني عليه بالسلاح. ... أنتم قتلتم الحلّاج … أنتم قتلتم الروحانية في مكة.. أنتم قتلتم الله في قلوب الناس.. أنتم شوّهتم دين الله ألا شاهت وجوهكم.
وأنهت تغريدتها بالقول " مَن كان يعبد محمد بن عبدالوهاب - فإنّه قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت" ... أحدٌ أحدْ.. ربُّ المكَفِّرِ شيخُهُ… رب المكفِّرِ سيفُهُ… وأنا إلهي ليس يسكن في جمادٍ أو جسدْ… أَحدٌ أحَدْ … أحَدٌ أحَدْ … إن تضعوا حجر التكفير على صدري فلا أقول إلا: أحدٌ أحدْ.. أنا ما وجدتُك في بلدْ، أنا ما وجدتك في جسدْ، أنا ما وجدتك في سوى قلبٍ لغيرك ما سجدْ ... أحدٌ أحَدْ … أحَدٌ أحَدْ … ربُّ المُكفِّرِ قاتلٌ … ربُّ المكفِّر مُستَبِدْ … وأنا إلهي في فؤادي…ليس يقتلُهُ أحَدْ " .
معمر عرابي ... يا من كنت أصغر معتقل سياسي عام 1987 في سجون الاحتلال ويا من كتبت عنك المحامية التقدمية فيليتسيا لانغر آنذاك " اسم أمام القضاء بين المعقول والباطن " سأعيد شتيمتي المؤدبة لك "تبا لك" وعندما نلتقي سأستبدلها بشتيمة من العيار الثقيل وكاسة شاي بالنعناع.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



