تدريب النساء على توثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية.. وشبكة من 150 مدافعة عن حقوق الإنسان تواصل العمل في الضفة

خلال منصة مواطنات: نساء فلسطينيات يوثقن الانتهاكات ويفتحن الطريق نحو العدالة

13.09.2026 02:37 PM

وطن للأنباء: لم تعد النساء الفلسطينيات في المناطق الأكثر عرضة للانتهاكات مجرد شاهدات على ما يجري حولهن، بل تحوّلن إلى جزء فاعل في عملية الرصد والتوثيق والمناصرة، من خلال تدريبهن على توثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية، وتحويل الشهادات الفردية إلى أدلة يمكن استخدامها في المساءلة والدفاع عن حقوق الإنسان.

وخلال حلقة جديدة من منصة "مواطنات"، التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، استعرضت منسقة مشروع "لنتكاثف" في جمعية مدرسة الأمهات، بسمة شريم، والخبير القانوني والمدرب المحامي علاء بدارنة، تجربة المشروع في تدريب النساء على حقوق الإنسان والرصد والتوثيق، وآليات حماية الضحايا والمدافعات عن حقوق الإنسان.
وقالت شريم إن جمعية مدرسة الأمهات، التي تعمل مع النساء والفئات المهمشة في تسع محافظات بالضفة الغربية، سعت من خلال مشروع "لنتكاثف" إلى نقل المعرفة المتعلقة بحقوق المرأة والسلام والأمن من الإطار النخبوي إلى المجتمعات المحلية، وتعزيز قدرة النساء على رصد الانتهاكات وتوثيقها.
وأوضحت أن المشروع ركز بصورة خاصة على القرار 1325 المتعلق بالمرأة والسلام والأمن وحماية النساء في أوقات النزاعات والحروب، مشيرة إلى أن التدريب لم يقتصر على رفع الوعي، وإنما شمل آليات الرصد والتوثيق، والمفاهيم الحقوقية والقانونية، وكيفية إعداد الإفادات وحفظ الأدلة.
وبيّنت شريم أن المشروع تمكن خلال ثلاث سنوات من الوصول إلى ما يقارب 2000 إلى 2500 امرأة من خلال أنشطة التوعية، بالتوازي مع تقديم خدمات الإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي، فيما أُنشئت وحدة دائمة للرصد والتوثيق داخل جمعية مدرسة الأمهات.

"الانتهاكات ليست أرقاماً"
من جهته، قال المحامي علاء بدارنة إن أهمية التجربة تكمن في أن النساء لم يعدن يكتفين بنقل ما تعرضن له، وإنما أصبحن قادرات على توثيقه بطريقة يمكن أن تُستخدم أمام الجهات الحقوقية والقانونية.

وأوضح أن تدريب النساء جاء وفق المعايير الدولية للتوثيق، بما يشمل حماية الضحية وعدم إحداث ضرر إضافي لها، والحفاظ على السرية والخصوصية، والحصول على الموافقة الطوعية، إضافة إلى توثيق الاسم والمكان والتاريخ والوقت وتسلسل الأحداث.
وأشار بدارني إلى أن وجود باحثات ومدافعات من النساء أنفسهن كان عاملاً مهماً في الوصول إلى تفاصيل قد يصعب على الضحايا الحديث عنها أمام باحثين من خارج مجتمعاتهن.

وقال: "المرأة التي توثق هي امرأة من المجتمع نفسه، وهذا يفتح المجال أمام النساء للتعبير عن ما جرى معهن بكل دقة".
وأضاف أن الإفادات التي جرى جمعها كشفت أنماطاً متعددة من الانتهاكات، بينها اقتحام المنازل، وانتهاك الخصوصية، والقيود على الحركة، والتحرش الجنسي، والاعتداءات أثناء عمليات الاقتحام، إلى جانب تفاصيل تتعلق بالخوف على الأطفال والأسرة أثناء هذه الانتهاكات.

وبحسب بدارنة، أُعد تقرير يضم نحو 200 إفادة عكست أنماطاً متعددة من الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون والنساء الفلسطينيات، مؤكداً أن قيمة هذه الإفادات تكمن في أنها لا تقدم الانتهاكات باعتبارها مجرد أرقام، وإنما تنقل التجربة الإنسانية للضحايا وتفاصيلها.

من التوثيق إلى المساءلة الدولية
وأكد بدارنة أن التوثيق المنهجي يمكن أن يشكل في المستقبل أساساً للتفاعل القانوني مع الانتهاكات، بما في ذلك إمكانية استخدام بعض الملفات أمام جهات دولية، مشيراً إلى وجود إفادات تتعلق بحالات قتل واعتداءات طالت أشخاصاً ذوي إعاقة وغيرها من الانتهاكات التي قد تشكل خروقات للقانون الدولي الإنساني.

وقال إن مخاطبة أعضاء في البرلمان الأوروبي من خلال نماذج الإفادات والقصص التي وثقتها النساء شكلت إحدى أدوات المناصرة، بهدف نقل واقع الانتهاكات "بلسان النساء" أنفسهن، وإيصال صورة المعاناة التي تعيشها العائلات الفلسطينية.

وشدد على أن استمرار عملية التوثيق يمثل ضرورة، قائلاً إن ما يجري يجب ألا يتحول إلى أرقام فقط، بل ينبغي الحفاظ على الأدلة والشهادات والقصص التي توثق معاناة الفلسطينيين.


شبكة من 150 مدافعة
وفي إطار استدامة التجربة، كشفت شريم عن تشكيل شبكة "لنتكاثف" للمدافعات عن حقوق الإنسان، التي تضم حالياً نحو 150 امرأة من مختلف محافظات الضفة الغربية، إلى جانب مشاركات من خارج فلسطين، مشيرة إلى أن وحدة الرصد والتوثيق التي أطلقها المشروع تواصل عملها حتى اليوم.

وأكدت أن النساء اللواتي يشاركن في عملية التوثيق هن جزء من المجتمعات المحلية التي يعملن فيها، الأمر الذي يعزز الثقة ويتيح الوصول إلى انتهاكات قد لا يتم الإبلاغ عنها بسهولة.

وقالت شريم إن التجربة كشفت مع الوقت عن أنماط من الانتهاكات لم تكن ظاهرة في البداية، موضحة أن النساء أصبحن أكثر قدرة على الإبلاغ عنها وتوثيقها وفق منهجية واضحة.


حماية المدافعات وحماية البيانات
ولم تغب المخاطر التي تواجه النساء العاملات في مجال التوثيق عن النقاش، إذ أشارت شريم إلى أن الاحتلال يمثل العائق والمصدر الأساسي للمخاطر التي تواجه المدافعات، سواء من خلال صعوبة الوصول إلى المناطق المستهدفة أو المخاطر التي قد ترافق عملية التنقل والتوثيق.
كما لفتت إلى أهمية حماية البيانات الحساسة التي تتضمنها الإفادات، وضرورة وجود أنظمة آمنة لحفظها منذ لحظة جمعها.
بدوره، شدد بدارنة على أن قاعدة "عدم إحداث الضرر" تمثل أحد أهم مبادئ التوثيق، سواء بالنسبة للضحية أو للباحثة، مؤكداً ضرورة تقييم الوضع الأمني قبل التوجه إلى الميدان، والتنسيق مع الجهات المحلية، والحفاظ على خصوصية الضحايا وسرية المعلومات.
وقال إن الهدف من عملية التوثيق يجب ألا يكون مجرد تسجيل الانتهاك، بل أن تتحول الضحية، وفق نهج قائم على حقوق الإنسان، إلى ناجية ومدافعة عن حقوق الإنسان وشريكة في جهود التوثيق والمناصرة.

دعوة إلى توسيع التجربة
وفي ختام الحلقة، دعا بدارنة إلى توسيع تجربة التوثيق النسائي لتشمل مختلف المناطق الفلسطينية، والوصول إلى النساء اللواتي يعشن ظروف النزوح والتهجير والانتهاكات المستمرة، مؤكداً أن توثيق هذه الشهادات يمثل ضرورة لحفظ الذاكرة والأدلة وضمان عدم ضياعها.
وأكدت شريم أن الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني تمثل عاملاً أساسياً في استدامة هذه الجهود، مشيرة إلى أن التعاون والشراكة مع جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية ساعد في تحقيق هدف المشروع المتمثل في نقل قضايا المرأة والسلام والأمن من الحوار النخبوي إلى مستوى المجتمع المحلي.

تصميم وتطوير